الأحد، 3 فبراير 2019

عن ليلة الافكار


عن ليلة الافكار

يقف عادل امام بشخصية الزعيم الحقيقية في مسرحيته الشهيرة مخاطباً الجمهور بهذيان قائلاً:
ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ ﺑﺎﻟﻤﺻﺎﺩ ﻣ ﺃﺟﻞ الشعب ﻭالثورة ﻭالجماهير العريضة.. الامبريالية ﻭالتوسعية، التوسعية ﻣ ﺍﻟﺘﺳﻊ، والامبريالية ﻣ الامبرّة.

اذا كانت الامبريالية من الامبرّة، فماذا عن اصل (العولمة)؟

"تعرّف العولمة بمعنى التضاؤل السريع في المسافات الفاصلة بين المجتمعات الانسانية، سواء فيما يتعلق بانتقال السلع، الاشخاص، رؤوس الاموال، المعلومات ام الافكار والقيم"[1].
فهي تعني اضفاء الطابع العالمي على شئ معين (فكرة، سلوك، سلعة)، ليصبح مشترك لدى الجميع وليصبح العالم كما وصفه البروفيسور (Marshall McLuhan) بعبارته التي اصبحت مستهلكة جداً "كقرية صغيرة".

من الصعب هنا اعطاء صورة كاملة عن العولمة لانها مجال بحث عدد هائل من الكتب والبحوث واللقاءات زيادة على كونها "كفكر متحرك بطبيعته وليس ثابتاً فهي تكشف كل يوم عن وجه جديد من وجوهها المتعددة"[2]. ولكننا يجب ان نذكر ان العولمة تؤكد على سيادة الجانب الاقتصادي مع الارتباط الوثيق بالثورات التكنولوجية والمعلوماتية.

ولاننا نحب غالباً اطلاق الاحكام فهل هي كفكرة وكنظام ايجابي ام سلبي؟
هنالك تياران في النظر الى العولمة، تيار منساق لها يراها "عملية تبادل منافع وخبرات ومعارف بين امم وشعوب الارض"[3]، وتيار مواجه لها خوفاً من جملة مخاطر تتعلق "بسيطرة اطراف قوية (شركات، حكومات، شعوب) على ثروات العالم واسواقه لتصريف المنتجات والخدمات وتحقيق ارباح هائلة على حساب الاطراف الاخرى"[4].

وبين منساق او مواجه للعولمة، فانا لم ارفع يدي عندما طلب البروفيسور (Olivier Mongin) يوم الخميس الماضي من الشهود (الحضور) ان نصوّت ضد العولمة في محاكمتها الافتراضية، مع علمي انها السبب في كثير من المشاكل التي نعاني منها حالياً.
(ليلة الافكار) هو عنوان الامسية التي نظمتها المحطة[5] مع السفارة الفرنسية، بحضور البروفيسور لاول مرة للعراق ممثلاً عن مجلة (Esprit) الفرنسية، وتنظم بغداد بهذا الحدث لـ120 مدينة في 70 دولة استضافت هذا النوع من الفعاليات.


تضمنت الامسية حوارات ثنائية بين البروفيسور (Olivier Mongin) والدكتورة غادة رزوقي مرة والاستاذ كفاح الامين مرة ثانية، تحدث فيها البروفيسور عن المدينة تحت تأثير العولمة انطلاقاً من تعريفات المدينة في الدين وعلم الاجتماع ودورها كملجأ لساكنيها، مروراً بتجارب اعادة تشكيل مدن شرق اسيا بفعل النمو الاقتصادي المتسارع، والصعوبات التي تواجه بعض المدن العريقة نتيجة للحركة السياحية الكثيفة تجاهها. ولعل الموضوع الابرز حضرياً وحتى معمارياً هو حديثه عن الجدران في المدينة والتأسيس لمفهوم الـ(Wallification)، كبناء الجدران بين المدن والعلاقة بين الرقابة الامنية الرقمية والجدران الفيزيائية وحتى تأثير الجدران الصماء للمولات التجارية داخل نسيج المدينة.

