الجمعة، 30 سبتمبر 2016

المهندس المعماري والسجائر

هل يناسب التدخين الصورة المثالية للمهندس المعماري؟

الصورة المثالية التي أسس لها أولاً المعماريين المشاهير على المستوى العالمي من خلال صورهم ولقاءاتهم الفديوية في وسائل الإعلام السابقة (الكتب والمجلات والتلفزيون)، ووسائل الإعلام الحالية (المواقع المتنوعة على الشبكة)، وأسس لها ثانياً كتّاب ومخرجي الأفلام الأمريكية من خلال تفاصيل شخصية المهندس المعماري في أفلامهم.
هل نشاهد المشاهير من المعماريين وممثلي أدوارهم وهم يدخنون السجائر؟

هنا يجب أن نميز بين نوعين أو ثلاثة أنواع من تجهيزات التبغ للتدخين:
السجائر الإعتيادية، السيجار الكوبي وشبيهاته، والغليون أو كما نسميه pipe.

واستطيع القول أننا في الصورة المثالية لا نرى المهندس المعماري وهو يدخن السيجارة الإعتيادية، فهو يدخن غالباً السيجار أو الـ (pipe)، ولأن المعماريين المشاهير يصلون الشهرة بعد مسيرة طويلة، فإن أعمارهم الكبيرة تلائم القوة التعبيرية لتلك النوعيتين (لأن تدخين الشباب لهما يبدو كنوع من المبالغة)، أما الصورة المثالية للمعماريين الشباب فهي (كما اتصفح ذاكرتي) خالية من السجائر بأنواعها.


في وصف سابق للمعماريين من قبل الكاتبة (Annie Choi) بأنهم ذوو رائحة رائعة طوال الوقت، والتدخين يتعارض مع هذا الوصف، وخاصة رائحة السجائر الاعتيادية، فهي تتحول الى رائحة غير مقبولة عند الإكثار منها.
لذا فإن تدخين السجائر الإعتيادية يتنافى مع الصورة المثالية للمهندس المعماري التي نطمح غالباً بالوصول اليها.

هل لاحظتم أنني لم أحدد بدقة مواصفات تلك الصورة؟

لأن ذلك بحاجة الى تفاصيل كثيرة خارج قضية التدخين، ولكن يمكن القول أن تلك الصورة في الغالب يجب أن تكون مميزة عن صور الشخصيات الأخرى. الصورة هي خارجية طبعاً تتضمن الملابس والاكسسوارات الرجالية، والتميز يكمن في وجود توجه معين ولو بالغنا لقلنا (فلسفة) في اختيار تلك الملابس والاكسسوارات.    

وتتداخل النقاشات حول التدخين مع قضية الحرية الشخصية بالتأكيد، وما هي حدود تلك الحرية، وبما أننا نعتمد المجتمعات الغربية المتحضرة كمقياس لنقد كل تصرفاتنا الخاطئة، فلنعتمد بالتعامل مع التدخين والمدخنين حدود الحريات في تلك المجتمعات الغربية، ولا أعتقد أن أحداً اليوم لا يعرف تلك الحدود وطبيعة الأماكن المرخصة للتدخين، في الفضاءات المغلقة؟ بالتأكيد لا، في فضاءات ومباني وسيارات النقل العام؟ بالتأكيد لا ... يقولون للمدخنين: إذهب أنت وربك ....  (وسأسمح لنفسي التفكير بالسيجارة كـــرب للمدخن !) 

ما أحاول إثباته أن التدخين غير ملائم (لمظهر) المعماريين الشباب في محاولة لتحشيد دليل مقنع بترك التدخين، لأننا كشباب نهتم بالمظهر الخارجي الشخصي أكثر من صحة الجسم الداخلية، نتبع المودة في أغلب تفصيلاتها، قصات الشعر قطع الملابس عدم ارتداء الجوارب أو إرتداء جوارب (مال حصار)، أعتقد إن حجمها مقارب لحجم الصمون الذي كنا نأكله في الحصار الاقتصادي الماضي.

 لذا فالمودة تقول أن المعماري الشاب لا يدخن ... ولكل قاعدة شواذ بالتأكيد.

