الأحد، 20 ديسمبر 2020

الهوية للغالبين

الهوية للغالبين

بحث في جدوى البحث عن هوية معمارية محلية

لِما تَخرج بعض الشخصيات التاريخية من صفحاتِ الكتب الى مسامع وألسنة الناس حتى يومنا الحاضر، وتبقى شخصيات آخرى حبيسة المكتبات إن كانت محظوظة وكتَبَ عنها أحد؟

هل سمعتهم بعالم الإجتماع إبن خلدون المتوفي عام 1406م؟ هل سمعتم بـ(مقدمة إبن خلدون) التي جاء بها لكتابه (العِبر وديوان المبتدأ والخبر)؟

أنا سمعت بها، إن لم يكن من أستاذ او من باحث فمن الممثل الراحل حسن مصطفى في مسرحية مدرسة المشاغبين.

لنقرأ نصاً من تلك المقدمة تحت عنوان (في أن المغلوب مولع أبداً بالإقتداء بالغالب في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده) عسى أن نعرف سبب شهرة إبن خلدون وشهرة المقدمة الخالدة:

يقول: "أن النفسَ أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وإنقادت إليه، إما لنظرهِ بالكمال بما وقرَ عندها تعظيمه، أو لما تُغالط به من أن إنقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك وأتصل لها، حصل إعتقاداً فإنتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به، وذلك هو الإقتداء".

ثم يقول: "حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغَلب عليها فيسري اليهم من هذا التشبه والإقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد من أمم الجلالقة، فإنك تجدُهُم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت".

ثم نتساءل كعراقيين هل غلبنا المغول؟ التتار؟ الفرس؟ العثمانيون؟ الإنكليز؟ الأمريكان؟ أم هم الغالبون؟

 كنتُ أستمتع وأنا أستعمل المفردات التي أعتقدُها بغدادية أصيلة ورثتها عن جدّتي رحمها الله مع كثير من القصص والأمثال الشعبية. ثم عثرتُ في يومٍ ما على كتاب (معجم الألفاظ الدخيلة في اللهجة العراقية الدارجة)، لأجد أن أغلب إن لم يكن جميع تلك المفردات هي من اللغتين الفارسية والتركية. ثم هنالك المفردات القديمة ذات الاصول الانكليزية والمفردات الانكلو-أمريكية المعاصرة التي نستعملها في لغتنا اليومية.

هل سمعتم بنيكولو مكيافللي المتوفي عام 1527م؟ هل سمعتم بكتابه (الأمير)؟ كان هتلر يضعه على مقربة من سريرهِ فيقرأ فيه كل ليلة قبل أن ينام.

لنقرأ منه نصاً تحت عنوان (حُكم المدن أو الممالك التي كانت قبل إحتلالها تعيش في ظل قوانينها الخاصة)، فقد نكتشف السبب الذي جعله رفيقاً لهتلر دون غيرهِ من الكتب.

يقول مكيافللي: "عندما تكون الدول التي تم إحتلالها، قد ألِفت الحرية في ظل قوانينها الخاصة، فهنالك ثلاثة سبل للإحتفاظ بهذه الدول، أما السبيل الأول فهو تجريدها من كل شي، وأما الثاني فهو أن يذهب الأمير المحتل ليقيم في ربوعها، وأما الثالث والأخير فهو أن يسمح لأهلها بالعيش في ظل قوانينهم مكتفياً بتناول الجزية منهم وخالِقاً فيها حكومة تعتمد على الأقلية الموالية للحاكم. وتدرك مثل هذه الحكومة التي خلقها الأمير، أنها تعتمد في بقاءها على صداقته وحمايته، ولذا فهي تبذل بالغ الجهد للحفاظ عليهما. يضاف الى هذا أن المدينة التي ألقت الحرية لا تُذعِن بسهولة إلا الى أبنائها ومواطنيها، هذا هو السبيل الصحيح للإحتفاظ بها".

ثم يضرب مثلاً بالاسبرطيين في تخريبهم لعدد من المدن للاحتفاظ بها قائلاً: " وكل من يسيطر على مدينة حرّة لا يقوم بتهديمها، يتعرض هو للدمار منها، لأنها ستجد دائماً الحافز على العصيان بإسم الحرية وبإسم أعرافها القديمة التي لا يسدل الزمن عليها سجف النسيان، ولا تلحق بها المنافع الجديدة الإهمال والتغاضي، ومهما عمل الحاكم الجديد، فإنه لن يستطيع أن يُنسي أهلها إسم مدينتهم أو أعرافها الا إذا مزقهم شر ممزق، وفرقهم في كل صقيع".

