الجمعة، 20 نوفمبر 2015

الوطن في آفاق جاله مخزومي

سمعنا كثيراً عن ضرورة الإستفادة من تجارب الآخرين، وفي الطرف الآخر نستمع لخوسيه موسيكا، الملقب بـ(أفقر رئيس في العالم) يقول:

يقولون لي، لا بل يصرخون وكأنه مبدأ: أن على المرء أن يتذكر، كي لا يعيد تكرار الماضي.
أعرفه، الكائن البشري!
هو الحيوان الوحيد الذي يتعثر عشرين مرة على الحصاة ذاتها!
كل جيل يتعلم من تجاربه، لا من تجارب الأخرين.
ماذا يمكن أن نجني من تجارب الآخرين؟ يتعلم المرء من الأمور التي إجتازها ...

ولكي لا أناقض نفسي في نص سابق بفصل قوله هذا عن سياق حديثه الكلي، فمن الضروري الإشارة، أنه كان يتحدث عن عدم جدوى تغذية الضغينة الماضية، لأن الآلام التي نعيشها لن يعوضها أحد، ويجب أن نتعلم كيف نحمل جراحنا ونمضي بإتجاه المستقبل، وأن ننساها حتى ... فالمهم هو الغد.


بعد لقائي به بثواني فقط، قلت: صدك بيروت تطبع!
لم ألتقِ بموسيكا ولكنني إلتقيت بكتاب أو (منشورة (كما تسميه الدكتورة جاله ...
آفاق ... يجمع بين العمارة، الفن والأدب ... وتقدم له الدكتورة بكونه "يحكي قصة بثلاثة أصوات، الصوت الأول مقتطفات من حياتي اليومية في الجامعة وبيروت، يمتد زماناً من كانون الثاني وحتى حزيران من سنة 2007. الثاني قراءتي للجنوب (جنوب لبنان) أثناء ستة الأشهر التي سبقتها. والصوت الثالث هو الرسوم، لوحات شقة 101 (رقم الشقة المطلة على البحر في سكن الحرم الجامعي) للأشهر الستة الأولى من سنة 2007. الأصوات تداخلت، لا شئ يربطها سوى أنها وسيلة لقراءة حاضر مفروض، وكونها وسطاً للتأمل في حياة أقتطعت، أفتقدها بكل كياني، أعيشها بالأحلام".




وهذه الأيام لا تكتمل قراءة كتاب من دون (البحوشة) على الشبكة، ماذا قال عنه النقاد؟ هل يقترب رأيهم من تجربتنا في قراءته؟
ولهدف آخر، التعرف أكثر على الكاتب نفسه، ماهي التجارب التي مر بها لينتج هذا النص هذه الرسوم؟ لم يعد هنالك فرصة (لموت المؤلف)، فهو موجود في كل مكان (غالباً)، عن طريق صفحاته الشخصية أو ما كُتب عنه.
وعن الدكتورة جاله مخزومي وجدت حواراً لها من ريكاردو كرم ... 57 دقيقة من السيرة الذاتية، العمارة، الإجتماع، التأريخ والأهم ... الوطن.
ومع وجود الحوار فليس هنالك ضرورة للحديث عنه .
والسؤال .. هل نقرر الإستفادة من تجربة دكتورة جاله أم نعتمد على مايقوله خوسيه موسيكا؟
 لا أعلم ... نتيجة تبدل المعطيات قد تكون مقوله موسيكا صحيحة ... وقد تكون المعطيات السابقة لا تقل صعوبة عن اليوم لذا فنحن نعيش نفس الصراع السابق ولكن بصور جديدة ...

أتمنى أن نستمع للتجربة ونجيب عن السؤال بما يحلوا لنا، لأننا نعيش عصر التعدد.


وأخيرا،ً هل يختلف وطننا عن بقية الاوطان ؟
تتحدث دكتورة جاله عن جنوب لبنان: (أطفال، شباب، نساء، شيوخ، إستشهدوا في مبنى واحد، قبورهم صفّت بنظام عقلاني محاولة لفهم ما لا يعقل).