فكرت بمقولة جديدة للحد من التدخين: دخّن حتى نخلص منك بسرعة (:

ولكن هل يموت المدخن (ناقص عمر) ؟ 








الاثنين، 26 سبتمبر 2016

المؤتمرات العراقية .. كلاكيت ثاني مرّة


نعم ... وكما تمنيت سابقاً ... هنالك طبقة خاصة في الجحيم لمن يدخل جلسة مؤتمر ويستمر بالكلام أثناء عرض الباحث لفكرة بحثه.
نستطيع أن نتكلم بملاحظات أو تعليقات مختصرة جداً وبصوت منخفض ... ولكن الحديث المستمر جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون.


وعن الكلام أيضاً وفي العراق اليوم من يريد أن يعيش بعيداً عن الأمراض المزمنة والحاجة الماسة الى التدخين عليه أن يضع قواعد جديدة للكلام وعدمه، وقد تكون القواعد موجودة سابقاً ولكنه على الأقل يحاول تطبيقها لمصلحته الشخصية وليس لمصلحة أحد آخر.

يعتمد منتجي الأفلام المصرية التي تثير الجدل على سؤال يهدم موقف الناقد المهاجم للفلم:
-       هو إنت شوفت الفلم؟
وغالباً ما يجيب الناقد أو رجل الدين أنه لم يشاهد الفلم (أو قد يكون شاهده ولا يستطيع الاعتراف بذلك)، فيقول له المنتج :
-       أومال حكمت عليه إزاي؟!
لذا ولنحافظ على قوة موقفنا، يفضل أن لا ننقد أو نحكم على أفلام، كتب، بحوث، مناسبات، أحداث دون أن نشاهد ونقرأ ونحضر في المكان والزمان ونرى بأعيننا دون إعتماد على القيل والقال.

هل أطبّق أنا ذلك؟ بالتأكيد لا ... الكلام في كل شئ والإعتماد على القيل والقال صفة عراقية أو حتى إنسانية، ولكنني سأحاول قدر الإمكان.

ثانياً عدم إعطاء المواضيع والأحداث العراقية حجماً أكبر من حجمها الحقيقي الذي نعرفه جميعاً ونعيشه منذ سنين طويلة، ذلك يخلصنا أيضاً من الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر.
فعندما ننوي حضور حدث عراقي بإمتياز ونحن نمتلك خبرة وتجربة سابقة في حضور مثل تلك الأحداث، يفضل أن لا نتوقع الكثير خارج الصورة التي نمتلكها سابقاً، لأننا لا نزال في العراق ... ولسنا بحاجة الى الشكوى طبعاً بأن تلك الصورة قاصرة وقد تكون بائسة، لأننا لم نخرج من سياق الصورة السابقة.

قد يعتبر البعض أن هذا الموقف سلبي ويرضى بالمشاكل ويتقبلها، ولكن هل يغير الكلام من شئ؟

هنالك سيطرة أمنية في الشارع مثلاً، ونحن نعرف من تجاربنا أن السيطرات عديمة الفائدة وهي تستهلك الوقت ليس إلا، ولكن لو تكلمنا عن مشكلة السيطرة وذكرنا الأمثلة والحلول وشتمنا القاصي والداني .. هل سيتغير شئ ؟
جيد ... لنستغل وقت الوقوف في السيطرة لسماع برنامج مفيد ينقلنا الى عالم آخر.

وأخيراً من يتحمل عدم إنتباه الحضور لكلام الباحث وهو يلقي بحثه على المنصة؟ الباحث أم الحضور؟
بغض النظر عن نوعية الحضور الذين سيذهبوا الى الجحيم، فهنالك مسؤولية على الباحث في جذب إنتباه الحضور، وأنا أعتقد إن جذب الإنتباه حالة تبدأ منذ أن يقرأ الحضور عنوان البحث حتى لو قبل شهر أو إسبوع.
فعندما يُعلن برنامج المؤتمر بأسماء البحوث المشتركة، يقرر القارئ لا إرادياً أي من البحوث سيستمع له بإنتباه. وكل ذلك يعتمد على طبيعة المفردات والعلاقات المستخدمة في العنوان.
فلو قرأنا عنواناً يحتوي على مفردات نعرفها مسبقاً وقرأنا عنها ونعرف أن أغلب البحوث السابقة المتضمنة تلك المفردات لم تصل الى حلول عملية على أرض الواقع، فلن نهتم بالإستماع الى ما سيقوله الباحث حتى لو كان منطقياً.
ولكننا عندما نقرأ مفردات جديدة أو غريبة أو وجود علاقة غير مسبوقة فأننا سنقرر الإستماع بإنتباه لنعرف محتوى البحث وقد نصاب بخيبة أمل بعد ذلك، ولكن على الأقل قد حقق الباحث جذب الجمهور.
فإثارة الفضول هو سر الجذب، والفضول يثار حول مفردات أو علاقات جديدة.