 The Urban Condition  The City in a Globalizing World

بادلته الدكتورة غادة الحديث عن المراحل السياسية والاجتماعية والعمرانية التي مرت بها مدينة بغداد تحديداً منذ العهد الملكي وحتى الوقت الحاضر، واخيراً الاستاذ كفاح الامين وتأكيده على دور التوثيق الصوري لاحياء المدينة ومبانيها لخلق ذاكرة تلعب دوراً في تقوية الطرف العراقي في الحوار العالمي، لتنتهي الامسية بالمحاكمة الافتراضية للعولمة.

ان الواقع يفرض صعوبة الترافع ضد العولمة او مواجهتها، فالانقطاع عن العالم لم يعد خياراً ابداً فهو خيار الضعفاء، الخيار الآخر هو الانفتاح على جميع شعوب الارض مع الحرص بالتأكيد على أن لا نكون ذلك الطرف الضعيف في المعادلة، وهنا تكمن المشكلة.
 يجب علينا عدم قبول الضعف انفصالاً او اتصالاً، وقد يتم ذلك عن طريق ادراكنا لجميع الظواهر حولنا والعلم بها وتمييز اسبابها ومن ثم اتخاذ قرار سلوكي يلائمنا كأشخاص عراقيين ننتمي الى بيئة مكانية لها متطلباتها. (والكلام هنا ليس وعظاً وانما تفكير بطريقة مكتوبة)  
في العولمة جميع الاطراف باقية جسدياً ولكن البقاء الفكري والثقافي والاقتصادي هو للاقوى فقط، وعلى الجميع اللحاق به حيث يذهب وحيث تذهب مصلحته بالتحديد.
تمظهرات العولمة لا محدودة وقد تدخل في كل تفصيلات حياتنا الشخصية، نرتدي الملابس التركية والتي تتبع خطوط الموضة الايطالية، نتعطر بعطور فرنسية ونتنقل بسيارات كورية ثم نستمتع بافلام امريكية.

في وثائقي عن العولمة على فضائية (DW) تبحث احدى الشخصيات الالمانية عن القطع المحلية الموجودة في غرفة المعيشة فتجد ماكنة خياطة فقط. بحثت وانا اكتب في غرفتي عن سلعة عراقية ودون مبالغة لم اجد سوى (حصوة عراقية) علماً ان الوان الرسم عليها مستوردة بالتأكيد.



وأخيراً فان التواصل مع الآخر في (ليلة الافكار) مفيد، ضروري وممتع جداً ليدفعنا نحو التفكير والبحث والقراءة وبناء قراراتنا اليومية بطريقة عراقية كشراء صمون حجري في نهاية الامسية والعودة الى البيت بسلام.









[1] د.جلال امين، (العولمة والتنمية العربية).
[2] ماجد صالح، (نحن وتحديات العولمة).
[3] سمير رسلان، (مواجهة ازمة عصرنا).
[4] د.مبروك منصوري, (مخاطر تراجع الفكر الاقتصادي العربي).
[5] المحطة: اول مساحة عمل مشترك في العراق، تم انشائها لتوفير البيئة المناسبة لرواد الاعمال للعمل على مشاريعهم الخاصة.














الثلاثاء، 15 يناير 2019

من سيرى الـ(site) الخاص بي؟


من سيرى الـ(site) الخاص بي*؟

يتفق الجميع على أن العمارة تشترك مع الاعمال الفنية الأخرى بالفائدة الجمالية والفكرية ثم تمتاز عنها بالفائدة الوظيفية، ففي الثلاثية الخالدة لفتروفيوس تشترك العمارة والفن بركن الجمال ثم تختص هي بركني المنفعة والمتانة.
وصناعة الجمال في تصميم العمارة والأعمال الفنية يتم بقواعد واحدة تقريباً، باستخدام عناصر التصميم التي تجمعها علاقات شكلية معينة لتحقيق مبادئ التصميم المتعددة والتي بهيمنة احدها يتحقق تكوين فني أو معماري يتسم بالوحدة، فلا تكوين بدون وحدة كما تخبرنا المعمارية شيرين احسان شيرزاد.

