الجمعة، 25 أكتوبر 2013

الكوميديا والعمارة

يقول أوسكار وايلد [1]: "إذا أردت أن تقــول الحقيقة للـــناس فاجعـلهم يضـحكون، وإلا فسوف يقتلونــك" وبما إننا في عصر أصبح يؤمن أكثر وأكثر بالفلسفة البراغماتية (أن المنفعة العملية هي المقياس لصحة أي الشيء) فالحقيقة من وجهة نظر تلك الفلسفة هي (الفكرة الناجحة أو الحقيقة النافعة أو الفرضية العلمية التي تحققها التجربة)[2]  أي إن الحقيقة في هذا الزمن هي أي فكرة نظرية تثبت نجاحها على أرض الواقع المادي ، وكل شخص يمتلك تلك الحقيقة المادية ويحاول أن يوصلها للناس سواء لأغراض إنسانية أو أغراض تسويقية يجب أن يجعلهم يضحكون كما يخبرنا أوسكار وايلد، الذي قال تلك المقولة نتيجة معرفته لطبيعة المجتمع خلال الحقبة التي عاشها (1854-1900) ، ولكن هل هي صالحة حتى هذه اللحظة ؟   
أوسكار وايلد
في مكاني وزماني أنا (بغداد-2013) هي صالحة أكثر من أي وقت مضى ، فنتيجة للظروف السيئة التي يمر بها الجميع فإننا نفتقد الضحك والمرح خلال الحياة اليومية ونبحث عن مصادر خارجية لهما ، قد تكون البرامج التلفزونية أو المواقع الالكترونية بما تحتويه من مواد مقروءة ومرئية-مسموعة أو النكتة البغدادية الاصيلة (وليست الشرقية سيئة الذوق والسمعة) .
وهنا نصل الى النتاجات المعمارية ، أليست هي أفكار وظيفية وجمالية وأقتصادية تنفذ على أرض الواقع ليستخدمها الناس ويختبرون كفاءتها وملائمتها للإستخدام الجسدي والنفسي المريح ؟ إذن كيف نقول لهم تلك الأفكار ونجعلهم يضحكون لكي ننجو من القتل ؟! (قد يكون القتل اليوم مجازي عن طريق الأساءة لسمعة المصمم وذمهُ وذم ابوه وجده والعشيرة ومن علمه العمارة)( أنعل أبو المصمم لابو ............الخ )
أنقل لكم بعضاً مما كتبه (Ian Martin) في مقاله عن الارتباط بين الكوميديا والمباني بعنوان:
(I have seen the future and its stand-up architecture)
إن القواعد للكوميديا والعمارة هي نفسها بالضبط ، على الأقل فإن كل شئ له مكان محدد ، والعمارة أساساً هي مزحة كبيرة واحدة ! وفيما يخص المزاح هنالك تصنيفات له ترتبط بالعمارة :
1-    المبالغة في المقياس: لنلاحظ الرسوم الكاريكاتورية المجنونة والمبالغ بها التي تقلد شخصيات موجودة ، في العمارة فإن التلاعب بالمقياس يثير الضحك كما في الكوميديا تماماً .
2-    التلاعب بالصفات: قول كلمة مألوفة بطريقة غير مألوفة في الكوميديا يشابه لإستخدام عنصر معماري  مألوف بطريقة غير مألوفة مسبقاً .
3-    تغيير السياق النوعي: في الكوميديا يمثل ذلك نقل كلمة أو صورة من سياقها الاصلي الى سياق جديد أخر وبما إن معناها يعتمد على عناصر ذلك السياق فأن عملية النقل تولد معنى جديد كلياً ونفس الحال في العمارة أيضاً .
و هنالك الكثير من الامثلة في الكوميديا والعمارة تعتمد على ماسبق في أثارة الضحك والمتعة ففي الرسوم الكاريكاتورية مثلاَ أذا كانت الشخصية الحقيقة تمتلك أنف كبير نسبيا فإنه يُضخم الى درجة مضحكة ، كذلك الحال في التلاعب بالصفات ونقل الشخصيات والعناصر من سياق الى سياق اخر مختلف تماماً والإعتماد على هذا الإختلاف في الضحك كما في نقل شخصية (جوني) الامريكية الى صعيد مصر في مسلسل (الكبير أوي) .
المبالغة في المقياس
التلاعب بالصفات
تغيير السياق
وفي العمارة قد يختلف الأمر قليلاً وكما يقول طرفه بن العبد " لكل مقام مقال" فلكل مشروع ظروفه ومعاييره الخاصة ولكننا من الممكن ان نحاول أثارة الضحك قليلاً من خلال تصاميمنا أو أثارة الضحك كثيراً بالتحول من التصميم المعماري الى مجال الكوميديا كما فعل باسم يوسف عندما إنتقل من الطب الى الكوميديا و لعل برنامجه (البرنامج) خير مثال على تطبيق مقولة أوسكار وايلد السابقة.  
بلال سمير علي 