وتكون خلطة المؤتمرات العراقية في النهاية:
إن كنت مستمعاً فحاول أن تمتنع عن الكلام خلال العرض، ومن ثم لا تتوقع الكثير خارج الصورة التي تمتلكها عن المؤتمرات العراقية.
وإن كنت باحثاً فحاول أن تختار عنوان بحث جديد، غريب، مثير ولا تتوقع أيضاً الكثير خارج الصورة التي تمتلكها عن المؤتمرات العراقية.
وإن لم تكن مستمعاً ولا باحثاً فحاول أن تشارك في المؤتمرات القادمة فهي كالحصى التي ترمى في بركة راكدة. 








الاثنين، 19 سبتمبر 2016


صيط الغنى ولا صيط الفُكَر

يُخبرنا الشيخ جلال الحنفي البغدادي في كتابه الأمثال البغدادية بأن: الصيط أو الصيت هو الإشتهار والسمعة .. ويضرب المثل في أن حسن السمعة على ما لا أصل له من الواقع خير من سيئها.. وفي الأمثال الموصلية (صيت غنا ولا صيت فقغ)، وقال الغلامي في شرحه (التظاهر بالكفاف خير من شكوى الحاجة). ص232


والأمثال الشعبية كما نعلم هي مقولات مجرّدة يمكن استخدامها في مناسبات ومواقف عدّة، فهي بحاجة الى سياق أو موضوع يحتويها لتنقل لنا حكمة الأجيال السابقة.
والسؤال: هل توقف المجتمع عن صياغة الأمثال الشعبية في الوقت الراهن؟ فأغلب الأمثال التي نستخدمها تم صياغتها في أزمنة سابقة، أم أن المثل لا يأخذ صفته الا بعد ان ينشأ لأول مرة ومن ثم يترسخ لفترة طويلة في المجتمع ؟
وبعيداً عن السؤال السابق، فالسياق الذي أريد أن أضع فيه مثل (صيط الغنى ولا صيط الفُكَر)، هو اعطاء الأشخاص الآخرين الانطباع الأول عنا في حالتين:

الأولى: عندما نكون نحن بحاجة لخدمة أو سلعة من الآخر مقابل أجر مادي، كأن يكون صاحب محل أو صاحب مهنة.
الثانية: عندما نكون نحن من يقدم هذه الخدمة للشخص للآخر، ونحن من نطلب الأجور مقابل القيام بتلك الخدمة، كما في قيامنا بتقديم خدمة تصميم وتنفيذ المباني بأنواعها.

والتجربة الاجتماعية تشير الى عدم ملائمة المَثَل للحالة الأولى... لا تظهر بمظهر الغني وأنت تتعامل لأول مرة مع شخص يقدم لك سلعة أو خدمة مقابل أجر مادي. لا يصل الأمر للشكوى طبعاً، ولكن من الممكن تحقيق ذلك عن طريق المظهر الخارجي ... لا تظهر بأبهى حلّة وأنت تلتقي به للمرة الأولى. عندما يأخذ المقابل إنطباعاً بأنك ميسور الحال وتمتلك الكثير من الأموال سوف يقوم بكل تأكيد بزيادة الأجر الذي يطلبه، وخاصة في ظل غياب توحيد أجور السلع والخدمات من قبل الجهات المختصة، علاوة على ركود السوق العراقي، فستكون أنت فرصة جيدة للحصول على نسبة عالية من الربح.
أما في الحالة الثانية فالمَثَل ملائم جداً لها، حيث يميل الأشخاص لدفع أجور أعلى للأشخاص الأغنياء نتيجة للإنبهار بمظهرهم الخارجي، مقارنة بالأشخاص ذو المظهر المتواضع، ويمكن إعطاء الكثير من الامثلة، فنحن لا نساوم على سعر البضائع في المتاجر الراقية ولكننا نساوم على البضائع البسيطة لصاحب (البسطة).