أما في وطننا فحتى الموتى لا نمنحهم فرصة الفهم

















الجمعة، 13 نوفمبر 2015

سيلفي مع لو كوربوزيه

أتخيل تلك الرواية ... وهي تتحدث عن الزبون الأخير للو كوربوزيه عام 1965
الزبون الذي (لّعب نفسه) وجعله (يكره الدنيا) وزينتها، لذا قرر أن يثأر لجميع معماريي العالم من الزبائن المزعجين عن طريق لعنة شرقية تعلمها من خلال رحلاته الى الهند. ولكنها كانت تتطلب أن يضحي بنفسه لكي تتفعّل!
أكمل كافة مراسيم اللعنة وخلع ملابسه ودخل البحر.
كانت الخطوات الأولى مألوفة خاصة وهو يحب السباحة وممارس لها، حتى أنه يمتلك ندبة كبيرة على فخذه نتيجة لإرتطامه بمروحة قارب مر بقربه. ولكن ما إن وصل الماء الى فمه، الى أنفه حتى بدأ جسمه يمارس حركات النجاة اللاإرادية، وكان سبيله الوحيد لإيقافها هو التركيز على إستذكار جميع الزبائن المزعجين الذين قابلهم في حياته، وقبل شهيقه الأخير، أمال رأسه الى الخلف إرتفع فمه قليلاً فوق سطح الماء وقال: الله يشلع كَلوبهم مثل مشلعوا كَلبي!
ومن ذاك الوكت بعد مصار براسنا خير...



تأجلت زيارة صالة الألعاب الرياضية في بغداد ثلاث مرات بسبب سقوط  الأمطار، وكأنها آثار تلك اللعنة، أو أن لو كوربوزيه أراد أن لا نذهب لها إلا سباحة أو بواسطة الزوارق كما كان يحب أن يقضي إجازاته.


هي زيارتي الأولى لها، زيارة ممتعة وغير مسبوقة بصفتها، فقد خطط الدكتور عماد عبد الحميد والدكتور مصطفى كامل لإجتماع الطلبة من ثلاث جامعات (الجامعة التكنولوجية، أوروك والفارابي)، أما ما ينقصها فهو الوقت والتفاعل الإجتماعي بين الطلبة للإستفادة من فكرة الإجتماع في التقارب بين المدارس المعمارية في بغداد بدلاً عن الغناء كلٌ على ليلاه.




والكتابة عن تلك التجربة تستدعي الإضافة، قول ما لم يقال سابقاً، لذا لن أكتب عن تأريخ المصمم، عن إنجاز الإتـفاق مع معمار عالمي ليصمم في مدينة بغداد، ولا عن الصفات التصميمية للقاعة.
لن أكتب عن حالتها (المزرية) الحالية، لأن حالها من حال كل تفاصيل حياتنا الآخرى...
ولكني سأكتب عن الحمى التي أصابتنا عندما وصلنا للمشروع، (حمى التصوير) والتسمية الأكثر دقة (حمى السيلفي).

يتناول الناس ظاهرة السيلفي وكما هو الحال في كل الظواهر الحياتية من الجانب السلبي والإيجابي، وليس صحي أبداً أن ننظر لأي ظاهرة من جانب واحد، الجانب الإيجابي للسيلفي هو توثيق اللحظة، لحظة الحضور في مكان معين في زمن معين مع شخص أو أشخاص معينين.
أما الجانب السلبي فقد وصل حتى القول بأن من يكثر من صور السيلفي مصاب بمشاكل نفسية عويصة!

وفي زيارة معلم معماري مهم مثل الصالة الرياضية، من المفترض أن تتجه أغلب العدسات لعناصر المعلم وتفاصيله المعمارية والإنشائية كون الغرض من الزيارة هو رؤية تلك التفاصيل على الواقع وهو ما يختلف بصورة كبيرة عن الصور التي نشاهدها على الشاشة أو الكتب المطبوعة، وتأتي الصورة كتذكير وتوثيق لتلك التفاصيل بما يسند الرؤية الواقعية. ولكن ما حصل فعلياً هو أن أغلب العدسات وجهناها لأنفسنا، وحتى مع وقوفنا أمام تلك العناصر والتفاصيل فأن التركيز في الصورة على الأشخاص أكثر من العمارة.