ولمّا كان الإنسان يتخيل الأشياء من حوله فطرياً بطريقة مجسمة، ويشاهد الناس التصاميم المعمارية بعد تنفيذها على أرض الواقع بطريقة مجسمة ايضاً، يشترط على المعماري تحقيق الجمال في المنظور ثلاثي الأبعاد الخاص بتصميمه. فعناصره وتنوعها وعلاقاته ومبادئه وتنوعها تتضح للانسان المار في الشارع امام المبنى من مختلف الزوايا او المتوجه لدخوله مباشرة.

وهنا نتساءل، هل يوجد مشاهد في الشارع (ليس معمارياً وهم الغالبية بالتأكيد) يحاول الوقوف أمام التصميم (المبنى) بطريقة متعامدة ليشاهد واجهته ثنائية الابعاد تماماً فيحكم على جمال عناصرها وعلاقاتها ومبادئها؟
الاجابة هي: لا بالتأكيد ...

اذن ما الفائدة من تصميم ورسم الواجهات ثنائية الابعاد والعناية بكل تفاصيلها الجمالية؟
نحن نعلم ان عملية تنفيذ التصاميم المعمارية اي تحويلها من المخططات على الورق الى عناصر بمواد مشيدة لا يتم بالاعتماد على المنظور، وانما على مخططات ثنائية الابعاد بقياسات ثابتة لاتتغير بتغير زاوية الرؤية وارتفاع الناظر. وبذلك فتصميم ورسم الواجهة والاهتمام بجماليتها هو لاغراض تقريب جماليات المنظور من التنفيذ، فجماليات الواجهات ثنائية الابعاد هي ترجمة لجماليات المنظور بلغة هندسية انشائية.

ويأتي السؤال الاكثر أهمية، كم عدد المشاهدين الذين سيركبون الطائرات لمشاهدة (site) المبنى او التكوين المعماري وتقييم جمالياته؟
قد نفترض ان الاجابة هي: لا يوجد، فلا احد يرى تكوين المبنى من الاعلى وحتى الاشخاص على الطائرات فهم على ارتفاع كبير جداً لتمييز تفاصيل التكوين.

 لماذا نهتم بجمالية التكوين من الاعلى اذن؟ فمن الممكن ان يكون الـ(site) مستطيل فقط ثم تنتظم الكتل المرئية من قبل المشاهدين في الشارع على واجهاته الخارجية.
وللاجابة يجب ان نعرف ان تصميم الـ(site) هو انعكاساً دقيقاً لتصميم المخطط الافقي للمبنى، فالعناصر الشكلية التي تعطي للمخطط هيئته الكلية والنابعة عن الفكرة التصميمية بمختلف مصادرها هي ذات العناصر التي تؤلف هيئة الـ(site) للمبنى.
واذا كان المخطط الافقي للمبنى هو المعبر عن التصميم الوظيفي له، باشكال فضاءاته وابعادها ومداخلها والفضاءات الانتقالية بينها، فما الحاجة الى الجمال فيه؟ ليكن مخططاً مستطيلاً او مربعاً بحلول وظيفية مريحة وفعالة.
بعيداً عن آراء بعض الحركات المعمارية التي طُرحت في زمن ابتعد كثيراً  كحركة الحداثة وبعيداً عن بعض الانماط الوظيفي كالابنية الصناعية والمخازن، فأن حضور جمال التكوين في المخطط الافقي وفي الـ(site) انعكاساً، من الاساسيات في التصميم المعماري. وعن ذلك يشير (francis ching) الى ان جماليات المخططات واعتماد تصميمها على النُظم البصرية قد لا تُدرك مباشرة بواسطة المشاهد غير المختص بالعمارة، ولكنها تصبح محسوسة ويتم تمييزها عن طريق سلسلة من الزيارات او التجارب مع المبنى بمرور الزمن.
فتصميم (site) يمتاز بالتنوع ضمن الوحدة وبالتالي مخطط افقي بنفس الصفة، يفتح الباب امام المستخدم لاستكشاف علاقات وتفاصيل جديدة في كل مرة يزور المبنى وتستمر المُتعة البصرية مع الحفاظ على الحلول الوظيفية الناجحة بالتأكيد، فهو يعيش الجمال في حركته بين الفضاءات وداخلها وليس من الخارج فقط.