لذا يمكن وضع قاعدة (نفسية- اجتماعية-اقتصادية) قد تنفعنا في تعاملاتنا المستقبلية:
لا تظهر بمظهر الغني وأنت تطلب السلعة أو الخدمة، واظهر بمظهر الغني وأنت تطلب الأجور على تقديم سلعة أو خدمة معينة.

ويمكن تحديث المثل السابق الى:
صيط الفُكَر ولا صيت الغنى من تشتري ...
وصيط الغنى ولا صيت الفُكَر من تبيع ...







الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

أمزجة الصدفة 

هل تفكر في تجربة إحساس فقدان الأمل ؟ في كل شئ ...

إلتقط كتاباً من كومة مرمية على أرضية شارع الكتب ... إدفع مبلغاً زهيداً للمكوّن الأول في الخلطة ...


شاهد الفلم الأمريكي (IMPERIUM) مع كوباً من الشاي أو كوباً ولفافة تبغ إذا كنت تريد فقدان الأمل والصحة ...


إكتب كلمة مزيج في محرك البحث (Google) وإستمع للمزيج العميق - عَفن



إتبع تسلسل المكونات بالتحديد ولا تقدم أحدهما على الآخر ... وكل عام وأنت بخير !









الجمعة، 9 سبتمبر 2016

كنز جاسم الطويل

بغداد، محلة البقجة عام 1915

لم يحلم جاسم الطويل بأن يجد هذه الكمية من المصوغات الذهبية عندما خلع باب الخزانة الخشبية، فقد خطط لهذه الليلة أملاً بعدد من الخواتم والسوارات فقط، أو العقد الذي رأته زوجته حول رقبة لميعة في عرس فضيلة بنت أم فاضل.
بعد أن تعودت عينيه على ظلام الغرفة، سحب ملاءة السرير المجاور للخزانة، تلمّس الحافة المطرزة وتتبعها حتى وصل الى ركن الملاءة الأول ثم الثاني فطواها طية وأخرى لتصبح على شكل مربع وضعه أمامه على الأرض. أغرق يديه في صندوق الذهب وحاول الإمساك بأكبر قدر ممكن من المصوغات ووضعها في منتصف المربع الرمادي، (كَرفة، كَرفتين، ثلاثة، أربعة)، وتلمّس الأرضية الخالية للصندوق.
عقد طرفي الملاءة المتقابلين ثم الطرفين الآخرين وحَمل (البقجة) على صدره ونهض واقفاً أمام باب الغرفة، نظر الى الحوش المضاء بضوء خافت لنصف قمر وأخذ يفكر بطريق الخروج الآمن. تحرك خطوتين بإتجاه الباب فخشخش الذهب بين يديه... كيف سيصعد السلم ويتجاوز لميعة وزوجها النائمين ومن ثم يعبر (التيغة) الى سطح بيت أبو محمد وأبو ناصر وبيت ساسون وبيت أبو منشي ليصل الى بيته !
قرر أن ينزل السلم ويخرج من الباب الى الدربونة ليجرب حظه الحَسن لهذه الليلة مع الجرخجية، وقد وجد هذا القرار مناسباً لأنه لم يستمع لصافراتهم حتى تلك اللحظة. إحتضن البقجة بقوة بكلتا يديه وركز عينيه على موضع خطواته ... إجتاز الحوش والمِجاز المظلم بخفّة إمتاز بها منذ الطفولة، عالج (كيلون) الباب بيد واحدة، ليجد نفسه في الدربونة ... تنفّس الهواء المنعش إستعداداً للمرحلة الثانية من المغامرة ...
كانت سيمفونية الصراصر تزيد من نشوته بهذا الحمل الثمين، وما عليه سوى أن يمشي بهدوء حتى بيت أبو ناصر ثم يدخل يساراً الى الدربونة الضيقة التي تضم بيته الصغير.
-       قففففففففف !!
التفت جاسم الى الوراء ليجد عباس الجرخجي يقف في وسط الدربونة ويسلط المصباح اليدوي بإتجاهه ...
ما كان منه الا أن شهق شهقة وأطلق ساقيه للريح.
-       دا أكلك أوكف ... أوكف ولك لا أضربك ...
لقد كان يعلم أن تُفكَة عباس قديمة جداً وقد تنفجر عليه قبل أن تخرج الرصاصة منها، لذا واصل الركض بإتجاه مدخل الدربونة من شارع الرشيد، وهو يستمع لصدى صافرة عباس ممتزجاً بصيحات من فوق السطوح (يبووو ... يبووو ... حرامي).