 هل نعرف كيف سيطر المغول على بغداد؟ التتار؟ الفرس؟ العثمانيون؟ كيف سيطر الانكليز سابقاً والأمريكان بعد2003 على بغداد واحتفظوا بها؟

من منهم قام بتهديمها وقتل أهلها ومن منهم قام بتشكيل حكومة موالية له عملت على تمزيق المجتمع شر ممزق؟ من منهم إختار سبيل الهدم ثم سبيل تشكيل الحكومة الموالية توالياً؟

كنت في الصف الثاني الابتدائي حينها ولكنني أقرأ الآن عن حرب الخليج عام 1991 في كتاب (دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التأريخ). يصف المؤلف بغداد ليلة الحرب: "جنّت المدينة التي يلفها الظلام، وخَطت سماء الليل خطوط أضواء ملونة صادرة عن قذائف منحنية المسارات. كانت السنة اللهب الصادرة عن فوهات المدافع الكبيرة تعكس ظلال الابنية العالية، ومثل عاصفة رعدية شيطانية، تداخل صخب دوي المدافع، إنفجار القنابل، فرقعة البنادق الآلية وعويل محركات الصواريخ الساقطة من السماء. وميض نار، هسيس هائل فانفجار جديد. هذا كله من أول 52 صار كروز تطلق على العراق، ثم أُسقط عليه  95000 طن من القنابل بعد ذلك". وكانت تلك الحرب كمُزحة لما حصل بعدها عام 2003.

كُنت أنوي الكتابة عن الهوية المعمارية!

أذكر نفسي وأذكركم دائماً أن القضايا المعمارية هي غالباً قضايا مفتوحة وجدلية، ففي قضية الهوية تحديداً نجد العديد من الكتب ورسائل وأطاريح الدراسات العليا، وعلينا أن لا نجعل ذلك عائقاً أمام بناء رأي خاص بنا وقول ما نعتقد به.

لو بذلنا أبسط جهد في كتابة (هوية) على Google والذهاب الى أول نتيجة بحث في وكيبيديا فسنجد أنها تعرّف الهوية كـ(مصطلح يُستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعة، وهي أيضاً مُجمل السمات التي تُميز شيئاً عن غيره أو شخصاً عن غيره أو مجموعة عن غيرها).

فنترجم ذلك الى العمارة بالمبادئ والعلاقات والعناصر المعمارية التي تميز عمارة مجتمع معين ضمن منطقة جغرافية (قرية، مدينة، دولة) دون غيرهِ من المجتمعات والمناطق. ليس التكوين الشكلي المادي الناتج فقط، وإنما طبيعة الفضاءات التي يحيط بها التكوين وطبيعة إستخداماتها. أي القضايا المعمارية المادية وغير المادية.

هل لا زلتم تتذكرون ماذا قال إبن خلدون ومكيافيللي؟

نحن مجتمع مغلوب نسكن في منطقة جغرافية مُثيرة لمطامع الآخرين بشكل عجيب. فيأتون لتهديم منطقتنا وتنصيب حكومات موالية لهم، ونتيجة لهذه السيطرة فنحن ننقاد لهم، نتشبه بهم ثم نقتدي بهم، ولا أعتقد إنني بحاجة للحديث عن علاقتنا بالأمريكان كحالة دراسية، لنفهم كيف كانت علاقة أجدادنا بالمحتلين حيث يدّعي أحد الكتّاب العراقيين إنه بغدادي أصلي لأن نسبه يرتبط بالباشوات العثمانيين!

لذا فإننا نبدل جلودنا وما نتميز به مع كل إحتلال دوري، ولا نستطيع المحافظة على سمات هويتنا الشخصية والتي تنعكس على الهوية المعمارية بالتأكيد.

لكن ألم يستطع أجدادنا وآباءنا التأسيس لهوية معمارية عراقية على الرغم من عيشهم بنفس هذه الحتمية التأريخية؟

الإجابة هي أننا قد نشترك مع بعض المحتلين السابقين بالمنطقة الجغرافية لأنهم يجاورونا من الشمال والشرق، (فنشترك بالطوبوغرافيا والمناخ ومواد البناء) أو نشترك معهم بالديانة وما توجه به من أخلاقيات ومبادئ وسلوكيات فردية ومجتمعية. ثم قد يأتي بعض المحتلين بمعماريين لديهم خبرة سابقة للعمل في منطقة جغرافية شرقية آسيوية قد نشترك معها بنفس ما سبق (مناخ، مواد بناء، أفكار وسلوك).

تلك المشتركات جعلتنا نتقبل ونهضم بسرعة ما تم فرضهُ علينا ثم نقتدي به ويصبح جزءاً من هويتنا العراقية. لست بحاجة أيضاً لضرب الأمثال لأننا سنكتشف أن البعض من خير العمائر التي نعتز بها تعود أصولها الى غيرنا من المجتمعات المجاورة.