[1] مؤلف مسرحي وروائي وشاعر أنجلو-إيرلندي. احترف الكتابة بمختلف الأساليب خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.
[2] الدكتور جميل صليبا ، المعجم الفلسفي .

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الذكرى التأريخية وعمارة المراقد
تمّر السنون وتستمر الأجيال في سماع قصة مقتل الأمام الحسين (عليه السلام) والتي تصف تفاصيل الواقعة التأريخية في أرض كربلاء المقدسة يوم العاشر من شهر محرم  سنة 61 للهجرة والتي توافق 680 ميلادية، ضحى الأمام الحسين (عليه السلام) فيها بنفسه وولده من أجل الإصلاح وإستمرار النهج الحق للدين الاسلامي ، ومنذ ذلك الوقت والامام الحسين (عليه السلام) وذكرى كربلاء رمزاً لمقاومة الظلم والاستبداد ورمزاً للتضحية والحرية والكرامة ، رمزاً يستمد منه المسلمون القوة على مر العصور والاحداث التاريخية اللاحقة .
ومن خلال نظرة تحليلية لتلك الواقعة وقصتها نجد إنها تتألف من جزئين ، جزء معنوي روحي والأخر صوري مادي (الجوهر- المظهر) فلكي يوصل لنا الخطيب الحسيني معاني الواقعة المتعددة وحكمها (الجوهر) فإنه يبدء بذكر عناصر مادية وصور للمستمع ليترك له الفرصة في تخيل تلك الاحداث كما وقعت في حينها ، تلك العناصر (المظهر) تتمثل بـ(الارض الصحراوية ، الجسد الانساني ، الخيول ، الاسلحة ومستلزمات الحرب ، الخيام ، نهر العلقمي وعدد قليل من اشجار النخيل) والجزءان متلازمان دوماً فالجوهر هو سبب تجسد المظهر والمظهر شرط في إيصال الجوهر الى المتلقي . وهنا نرى بأن المسلمون يحاولون إستذكار ذلك الجوهر والارتباط به في الحاضر باستمرار من خلال الخطب الكلامية (المجالس الحسينية) التي تصف صور واقعة كربلاء أو من خلال زيارة مرقدي الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه العباس (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة.
إن عمارة تلك المراقد المطهرة مرت بالعديد من المراحل التأريخية بدءاً من التشييد الأول لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) من قبل المختار بن عبيد الثقفي كما يذكر المؤرخون وصولاً الى الوقت الحاضر التي شهدت فيه إضافات مؤثرة على نمط أبنية المراقد المقدسة في العراق كتسقيف الصحن الداخلي وإضافة حلقة خارجية الى سور المرقد علاوة على تزيين وإنهاء السقوف والجدران بالزخارف والنقوش بأستخدام المرايا والكاشي الكربلائي الملون وإنهاء الأرضيات و الجدران الداخلية والخارجية بالمرمر المستورد .