وصل الى فضاء الشارع بإنارته الخافتة وهو يتنفس بصعوبة، توقف لثانية وهو ينظر يميناً وشمالاً ليختار الجهة التي سينطلق اليها، وصلت الى أسماعه صافرات الجرخجية المناغية لصافرة عباس التي بدأت تقترب منه بسرعة ... من المستحيل أن يترك لهم فرصة لإمساكه، سينفضح فضيحة (مينلبس عليهة عكَال) ... إستعدّ للإنطلاق مرة أخرى ولكن البقجة الثمينة تعوقه عن الركض بسرعة وهو يخاف أن يفقدها بعد هذا العناء.
إنتبه للقوالب الخشبية الإسطوانية لأعمدة الشارع الجديدة، تتوسطها حلقة من القضبان الحديدية وهي بإنتظار أن تملئ بالصَب، هنالك مجموعة من القوالب لم تكتمل بعد، هي بإرتفاع متر تقريباً عن مستوى الرصيف، إتجه نحو أحدها ووضع البقجة في وسط الحلقتين الخشبية والحديدية، وإنطلق راكضاً ... لن يتأخر عليها كثيراً، سيحاول التخلص من الجرخجية أولاً وما أن يبزخ الفجر وتبدأ الحركة في الشارع حتى يعود ليأخذها الى بيته منتصراً.
بدأ الجرخجية يقتربون من شارع الرشيد في كل محلة يمر بها، لم يفكر بالدخول في الدرابين على يمينه، لا يريد أن يقف وجهاً لوجه مع جرخجي آخر، لذا إستمر بالركض بجوار جدران المحلات بإقصى ما يمكنه من سرعة ...
توقف بعد أن إنقطعت أصوات الصافرات وساد الهدوء مرة أخرى ... ولكنه إبتعد كثيراً عن البقجة وهو بحاجة شديدة للراحة وكثيراً من الماء، فتّش عن (حِب) قريب، شرب وجلس الى جانبه ليستريح .
-       إبني ... إكعد إبني ... شنو مرتك مطردتك من البيت ؟!
ملئت عينيه أشعة شمس الضَحى، فنهض كالمصعوق من مكانه ...
-       رحم الله والديك حجي.
لم يستطع الركض أمام الناس كي لا يلفت الأنظار، لاحت له قبة الحيدرخانة فأسرع الخطى أكثر وعينه على الأعمدة المتجاورة على شماله، أعمدة مطلية باللون الأبيض ... أعمدة غير مطلية ... أعمدة لم ترفع قوالبها الخشبية بعد ... أعمدة لم ترفع قوالبها الخشبية فقط !
 لم يجد عموده ذو القالب غير المكتمل!
جميع الأعمدة مصبوبة يتحرك حولها العمال لإنجاز عملهم الذي بدأوا به (وية شيلة البريك).



بغداد، بارك السعدون عام 2016

-أريد أوصيك وصية قبل ما أموت.
-لا يابة إسم الله عليك .. عمرك طويل إن شاء الله.
-إسمعني زين إبني ... جدك جاسم الله يرحمه من جان شاب الشيطان لعب براسه ... جدك جان حرامي ...
-كول غيرهة يابة!
-أي والله مثل ما أكلك ... بس الحمد لله وراها تاب وصار خوش آدمي ... وبقت بركبته بوكَة وحدة، وقبل ميموت وصاني لو أرجّع البوكَة لأهلهة لو أدفعلهم فلوسهة، وأني تعرفني طول عمري رجال فقير ويادوب مطلع العيشة ...
-وشنية البوكَة يابة وشكد فلوسهة؟  
-جدك يكول تقريباً كيلوين ذهب مصبوبة بدنكَة من دنكَ شارع الرشيد، تحسب سابع دنكَة ورة كَهوة الزهاوي بإتجاه جامع الحيدرخانة.
-وأني مين أجيب فلوس كيلوين ذهب!
-لعد إبني إذا سمعت فد يوم ديفلشون دنك شارع الرشيد روح لهناك بلكت تحصلهن وإذا متفلشت بوكتك فوصي إبنك عليهن ... هاي وصيتي الوحيدة إبني ... جدك من تاب رباني أحسن تربية وأني ربيتك ... وإذا تريد ترد الجميل فوصّل هاي الوصية لولدك الى أن الله يمكّن واحد منهم ويرجع الذهب لأهلة.