لكننا اليوم نعيش ظروف مختلفة جداً، فالمحتلين من قارات بعيدة جداً لا نرتبط معها بمشتركات كثيرة، ثم أن ذلك الإحتلال يمتاز بوسائلهِ المتعددة، العسكرية، التكنولوجية والثقافية. ولسنا وحدنا من يعاني من ذلك الإحتلال وإنما جميع المجتمعات المسلوبة في العالم. والتسمية الرسمية لذلك الاحتلال هي (العولمة).

أن تفرض المجتمعات القوية نفسها على المجتمعات التي تشعر بالضعف، فتجعلها تقتدي بها وكل ذلك في سبيل الإستيراد والشراء والإستهلاك.

قد نكتشف أن لا جدوى من محاولة المعماريين بمفردهم البحث عن تحقيق هوية معمارية عراقية موحدة في أعمالهم والمجتمع مغلوب ويحاول الإقتداء بالغالب. يجب علينا اولاً أن نقتنع أننا شعب قوي وعظيم ويمتلك من السمات المميزة التي لا حاجة معها للتشبه بالآخرين. (لا أعرف كيف ونحن نذهب سنوياً الى دول المحتلين ونندهش بمنجزاتهم ونعود للبكاء على أرض الوطن).

واحدة من وظائف الهوية المعمارية هي التواصل مع الماضي، أن يتذكر الإنسان ماضيه الذي يحّن اليه. أخبرني المعمار راسم بدران عن ذلك الأمير السعودي الذي دخل الى أحد مشاريعه الجديدة فقال للمعمار: وكأنني دخلت لبيت جدي الذي كنت اعيش فيه أحلى أيام طفولتي. أتذكر أيضاً مشهداً من فلم Ratatouille عندما يتذوق المقيّم طبق الـ Ratatouille فيعود دودياً (خلال ثقب دودي) الى طفولته وهو يتناول طعام والدته اللذيذ على طاولة المطبخ.

ولكن ماذا إن كان المجتمع يريد ويحاول نسيان الماضي؟ إن كان الإنسان فقيراً معدماً ثم تحول الى أغنى الأغنياء (نتحدث عن أولئك المتحولين يومياً) هل يريد أن يتذكر الماضي؟ هل نعتب عليه لأنه لا يريد أن يتذكر تلك الأيام التعيسة وتفاصيلها؟

لا أعرف لِما يتحمل المعمار ذنب عدم تحقيق هوية معمارية وهو يلبي متطلبات العميل العراقي؟ قرأت مؤخراً للدكتور خالد السلطاني وأنا أبحث عن (هديبْ العظيم) يقول : "في كثير من الحالات عندما يتعاطى المعماريون مع موضوعة تصميم البيت السكني، فإنهم يلجأون الى أمرين: أولهما، يكمن في نزوع المعمار الى تأكيد (الذات) المُصَمِمة، من خلال تخليق تكوين تشي مفرداته التصميمية بذلك التأكيد وبالرغبة في الإستدلال عليه، والثاني يكمن في مراعاة المُصمم لرغبات رب العمل و(ساكن) الدار المستقبلية والتماهي معه، أكثر بكثير من الاشارة الى (ذاتهِ المُصَمِمة). في عمارة (دار هديبْ) تلاقت تلك النزعتان على سطح واحد لتطرح في الأخير أحد النماذج التصميمية ذات اللغة المعمارية الفريدة".


 وإن لم تتلاق؟ الا يحق للعميل (رب البيت) أن يعبر عن ذاتهِ في بيت الحلم وعنوان إجتهاده وشخصيته؟

نحن بحاجة للإعتراف أن قضية الهوية المعمارية هي قضية سياسية وإجتماعية وإقتصادية قبل أن تكون قضية معمارية، وليس من السليم أن يتحمل المعماريون فقط ذنب عدم تحقيقها.

ونحن بحاجة الى الاعتراف أيضاً أن هويتنا المعمارية هوية تجميعية مرنة ولم تكن هوية عراقية صافية في يوم من الأيام.

هل نتحرر من مسؤوليتنا كمعماريين؟

أعتقد أن مسؤوليتنا هي أن نبحث عن نقاط قوتنا أولاً ونعتقد نحن كمعماريين فقط أننا ننتمي لمجتمع متعدد مختلط مرن، مر بتجارب عديدة وإكتسب من الخبرة المعمارية الكافية لخلق مباني تلائم متطلبات المجتمع المعاصر وترتبط بالماضي الغني لذلك المجتمع وأرضه.