وبالعودة الى ثنائية الجوهر والمظهر فلنتخيل السيناريو التالي: هنالك طفل عراقي يعيش في المهجر وقد حرص أهله على سماعه لمقتل الامام الحسين (عليه السلام) بإستمرار ثم يقررون زيارة كربلاء المقدسة في يوم من الايام وعن طريق مطار النجف الأشرف يصل الطفل وأهله الى المرقد المطهر ، السؤال هنا: ماهو المظهر الذي يدله على أرض كربلاء الصحراوية التي دفع اليها الإمام دفعاً بعيداً عن المدن وعن نهر الفرات؟ ماهو المظهر الذي يذكره بعطش الإمام الحسين (عليه السلام) واصحابه وأهل بيته؟ ماهو المظهر الذي يذكره بإدبار الامام (عليه السلام) عن الدنيا وزينتها وخروجه على طغيان بني أمية وتوجههم الدنيوي المادي؟ حيث إن الصور التي يمتلكها الطفل بداخله هي للصحراء والخيام والمعركة ولكنه يرى مبنى بأبهى حله ، هيكل انشائي ضخم ، مواد إنهاء معاصرة وأخرى بأجمل الالوان ، مرايا تعكس إنارة وسائل الاضاءة الرائعة وجو بارد ينعش الداخلين الى الصحن الشريف .




ربما سيتساءل القارئ: هل تلمّح الى أن يبقى المرقد المطهر على عمارته الاولى دون تجديد؟ أم مجرد الحفاظ عليه من دون إضافة تغييرات تلبي حاجة الزائرين الحالية؟ وذلك لكي يبقى محافظاً على الصور التي تدل على جوهر واقعة كربلاء ومعانيها ، هل هذا ممكن؟ فلقد ازدادت أعداد الزائرين خلال السنوات الاخيرة زيادة كبيرة جداً وأزدادت بذلك متطلبات خدمتهم وتوفير سبل الراحة لهم علاوة على إستحداث الكثير من الفعاليات التي تساهم في نشر فكر الإمام الحسين (عليه السلام) في العراق والعالم بعد زوال الموانع القمعية السابقة.
والأجابة هي كلا ، يجب أن تلبي عمارة المرقد المطهر المتطلبات والحاجات الجديدة للزائرين ، فما فائدة عمارة لا تلبي حاجة الانسان ولا تحقق الغرض المرجو منها؟ ولكنني أدعو هنا الى أن تتحلى عمارة المرقد المطهر بصفة مهمة جداً الا وهي (البساطة) يجب ان يكون البناء هو عنصر يتكامل مع واقعة كربلاء وفكر الامام الحسين (عليه السلام) ولا يبتعد عنهما، يجب أن يكون البناء مساعداً للزائر في التفّكر بذكرى الإمام ومبادئه وعظمة أصحابة وليس التفّكر في جمالية زخرفة السقف وجمالية الثريات المعلقة وهندسة القباب المتحركة ، أنا أفترض إن الزائر هذه الأيام يشغل جزءاً من وقته وهو يفكر في كمية حديد التسليح والكونكريت المستخدمة في تطوير المرقد وسعر متر مادة المرمر المستوردة وكيفية تثبيت الزخرفة بالكاشي الكربلائي على السقف وغيرها من الحسابات المادية التي يعلم تفاصيلها المطلع على مهنة البناء وتخفى على الزائر البسيط . ومن الممكن أن تتجسد البساطة في إستخدام مادة الطابوق (الجفقيم) في تغليف الجدران بدلاً عن المرمر الايطالي ، ألا يرتبط لون الطابوق الاصفر بلون أرض كربلاء وصحراء الطف؟ ومن الممكن أيضاً أن تتجسد البساطة في إستخدام نظام تسقيف قماشي (tensile structure) بدلاً عن كميات الحديد الهائلة والواح الكونكريت المغلفة بالكاشي الكربلائي ، ويرتبط ذلك النظام رمزياً مع خيام معسكر الحسين(عليه السلام) وهنالك الكثير من البدائل التي كان يتطلب من القائمين على إعمار المرقد المطهر سماع الرأي الأخر فيها قبل أتخاذ القرارات المؤثرة .
  