ولكن هل تكوين الـ(site) بحاجة الى عناصر كثيرة وخاصة عناصر لا يمكن رؤيتها من مسقط آخر؟ ونحن نرى الكثير من المشاريع الناجحة والمنفذة بمخطط موقع بسيط جداً وبدون تعقيدات شكلية، ونعلّق بعدها ساخرين ان هذا التصميم لو قدمناه لاساتذتنا فلن ينال درجة النجاح بالتأكيد!


California Academy of Sciences / Renzo Piano


 وللاجابة عن السؤال نحن بحاجة الى ادراك الفرق بين الجانب الاكاديمي والجانب العملي للعمارة، ففي الجانب الاكاديمي يحاول الاساتذة تحفيز الطالب للطاقة القصوى ليصبح جاهزاً للمتطلبات التصميمية في الجانب العملي بكافة انواعها. الامر أشبه بتدريب عدّاء رياضي على قطع مسافة 2000 متر، بعدها يصبح مؤهلاً للمشاركة في سباقات 2000 متر و1500 و1000 و800 متر، بينما لو تدرب على قطع 1000 متر فقط فسيجد صعوبة للمشاركة في الفئات الاعلى.
وعند الانتقال للجانب العملي للعمارة سنجد الامر مختلف تماماً وتؤثر الكثير من القضايا البيئية والاقتصادية وغيرها على طبيعة التصاميم التي ننتجها، والتي قد تتسم بالبساطة حينها ولكنها ناجحة وكفوءة.

وبالعودة الى فرضية عدم رؤية الـ(site) من الطائرات، فقد تثبت التكنولوجيا عدم صحتها! نعم هنالك الآن طائرات تصور المباني من الاعلى وتستكشف جمالها من عدمه.
فمع ظهور الطائرات المسيرة (drons) وسهولة اقتناءها واستخدامها اصبح من السهل جداً توظيفها في تصوير وتوثيق العمارة واستكشاف جمالياتها من جميع المساقط، ونجد مثالاً ما قام به مختصوا التصوير المعماري (Denis Esakov) و(Dmitry Vasilenko) باستكشاف الهندسة الخفية كما اسموها لمباني الحداثة السوفيتية.




واخيراً وبالتفكير بمقياس اكبر فان مخططات المباني من الاعلى وطبيعة التخطيط الحضري لقطاعات المدن وشوارعها هي التي تعطيها هوية مميزة عن جميع مدن العالم الاخرى، فنستطيع معرفة مربعات برشلونة ومثلثات باريس وغيرهن من المدن المميزة.



      

*العنوان بوحي من كتاب (who moved my cheese) للكاتب سبنسر جونسون.






الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

تحدي جائزة رفعة الجادرجي 2018


تحدي جائزة رفعة الجادرجي 2018

"تعتبر المسابقات المعمارية اسمى ظواهر العمل المعماري السليم، تحفز الابتكار المعماري وتظهر مواهب جيل جديد من المعماريين، او تعيد للاذهان امكانات معمارية كانت غائبة عن الاذهان، وتلجأ اليها الكثير من المؤسسات العامة والخاصة بهدف الوصول الى التميز في اعمالها المعمارية."