-خوش يابة تدلل ... إنت بس إرتاح هسة ويصير خير إن شاء الله ...











الخميس، 1 سبتمبر 2016

المخلفات البلاستيكية بالأرقام


تروي لنا Lauren Singer أحد الأسباب التي جعلتها تعتنق إسلوب حياة جديد:
(a Zero Waste life)

عندما كانت تنتظم في كورس للدراسات البيئية، وبعد كل ما تقرأه وتناقشه في تلك المحاضرات من مبادئ علم البيئة والمشاكل البيئية المعاصرة وعلى رأسها التلوث بالمواد الصناعية، إنتبهت الى أن وجبة الغداء الإسبوعية التي يتشاركها الطلبة، تخلف كمية كبيرة جداً من حاويات الطعام والأقداح وقناني المياه البلاستيكية.
فقالت: من المفترض أن نكون نحن طلبة هذا العلم، أمل كوكب الأرض ومستقبله ... والواقع نحن نملؤه بالمخلفات البلاستيكية !


ونحن اليوم نقف في نفس الموقف، حتى لو لم نكن ندرس علم البيئة أو العلوم المرتبطة به ومنها هندسة العمارة، فنحن نتذمر دائماً من التلوث وكمية النفايات الهائلة في المدينة وشوارعها.

جيد ... ماذا نفعل؟

عراقياً لا نستطيع أو نستطيع ولكن بجهد كبير وتضحية برفاهية حياتنا اليومية، أن نصل الى مرحلة حياة خالية من النفايات ... وبالتأكيد السبب هو عدم توفر بدائل لكل الأدوات المصنوعة من المواد البلاستيكية.
لذا فمن يرغب، عليه أن يحاول قدر الإمكان التقليل مما ينتجه من مخلفات بلاستيكية خلال حياته اليومية ... ونقلاً عن Lauren أيضاً فهي تقول:
أريد أن يتذكرني الناس من خلال ما فعلته في حياتي وليس من خلال ما تركته من مخلفات

والخطوة الأولى لأي إجراء نقرر أن نتبعه هو أن يكون معتمداً على العلم، ولأن الرياضيات لغة العلم، كانت المحاولة أن نبدأ بتثبيت بيانات حسابية تقريبية لكمية المخلفات البلاستيكية التي يخلفها الفرد ذو الدخل المتوسط في العراق.
وتم حساب الكمية الناتجة خلال شهر واحد لعائلة مكونة من شخصين، ومن ثم يمكننا حساب الكمية الفردية.
علماً إن أغلب مخلفات الحياة اليومية هي العلب والأكياس البلاستيكية. وكانت النتائج كالتالي:
130 كيس بلاستيكي مختلفة الأحجام ...
54 علبة بلاستيكية مختلفة الأحجام...


ومن الممكن تحويل هذه الإعداد الى مساحات لمعرفة المساحة التي تغطيها تلك المخلفات من البيئة المحيطة نظرياً، ولأن الأكياس والعلب تتألف من وجهين أو طبقتين فالأرقام الناتجة عن الفردين (طبقتين) تمثل نفس الأرقام لفرد واحد (طبقة واحدة)، وهو حساب تقريبي لأنه لا يأخذ جوانب العلب والأكياس بنظر الإعتبار.

فلو إنتخبنا الكيس البلاستيكي التقليدي والذي يمثل المعدل بين الاكياس الكبيرة والصغيرة فهو يغطي مساحة (0,09) متر مربع تقريباً. لذا تكون المساحة الكلية لـ130 كيس (11,7) متر مربع تقريباً.
أما العلب البلاستيكية الناتجة عن فردين فهي تغطي مساحة (0.9) متر مربع تقريباً.




والناتج أن الفرد العراقي ذو الدخل المتوسط ينتج من المخلفات البلاستيكية خلال شهر واحد ما يغطي مساحة (12,6) متر مربع تقريباً.

هل نستطيع تقليل هذه الكمية؟ بالتأكيد ...

ما علينا الا أن نجد السبب الذي يدفعنا لفعل ذلك.