وقد يتساءل القارئ مرة أخرى : الا تتلائم منزلة الإمام الحسين (عليه السلام) مع هذا الإنشاء الجميل والمعاصر؟ لماذا لانرتقي بعمارة المراقد في العراق لمستوى مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) بمدينة مشهد في هندسته المبهرة وعمارته الرائعه ؟
الإجابة ببساطة وهي الخاتمة إن زائر الأمام الرضا عليه السلام بحاجة الى مظهر يدل على الذكرى التأريخية للأمام الرضا (عليه السلام) في كونه ولي عهد الخليفة المأمون العباسي ، مظهر يقترب من ذكرى الإمام في إرتداءه أفضل الملابس في وقت ما ، أما زائر مرقد الامام الحسين (عليه السلام) فهو بحاجة الى مظهر يذكره بحادثة كربلاء الأليمة هذا المظهر على الأقل يتسم بالبساطة ليبتعد به عن الدنيا وبهرجتها .      

 بلال سمير علي

الجمعة، 18 أكتوبر 2013

غنغام ستايل وأسرار العمارة الشهيرة


غنغام ستايل الأغنية الكورية الأكثر شهرة في عامي 2012- 2013 وأكثر أغنية سماعاً في تاريخ اليوتيوب كله  فقد سمع وشاهد مليون وثمان مئة الف شخص لأصدارها الرسمي فقط ورقص على انغامها بان كي مون ( أمين عام الأمم المتحدة) والكثير من المشاهير حول العالم .
واليوم سننظراليها بإعتبارها عمل أو منجز إنساني يخاطب به الصانع أفراد المجتمع الأخرين ليحقق غاية معينة يهدف اليها ، وفي عالم اليوم المادي أنا أفترض إن تلك الغاية هي الربح المادي وراء إصدار الأغنية .
وكما نعلم فإن الموسيقى والغناء مجالات مميزة في عالم الفن ولكن ماذا عن العمارة؟ أنها من مجالات ظهور الفن ايضاً فهي تخاطب الاحاسيس الانسانية وتنشد الجمال الذي يسعى اليه الإنسان في نتاجاته كافة وتختلف عنهما بالجانب العلمي فيها  الذي يتناول وسائل انشاءها وديمومتها.
ونحن كمعماريين مَن منا لا يشتهي أن يشتهر أحد أعماله التصميمية كشهرة أغنية غانغام ستايل؟ يشاهده ملايين الأشخاص حول العالم ويبدون أعجابهم به ، تثار حول ذلك التصميم الكثير من النقاشات المعمارية ويُعرف هو شخصاً في مجال الهندسة المعمارية ، والسؤال هنا : هل من الممكن ان نستفيد من مقومات شهرة أغنية غنغام ستايل في تصميم وتسويق تصميم معماري خاص بنا ليناله من الشهرة المحلية أو العالمية ما نال تلك الاغنية؟
سأنقل لكم أسباب شهرة وشعبية الاغنية إفتراضاً من موقع مدونة (مدونة جديدة) ونرى هل من الممكن تحققها في تصميمنا المفترض لنصل به الى الشهرة المطلوبة :