يمكن القول أن لذلك سبب عراقي (قلة أو إنعدام الحضور في معالم عامة مميزة).
 لذا فإن الزيارة الأولى تدفع الطالب الى أخذ أكبر عدد ممكن من الصور لأنها قد تكون المرة الأولى والأخيرة، وهو عندما يضعها على مواقع التواصل تجذب بقوة إهتمام الطلبة الأخرين لأنه حدث صعب الحصول بالنسبة لهم.
وبتكرار الزيارات لنفس المعلم أنا متأكد أن عدد الصور الشخصية الملتقطة سيقل تدريجياً ولكن القضية هي أننا لن نزوره مرة أخرى فنركز فيها بصورنا على المعلم وليس على أنفسنا.

السؤال الأهم هنا: هل من الممكن الإستفادة من ظاهرة السيلفي إيجابياً؟ معمارياً؟

يجب أن نبحث عن طرق جديدة، وهذا هو الحال مع كل الظواهر العالمية التي نلتقطها ونبدأ بإستخدامها سلبياً، يجب أن نفكر بتوظيفها لفائدتنا العلمية والإجتماعية.

لنتخيل نوعين من السيناريوهات وأيهم أكثر كفاءة للتنفيذ:
ففي الزيارة القادمة لمعلم معماري آخر في مدينة بغداد سيقول الأساتذة في السيناريو الأول:
صور السيلفي ممنوعة، الي راح نشوفة ياخذ صورة سيلفي لنفسة أو وية أصدقاءة (مدري شراح نسويلة)، لازم تاخذون صور بس للبناية وتفاصيلهة، شنو قابل متشبعون من الصور 24 ساعة !
 ولنتخيل ردود أفعال الطلبة وأصدقائهم ورواد مواقع التواصل عند سماعهم لهذه التعليمات القاسية:
هذولة شبيهم الأساتذة غير معقدين! قابل شراح تضر صور السيلفي؟ شوف العالم وين وصلوا وإحنة نمنع هاي الأشياء البسيطة!

أما في السيناريو الثاني فستكون تعليمات الأساتذة هي:
-إخذ صورة سيلفي يم عنصر أو تفصيل معماري وأكتب تقرير عن سبب إختيارك لهذا العنصر كأهم أو أجمل عنصر في المشروع.
-إخذ ثلاث صور سيلفي وقارن بين العناصر الموجودة في خلفية كل صورة من الصور.
-إخذ صورة سليفي وية عنصر يعبر عن أهم فعالية وظيفية في المشروع وصورة وية عنصر يعبر عن الناحية الإنشائية للمشروع وصورة وية أكثر عنصر جمالي بالمشروع.
-إخذ صورة سيلفي مع الاصدقاء وقدموا تقرير جماعي عن وجهة نظر كل طالب بكفاءة التفصيل المعماري في خلفية الصورة.

ولنتخيل مرة أخرى ردود أفعال الآخرين عند سماعهم لتلك التعليمات:

والله عمي إنتوا المعماري متونسين، هم سفرات وهم سيلفيات وبعدين تاخذون عليهة درجات...











الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

البغبغة

لقد تم تسميتي بطريقة غريبة ...
تروي لي جدتي أنهم إحتاروا في تسميتي وقتها، فإختاروا 3 أسماء وكتبوها على أوراق صغيرة ووضعوها في كيس، وكما في رئاسة الجلسة الأولى لمجلس النواب، إقترحوا على جدة والدتي لأنها أكبرهم سناً أن تسحب ورقة!
لا أعرف لماذا تم إعادة السحب 3 مرات ولكن في كل مرة تحمل الورقة إسم بلال.
قد ينقص الرواية الكثير من التفاصيل وهو حال أي قضية تأريخية نتصارع عليها حالياً، أتذكر دائماً صديقي (عامر بشير)، عندما يكون شاهداً على تحوير في نقل حادثة أو تغيير عند نقل كلام شخص، يقول متعجباً: لعد التأريخ شكد بي جذب؟!
وبالعودة الى قضية إسمي ... فأنا ممتن جداً لجدة والدتي ولشخصيات عربية أخرى.
مصطفى العقاد رحمه الله، جاهد لصناعة فلم الرسالة، وفي كل مرة كان يعرض على الشاشة كنت أزداد قوة، لا أقول أنها قوة في الوعي، ولكنها كانت تزرع في اللاوعي. قوة مستمدة من صمود بلال أسفل الصخرة، قتاله في المعركة ورفعه للأذان في المدينة. ويجب أن يستمر الإمتنان للممثل الليبي علي أحمد سالم لمشاركته في صناعة تلك الصورة المميزة.
سامي قفطان رحمه الله حياً، وقبله من إختار إسم شخصية (مقدم بلال) في مسلسل ذئاب الليل بجزءه الأول، لقد جعلني دائماً العب دور الشرطي عندما إنتشرت لعبة الشرطة والحرامية بسبب المسلسل في الصف الرابع الإبتدائي (طبعاً شرطي نص ردن)، لأنني الأقل حجماً بين طلبة الصف.
وبسبب الإسم أيضاً إنجذبت أول مرة للشخصية المصرية (بلال فضل)، يُعرّف نفسه بـ( كاتب على باب الله). كتب سيناريوهات أشهر الافلام المصرية المعاصرة ونقرأ له مقالاً يومياً على العربي الجديد. والأهم بالنسبة لي برنامجه الإسبوعي (عصير الكتب).
في لقاء له وقبل بث أول حلقة من البرنامج يستخدم بلال مفردة جميلة: (نبغبغ) من (البغبغة) للببغاء.
 واليوم أعتقد أن أعظم ما نعانيه هو البغبغة ... نقل ما نسمعه بدون تفكير، كما تفعل الببغاء بالضبط. وهي بغبغة في أحاديثنا في العالم الواقعي، والبغبغة على مواقع التواصل الإجتماعي.
بعد يوم المطرة إنقطع (الفيز البارد) في بيتنا، وعندما كان الكهربائي يعمل على إصلاح المشكلة، نقل لي ما مر به عندما اتصلوا به عمال دائرة الكهرباء ليحل لهم مشكلة في كهرباء بيت شخص مسؤول في الدولة، قال لهم هذا المسؤول إنهم لن يغادروا بيته ما لم يصلحوا العطل! ولأنهم مختصين بالتوصيل الخارجي فقط والمشكلة داخلية طلبوا مساعدة صديقنا الكهربائي، وعندما وصل للبيت تعرض لنفس التهديد! لن تغادر ما لم تصلح العطل. يقول الكهربائي إنه أجاب المسؤول بقوة، سوف يعمل على إصلاح العطل ولكنه يستطيع المغادرة متى يشاء، وبعد هذا الرد والقيل والقال، قال له المسؤول إنه رأه سابقاً في مكان ما، في إحدى وزارات الدولة في النظام السابق وبالنص قال له: إنت صدامي !
عندما تمعنت بعد أيام في نموذج الشهادة الجدارية لخريجي الجامعة وهي تتضمن نجمة ثمانية تحتوي شعار الجامعة، بغبغت مباشرتاً : هاي النجمة صدامية !
 فالقضية هي أولاً صراع بين العقل الباطن اللاواعي والعقل الواعي، عقلنا اللاواعي (مليان) بأفكار ولفظات متنوعة نتيجة للمعصرة التي نعيش فيها، وما إن نفقد السيطرة عليه قد نبدأ بالبغبغة أو لا نبدأ لإنه يتضمن من الإيجابيات أيضاً وهو ما يشير اليه الدكتور على الوردي.
وثانياً ترتبط القضية بالحديث النبوي الشريف: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
لذا أعتقد أن الفرضية (صفر) التي يجب أن نتعامل بها مع كل ما نقرأ ونسمع ونشاهد على الشبكة، هو أن هذه المعلومة غير صحيحة، كاذبة، غير دقيقة، تم تغيير سياقها.
قبل عدة أيام شاهدت مقطعاً لدقائق يعطيك حكماً سلبياً 100% والمقطع غير مقبول منطقياً، لذا وبعد بحث بسيط تبين أنه مقتطع من برنامج يحمل رسالة معينة، تجعلك تحكم على المقطع بطريقة مختلفة 100% أيضاً !

هل يقتصر الأمر على المواضيع السياسية أو الدينية ؟ أبداً في كل المجالات ومنها العمارة بالتأكيد.

لذا لنكون شكاكين، لنشك دائماً، لأن الوصول الى الحقيقة (إذا كان ممكناً) يحتم علينا الحضور في موقع الحدث وهذا ما لن نستطيعه أبداً.

ولكننا نستطيع أن نتوقف عن البغبغة.