هذا ما يخبرنا به الدكتور مأمون الورع في مجلة ابداعات هندسية، ومانختبره حقاً ونحن نشارك في مسابقة او نراقب مسابقة معمارية رصينة.

جائزة رفعة الجادرجي لهذا العام كانت فرصة ذهبية لتجربة متعة العمل المعماري (السليم) بعيداً عن منغصات العمل المحلي. وقد ضاعف المتعة موضوعها او التحدي الذي فرضته على المشاركين (مبنى المتصرفية في بغداد).
 قد نقف امامه اسبوعياً، ندخل فيه او نكمل المسير الى وجهات اخرى، ولكنه اصبح مع المسابقة لغز نحاول الوقوف على اسراره للانطلاق منها نحو التصميم المستقبلي المقترح، نبحث عن تلك الاسرار في الكتب التي تتحدث عن تأريخيه، نزوره اكثر من مرة للدراسة وتوثيق ابعاد جدرانه وفتحاتها، تفاصيلها المعمارية والانشائية، نسأل شيخاً فيخبرنا ان المبنى كان يحتوي على سلالم يمين وشمال بوابة المدخل لم يبقى لها اي اثر.



وبعد اللقاءات المستمرة للفريق وانجاز مراحل التصميم المتتالية وعمل الايام الاخيرة المتراكم ولد المقترح التصميمي النهائي والمطابق لمتطلبات المسابقة التنظيمية.

وكانت الفكرة التصميمية تتلخص بالتالي:

تشير المصادر (مدينة الحكايا، للدكتورة غادة رزوقي) الى ان موقع مبنى المتصرفية المطلوب اعادة تصميمه " كان يقوم عليه جامع يعود للعهد العباسي تم اصلاحه في العهد العثماني وحوله الوالي مدحت باشا الى مدرسة عام 1869 ثم شغلته كلية الحقوق عام 1896 لكن المبنى تعرض للتدهور والتساقط فاعيد بناءه واضيف له بناء جديد ليصبح مقراً لمتصرفية لواء بغداد عام 1934 بعدها شغلته امانة العاصمة وشغله بعدها المركز الاقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية في الثمانينات ليتعرض بعد عام 2003 الى سرقة للمحتويات ثم تم حرقه وتهديم جميع جدرانه الداخلية."

ان نقاط الانحدار تلك في الهيئة الفيزيائية للمبنى واستخدامه والتي ترافقها انحدارات اجتماعية واقتصادية محيطة به ومن ثم النهوض مرة اخرى ليقوم بوظيفته من جديد تحيلنا الى دورة حياة طائر الفينيق، ذلك الطائر الذي ذكر في حكايات الف ليلة وليلة التي تدور في بغداد وذكر في اساطير معظم الحضارات الشرقية والغربية الاخرى، فهو رمز للخلود والتجدد والنهوض من جديد، ففي نهاية حياته يجثم في عشه الى ان تنير الشمس الافق فيحترق ويتحول رماداً وعندما يكون الجسد الضخم قد احترق بالكامل يخرج طائر يرقة صغيرة من بين الرماد وسرعان ما تتحول الى طائر فينيق جديد يعيش حياة طويلة.

وقد حدث الحريق عام 2003 في مدينة بغداد عامة وفي المبنى ذاته مما سيجعل التصميم الجديد لمركز بغداد للتصميم تلك الولادة الجديدة والاستمرارية للتراث العراقي العريق.



وتتجسد الاستراتيجية التصميمية بالبحث اولاً عن آثار جدران المبنى عن طريق بقاياها على الجدران الخارجية الشاهدة، ليتم النهوض بها وجعلها تشارك في ولادة التصميم الجديد، هذه الطبقة التأريخية تتفاعل مع الخطوط المجردة لطائر الفينيق بهيئة تعتمد على فن طي الورق للتواصل مع مجاروات المشروع التي تمثل مركز صناعة الكتب وبيع الورق والطباعة في العراق. كل ذلك زيادة على حضور العناصر المعمارية التراثية وتوظيفها بما يخدم متطلبات المشروع الحركية والوظيفية والرمزية، فنجد معالم الرواق والزقاق والايوان والفضوة بصور معاصرة في التصميم المقترح.