1-      (بساطة الموسيقى وتقليديتها وسرعتها في نفس الوقت)
فالبساطة صفة لاتفقد قيمتها في كافة الاعمال الفنية وخاصة في العمارة ولكنها يجب ان تمتاز بصفة تجعلها بساطة معاصرة ، فسرعة موسيقى الاغنية تعكس صفة السرعة التي يمتاز بها العصر الذي نعيشه فالانسان يبحث عن السرعة في كافة تفاصيل حياته . 
2-      (الرقصة الغريبة المبتكرة والسهلة)
الغرابة وصفة اللامالوف الذي يجذب الانسان أكثر مما إعتاد عليه وشاهده لفترات طويلة مسبقاً ، هذا اللامألوف في العمارة يجب أن يكون بحاجة الى جهد بسيط لإدراكه حتى يصل الى كافة مستويات المتلقين ويكون بعيداً عن التعقيد المبالغ فيه .
3-      (شخصية المغني الفريدة والغريبة والتي غالبا ما تجذب اهتمام الناس)
الصانع ( المعماري) يجب أن يمتلك شخصية تختلف عن مايحيطه من أفراد بشرط أن يثير هذا الاختلاف الاعجاب ولا يكون مدعاة للسخرية والتصغير والاختلاف من الممكن ان يكون بالجوهر أو بالمظهر.
4-      (تلقيه دعماً من أكثر من شخصية شهيرة على تويتر حيث إن أكثر من مغني وممثل أمريكي شهير نشروا الاغنية على تويتر)
جميعنا نتأثر بأراء الاخرين بطريقة معينة خاصة لو كنا نكن لاؤلئك الاشخاص بالاعجاب والتقدير ، فعندما نعجب بشخص معين نعجب بأغلب خياراته ونتأثر بتوصياته. 
5-     (التوقيت المناسب للنشر على اليوتيوب في زمن قمة الانتشار الالكتروني وبنفس الوقت بحث الناس عن شئ جديد)
إختيار الوسائل المناسبة للوصول الى الغاية ، والوسائل اليوم مختلفة تماماً عن الوسائل في الفترات السابقة فاليوم تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دوراً هائلة في حياتنا ، ما نراه وما يدور برؤوسنا من افكار ونكوّن من خيارات وتفضيلات .
6-     (الكوميديا)
يقول اوسكار وايلد (كاتب وشاعر أيرلندي) : إذا أردت أن تقــول الحقيقة للـــناس فاجعـلهم يضـحكون، وإلا فسوف يقتلونــك . ما أصدق هذا المقال اليوم فجميعنا نبحث عما يرفه عنا ويضحكنا لثانية ثم نتذكره لاحقاً وننقله للاخرين .
و بدوري ساجمع لكم وصفة الشهرة المعمارية الكاملة لسهولة استخدامها عند الحاجة قبل الأكل أو بعده (كما تشاؤون) :
يجب أن يكون التصميم ذو فكرة بسيطة ولكنها غائبة عن عقول الاخرين وتجسد تلك الفكرة بعناصر بسيطة ولكنها تمثل روح العصر الذي نعيش فيه فيكون السبب الأول (البساطة المعاصرة) ، يجب أن يكون التصميم غير مألوف ويختلف عن ما سبقه من التصاميم ولو كان يشترك مع تلك التصاميم بنفس المصدر الشكلي فيجب ان تكون المعالجة مختلفة غير مسبوقة ولكنها مفهومة في نفس الوقت وليست عديمة المعنى فيكون السبب الثاني (اللامألوف المفهوم) ، صمم شخصيتك المعمارية قبل أعمالك ولكونك تتحسس الجمال أكثر من غيرك إجعل شخصيتك جميلة والسر هو الأخلاق الحميدة علاوة على جمال المظهر أيضاً فيكون السبب الثالث (شخصيتك ومظهرك الجميلان) ، إذا أردت أن يشتهر تصميمك إعرضه على أحد المختصين بالعمارة أصحاب الشهرة والشعبية ولنأمل أن يعجبه التصميم فيشيد به في جلسه ما أو يعرضه على الأخرين أو ينشره على مواقع التواصل الجتماعي فيكون السبب الرابع (نشر شخص مشهور لتصميمك) واخيراً و ليس آخراً استخدم كافة الوسائل المعاصرة في صنع التصميم وفي تسويقه أيضأ وذلك يتلخص في استخدام البرامج الحاسوبية المعاصرة في الاظهار ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر مشروعك على المعماريين كافة فيكون السبب الخامس (الوسائل الالكترونية المناسبة) أما آخراً فليكن تصميمك مضحكاً ولكن كيف ؟ لا اعرف أنا ايضاً وسابحث عن الإجابة منذ اليوم .
وتصبح الوصفة بإختصار (البساطة المعاصرة)(اللامألوف المفهوم)(شخصيتك ومظهرك الجميلان)(نشر شخص مشهور لتصميمك)(الوسائل الالكترونية المناسبة)(الكوميديا) إذن هل هي وصفة سهلة ؟ لا أعتقد لأنها وصفة من بحر العمارة .    









الخميس، 17 أكتوبر 2013

تشابه العمران
  من الدين الاسلامي الى القوانين الغربية
قد تدل منطقة السكن هذه الأيام على حالة الشخص المادية فالمنطقة (س) يسكنها الأغنياء و المنطقة (ص) تسكنها الطبقة المتوسطة و(د) يسكنها الفقراء والمُعدَمين وتعود تلك التمايزات الى مساحات مساكن تلك المناطق أولاً والمستوى الانشائي والتزييني لتلك المساكن فضلاً عن مستوى الخدمات والبنى التحتية المتوفرة وطبيعة المناطق المجاورة، ولو تخصصنا بالاختلافات الخاصة بالمساكن فقط فأننا نجد أنها موجودة حتى ضمن المنطقة ذاتها فمحاولة وصف مسكننا لصديق يزورنا لأول مرة تتضمن دائماً العبارات الآتية : (بجانب البيت ذو الواجهة الحجرية) أو (أمام البيت ذو الاقواس الاسلامية) أو (البيت ذو الباب الأسود الكبير) وغيرها من العبارات التي تشير الى صفات شكلية مميزة في واجهات المساكن (قد تكون على مستوى التكوينات المعمارية أو مواد الانهاء المستخدمة) ويمكن للعين ان تنتبه لها وتحتفظ بصورة منها للزيارات اللاحقة وقد تصبح تلك الصفات رمزاً للشارع التي تقع فيه خصوصاً عندما تذهب بأتجاه اللامألوف ، فهنالك من يضع مجسم لطائرة فوق مسكنة أو تمثالين لأسدين على جانبي بوابة المدخل وغيرها من المعالجات المعمارية والنحتية .
والتساؤل هنا: هل إن تلك الاختلافات في أشكال واجهات المساكن للمنطقة الواحدة حالة صحية أجتماعياً ومعمارياً؟ وللإجابة عن ذلك وفق إطار محدد نعود الى بداية تأسيس مدينة بغداد الأول كعاصمة للدولة العباسية (141-146) هجرية ونفترض إن بناءها قد تأثر بالقيم التي جاء بها الدين الاسلامي فيما يخص تخطيط المدينة وطبيعة مساكنها لقرب عهدها بظهور الدين الاسلامي والانشغال العام بالتفسير وجمع احاديث السيرة النبوية الشريفة والالتزام بها فكراً وسلوكاً ، وفي هذا السياق يقول الدكتور مصطفى بن حموش " إن المدن الأسلامية ليس فيها أحياء للفقراء وأخرى للأغنياء، ففي كثير من الأحيان نجد البيت الصغير بجنب البيت الكبير ولايعرف الأختلاف بينهم إلا من خلال سعة الأحواش الداخلية وأحياناً زخرفة المدخل ويضيف قائلاً: إن إطلاق العنان في البناء يؤدي الى ظهور روح التنافس المادي بين أفراد المجتمع الذي يفكك بدوره أواصر التكافل والترابط الاجتماعي وينشئ الطبقيّة الحادة ، غير إن ذلك لا يعني نهي الاسلام عن البناء والإعمار الذي هو عين الاستخلاف في الارض (هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فأستغفروه ثم توبوا اليه إن ربي قريب مجيب) (هود 61) ويرى بعض الباحثين الاجتماعيين والانثروبولوجيين إن الوحدة الثقافية لمجتمع معين كثيراً ما تأخذ طريقها في العمران لتترجم من خلال تجانس النمط السكني والواجهات واللون المستعمل والطراز المشترك ، ويظهر ذلك في المدن الاسلامية القديمة حيث تشترك البيوت في الطراز المعماري لكنها في المقابل تكون منفردة في تفاصيلها وسعتها بحسب خصوصية كل فرد واخيراً فإن للدولة حق التدخل في المسألة من الناحية التي تمس وحدة المجتمع الاسلامي وتماسكهُ ، فلها ان تحدد سقفاً للاستهلاك بحسب مستوى معيشة المجتمع وأن تمنع التنافس بين الافراد وأن تفرض نسبة من توحيد الطراز المعماري الذي يناسب المنطقة والمناخ ومواد البناء إن امكن"[1] .
 وبعيداً عن تدخل الدولة نرى ان عمارة بغداد القديمة منذ التأسيس وصولاً الى العمارة السكنية التقليدية التي عاش اجدادي فيها متمثلة بالبيت البغدادي يمتاز بواجهة خارجية بسيطة جداً فهي واجهة مستوية تتضمن باب المدخل وشبابيك غرف الطابق الارضي المقتصد في مساحاتها مع بعض التأطيرات لتلك الفتحات وأخيراً  ياتي دور الشناشيل الخشبية التي تغطي شبابيك الطابق الاول ، ويشكل البيت البغدادي مع مجاوراته الزقاق التقليدي المتجانس تتجاور فيه البيوت بدون فراغات وتستمر فيه الواجهات المتناسقة بعناصرها المتشابهة على الرغم من إختلاف مساحاتها.