آثار الجدران الداخلية (عناصر المخطط الاصلي) على الجدران الخارجية القائمة والشبكة التوليدية الناتجة عنها





اللوحة النهائية للمشروع

يخبرنا منظموا الجائزة ان عدد المشاركين الكلي في الجائزة هو 314 مكتب او فريق من 52 دولة، و 20 منهم فقط من العراق، ليترشح مشارك واحد من العشرين في القائمة الطويلة للجائزة. ولضرورة عدم اطلاق الاحكام دون رؤية التصاميم المشاركة كنا ننتظر اعلان مشاريع القائمة القصيرة والتي تمتاز مشاريعها بكافة الصفات  المعمارية الايجابية، فهي انيقة متنوعة وذات حلول ابداعية جميلة تغني واقع العمارة المحلية.

ومع عدم الاطلاع على المشاريع المشاركة من العراق فقد يكون الحكم غير دقيق جداً ولكنه يعبر عن التحدي كفريق تصميمي يعيش في العراق ويتعامل مع كافة تعقيدات الواقع فيه. فبعد الاعلان عن الجائزة وعقد القرار بالمشاركة فيها، اعلنت المؤسسات الرسمية العراقية بدورها عن نيتها باطلاق مشروع اعادة احياء المبنى ووضع حجر الاساس لذلك، فما كان من المهتمين الا بمناشدة تلك الجهات بانتظار نتائج جائزة رفعة الجادرجي للاستفادة من التصاميم المقدمة، وهذا ما اعلن عنه منظموا الجائزة للمشاركين.

وهنا يقع المشارك العراقي في مأزق المقارنة مع امكانات الواقع الادارية والمعمارية، فهو يعلم ان المسابقات المعمارية تتطلب حلول ابداعية مبتكرة من جهة ومن جهة اخرى يدفعه عقله الباطن والواعي تجاه وضع حلول قابلة للتنفيذ ضمن الامكانات لاحتمال اختيار مشروعه للتنفيذ من قبل المؤسسات المحلية، نستطيع القول بالتاكيد ان الشركات العالمية تستطيع اليوم تنفيذ كافة الحلول المعمارية مهما تتطلب من تحديات، ولكننا نعلم الواقع الاقتصادي الحالي وعدم توفر المبالغ اللازمة للتعاقد مع تلك الشركات.
نعتقد ان نتائج المسابقة تشير بوضوح الى اثر السياق الاجتماعي والاقتصادي والمعماري على اعمال المهندس المعماري العراقي والذي يعيش الصراع بين المتطلبات الاكاديمية المثالية لمهنة العمارة وبين تحديات الواقع الصعب الذي يعيشه منذ سنوات.


اعضاء فريق التصميم:
بلال سمير/ مهندس معماري
شذى سليم/ مهندسة معمارية
اسراء محمد حسين/ طالبة هندسة عمارة
امير اكرم/ طالب هندسة عمارة






      



الاثنين، 17 سبتمبر 2018

قل واجهة


قل واجهة 

نعرف جميعاً ان كلمة (Elevation) تشير في لغة العمارة الى الواجهة، واجهة منزل، واجهة مبنى معين باختلاف وظيفته ومقياسه او واجهة مشروع حضري. ولكننا نقرأ ونسمع كلمة (Facade) في احيان اخرى للتعبير عن الواجهة ايضاً. فما الفرق بين استخدام الكلمتين؟
لقد تعرضت لكلمة (Façade) سابقاً ولكنها لم تثر فضولي مع استخدامنا البديهي والمستمر لكلمة (Elevation)، ثم قفز السؤال امامي عن الفرق بين الكلمتين بعد استماعي لمقابلة مع المعمار (Kungo Kuma) عن تصميمه لمشروع (V&A Dundee museum).