 أما فيما يخص تدخل الدولة فقد ظهرت القوانين التي تنظم عملية البناء في المدينة بعد ظهور مفهوم المدينة الحديثة والتحول من البناء التقليدي العضوي الى أحياء سكنية جديدة يتم تخطيط شوارعها مسبقاً وتشيد فيها المساكن المعاصرة ولكون ذلك النوع من التخطيط وما اعتمده من قوانين يمثل الفكر الغربي الذي تم إعتماده في مدننا المعاصرة  فإن الهدف من تلك القوانين هنا قد إبتعد عن القيم الدينية وعدم التفاخر بالبنيان وإنما إنطلق من الحرص على الوحدة الشكلية الجمالية للاحياء السكنية الجديدة و منع الساكنين من تحقيق مكاسب فردية على حساب المنفعة العامة في تحقيق متطلبات الراحة و الحصول على الخدمات، وإن ذلك الانتظام المتحقق والتناسب الشكلي المدروس يخلق نوعاً من الهدوء الداخلي للساكنين من خلال الراحة البصرية لحياتهم اليومية مما ينعكس على سلوك وعلاقات الساكنين اجتماعياً ، تلك القوانين تحدد جميع عناصر واجهات المساكن بالتفصيل ولكي يبني مواطن بيتاً جديداً في أي مدينة غربية مثلاً عليه أن يلتزم بمجموعة من المحددات التي تزوده بها البلدية من حيث طول الواجهة وعدد الشبابيك واشكالها ومساحاتها ، شكل باب المسكن وجميع العناصر الجمالية المستخدمة في الواجهة المصممة .

و بهذا نرى إن هنالك منهجين في التعامل مع تصميم واجهات مساكن الحي الواحد: المنهج الاسلامي والمنهج الغربي اللذان يؤديان الى نفس النتيجة في تحقيق مقداراً من التشابه في تلك الواجهات وكلٌ لاسبابه الخاصة ، ولكننا اليوم نرى منهجاً ثالثاً في أغلب أحياء مدينة بغداد التي تفتقر الى الوحدة الشكلية في واجهاتها، فواجهات المنازل تصمم حسب رغبة المهندس المعماري اذا كان حاضراً وبفقدان القوانين فمن المستحيل أن يحاول مهندساً معمارياً أن يقترب أو يتماشى مع واجهة لمصمم اخر تقع بجانب تلك الواجهة التي يعمل عليها وإنما يحاول أن يضع بصمته الخاصة مدفوعاً برغبة تنافسية وبتشجيع من مالك المسكن الذي يحاول الحصول على واجهة تميز مسكنه في المنطقة وقد يغيب المهندس المعماري ويحضر المقاول الذي يكون بعيداً عن التكوينات الجمالية لينتج واجهات مقلدة عن واجهات جميلة شاهدها مسبقاً وبالتالي نرى مدينتنا اليوم غير متجانسة متعبة للبصر فاقدة للهوية تتبع منهجاً غير معروف فهل تعرفونه انتم ياترى ؟!     

بلال سمير علي 

[1] د.مصطفى بن حموش ، جوهر التمدن الاسلامي – دراسات في فقه العمران – 2006 .
الراحة الحرارية
الجانب الأهم في تصميم منزل المستقبل
لقد بدء الحديث عن ظاهرة الإحتباس الحراري منذ أكثر من عقدين تقريباً ، وهي تتمثل بإرتفاع درجات حرارة الأرض عن معدلها الطبيعي حيث تشير القياسات الى إزدياد المعدل العالمي لدرجة حرارة الهواء عند سطح الأرض بشكل ملحوظ خلال المائة عام المنتهية سنة  2005 ، وبعيداً عن الدراسات العلمية مَن منا لم ينتبه الى إن صيف هذا العام أكثر حرارة من الصيف السابق؟ أو إن الصيف في الخمس سنوات الأخيرة أكثر حرارة من الصيف في الأعوام السابقة. وعلى الرغم من إن ظاهرة الإحتباس الحراري ظاهرة عالمية يعاني منها جميع بلدان العالم بسبب زيادة إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة إحراق الوقود الأحفوري ومخلفات العمليات التصنيعية المختلفة علاوة على إزالة الغابات المدارية إلا إننا في العراق وبغداد خصوصاً نعاني من أسباب إضافية تتمثل بالأعداد الهائلة لمولدات الطاقة الكهربائية الخاصة والعامة وكثرة عدد السيارات في الشوارع والاعتماد المتزايد على مكيفات الهواء التي تنفث الحرارة الى الخارج والتناقص الملحوظ في أعداد الأشجار والمساحات الخضراء في المدينة، ولكي يحصل الإنسان على جو مريح حرارياً هذه الأيام لا يمتلك حلاً سوى البقاء في منزله الخاص، والسؤال هنا: هل منازلنا التي نعيش فيها مريحة حرارياً؟ سأجيب أنا أولاً: كلا ، منزلي ليس مريح حرارياً، فهو مصمم ومنفذ من قِبل بَنّاء تقليدي في الثمانينيات ويحتوي الكثير من المشاكل الحرارية. وللحصول على منزل ذو درجة حرارة مقبولة في الصيف والشتاء ومن غير الإعتماد الكلي على وسائل التدفئة والتبريد (وما يصاحب الكهرباء الوطنية من انقطاعات مستمرة والكلفة العالية للمولدات الخاصة) فأن مبادئ التصميم المعماري البيئي تمتلك العديد من المعالجات والحلول الكفوءة لتحقيق الراحة الحرارية بدءاً من تشكيل كتلة المنزل وتوجيهه الى طبيعة مواد البناء المستخدمة وإستخدام المواد العازلة، مساحات الشبابيك وتظليلها، الإستخدام المدروس للأشجار في التظليل وغيرها من التفاصيل المعمارية التي يدرسها المهندس المعماري خلال سنوات دراسته ، لذا من الأفضل لمن يخطط لبناء منزله المستقبلي أن يشترط على المصمم أن يكون التصميم جميلاً وأن يكون متيناً وأقتصادياً ولكن بعد تحقيق متطلبات الراحة الحرارية ، والسبب يكمن في إجابة الأسئلة التالية: هل ستنخفظ درجة حرارة الارض مستقبلاً؟ هل ستتوفر الطاقة الكهربائية في العراق 24 ساعة يوما؟    
 بلال سمير علي