والبحث عن المصطلحات من الضرورة ان يمر بمرحلتين:
-مرحلة اللغة، اي البحث عن الاصل اللغوي او المعنى اللغوي.
-مرحلة الاصطلاح، بمعنى الاستخدام الشائع للمصطلح بين الناس والذي قد يبتعد عن اصله اللغوي.

الغريب ان قاموس اكسفورد الحديث يخبرنا ان كلمة (Elevation) تشير الى:
-رفع، ترقية.
-او ارتفاع، كارتفاع مكان معين عن مستوى سطح البحر كما في (the city is at an elevation of 2000 meters).
اما تطبيقات الترجمة على الهواتف الذكية فهي تشير الى انها تعني: (ارتفاع، رفع، ترفيع، علو، سمو، تل او رابية).

اما نفس القاموس فيخبرنا ان كلمة (Facade) فتشير الى:
-واجهة المبنى (The front wall of large building that you see from outside).
-مظهر خارجي، كما في (His good humour was just a facade).
اما تطبيقات الترجمة فتشير ايضاً الى (واجهة مبنى، مظهر او مظهر زائف).

نجد مما سبق ان كلمة (Facade) هي الاقرب لغوياً لوصف الواجهة في الاستخدامات المعمارية.

اما في الاصطلاح الشائع فاننا نجد موقع (National Trust for Historic Preservation) والذي يفسر لنا الفرق بين استخدام الكلمتين.

Facade (or Façade), noun:
Any of the exterior faces of a building.

Facade refers to the principal face of the building and more generally can reference any side of the building facing a street, garden or public space.

Elevation, noun: 
a geometrical drawing depicting the vertical plane of a building.


The big difference is one is the actual building and the other is a drawing.


اذن فالفرق بالاعتماد على المصدر فان (Facade) هي الواجهة الواقعية للمبنى التي نمر جانبها او نقف امامها عند حركتنا بالقرب من المشروع المعماري أما (Elevation) فهي الواجهة المرسومة هندسياً والمطبوعة على الورق او المرئية على الشاشات المتنوعة.

وهنا يأتي دور النظر الى واقعنا العراقي وعدم الانفصال عنه، ماهو حال كلمة واجهة في الاستخدام الشائع؟

نعرف مرّة اخرى ان العراق بلد التنوّع بلا شك، مدن ومعتقدات ولهجات عديدة جداً، ويجب ان نؤمن بشكل واعي لاهمية احترام هذا التنوع والاحتفاء به، ولكن في الوقت الحالي ومع ازدياد اهمية العلم واهمية المنطق فاننا نأمل ان يقترب الجميع من السلوك الفكري واللغوي والعملي العلمي كون العلم ولا احد غيره هو سبب تطور وتقدم الشعوب الاخرى.
هذه المقدمة للاشارة الى استخدام البعض لكلمة (واجهيّة) بدلاً عن كلمة واجهة في الاستخدامات المعمارية.
الحقيقة هي ظاهرة واضحة او منتشرة وليست قليلة في هذه الايام، حتى انها تظهر في نتائج البحث على كوكل كمقاطع فديو لعمل المقاولين او الصباغين وغيرهم، ولكنها مع ذلك غير مناسبة وغير مهنية.
فواجهة هي الكلمة المناسبة وعلينا ان ننشر استخدامها كوننا المختصين في العمارة اولاً وكوننا نحمل مسؤولية تثقيف المجتمع تجاه العمارة ثانياً.

نسمع عن العلامة ومؤرخ اللغة العربية الاستاذ الراحل مصطفى جواد، ونسمع عن برنامجه الذي استطاع الوصول الى جميع فئات المجتمع (قل ولا تقل):
افكر لو كان العلامة حاضراً لقال:
قل واجهة ولا تقل واجهيّة.