ثم ننتظر أن يرزقنا الله بعميل مشابه لـ(هديب الحاج حمود) رحمه الله، فتتلاقى ذاتينا ونحقق منجزاً معمارياً جميلاً يدفع الآخرين الى الإعجاب به ومن ثم محاوله التشبه به وتقليده.

والآن حان موعد الإجابة عن سؤال الإفتتاح، لما لا زلنا نتذكر إبن خلدون ومكيافيللي؟

يقول عبد الهادي فنجان عن كتاب الأمير: "إن سر نجاح كتاب الأمير وصموده لمئات السنين هو في جرأته على طرح ما يخجل الآخرون عن طرحه في حين هم الذين يمارسون هذه الطروحات".

فنحن نقتدي بالغالبين ونحترم الموالين للمحتلين ونريد أن نحقق هوية معمارية عراقية.

 

 

 


الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

معمار خلف القُضبان

 

معمار خلف القُضبان


"ياما في الحبس مظاليم"، فرضية مصرية شهيرة، ويزيد من شهرتها الإعتماد عليها في (أغلب) بل حتى قد يصُح القول في (كل) الأعمال الأدبية والفنية التي تدور أحداثها داخل السجون حول العالم. وقد يكون جميع السجناء مظلومين في رواياتهم الخاصة.

القضية هي أن مبنى السجن يمتاز مع مجموعة قليلة أخرى من المباني بأن تجربة زيارته ومراقبة إستخدامه نادرة من قبل المعماريين، ولا نتمنى ذلك للجميع بالتأكيد، لكن تجربة تصميمه هي تجربة شرعية قد يتعرض لها أيّ منا في يوم من الأيام.

تصبح التجسيدات التي نقرأها ونشاهدها لنظرية البراءة السابقة هي البديل المعرفي لخلق موقفنا اللاواعي من شخصية السجين وشخصية السجّان ومبنى السجن الذي يؤطر العلاقة بين الطرفين.

قرأت قبل سنوات عديدة رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للكاتب الروماني قسطنطين جورجيو، وقد غردت على تويتر حينها "إن تجربة السجن هي أقسى تجربة حياتية يمكن أن يمر بها الإنسان". وبينما كان أيوهان البطل شاب ريفي يعمل في منزل وحديقة القس كوروغا، ظهرَ في عالمي سجين آخر، ولكنه مهندس إنشائي هذه المرّة وإسمهُ مايكل سكوفيلد.

نعم، لقد كتبت إسمه من ذاكرتي مباشرة دون الرجوع الى الشبكة كما فعلت مع أيوهان موريتز، وذلك بسبب الأيام الطويلة التي عشتها وعاشها الكثير مع حلقات مسلسل (Prison Break) بمواسمه الخمسة. قبل الموسم الأخير الذي لم أشاهده كانت الأمور مختلفة عن الآن، كنت أنتظر الموسم بفارغ الصبر، ثم أذهب لشراءه على شكل أقراص DVD، قبل أن يعرض على شاشة  MBC Action.


لم يكن سكوفيلد مظلوماً بالتأكيد، فقد دخل السجن بقضية إقتحام أحد المصارف مسلحاً، لكن ليس للسرقة وإنما لدخول السجن عمداً بعد أن وثقه بالحبر على جسده، والهدف هو تهريب أخيه المظلوم.

ما أضافهُ المسلسل لقصص الهروب هو تخصص السجين الهندسي وإمكاناته الذهنية وتصميمه لمبنى سجن (Fox River) بالتحديد. كان يتعامل بمعرفة الخبير مع العناصر المعمارية والإنشائية والخدمية لمبنى السجن والتي شاركته بطولة القصة المثيرة. تلك العلاقة الدينامية زادت من معرفتنا لكيفية تصميم السجن والهدف من وراء تفاصيله ووظيفته الرئيسية. وقد نتساءل الآن كيف لمهندس إنشائي أن يصمم سجن كما يقول سكوفيلد لأخيه واثقاً!

يأتي دور الإشارة الى ضرورة الوعي أن تجربة المشاهدة تلك هي لعمل فني مشكّل باسلوب درامي لتحقيق متعة وجذب المشاهد، هو يستند على الواقع في الكثير من التفاصيل بلا شك ولكنه الواقع الأمريكي، واقع التقنيات المتطورة ومراعاة حقوق الإنسان والقضاء المستقل كما نسمع ولم نجرّب.

ماذا عن واقعنا العراقي؟

نقرأ كتاب (جدار بين ظلمتين) للمعمار رفعة الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة ويعتصرنا الألم. معمار متفرّد بإسلوب حياة تمثّل قمّة الهرم الإجتماعي العراقي حينها يوضع في زنزانة بعرض متر وسبعين سنتمتراً وطول مترين فقط وهو خامس أربعة مساجين آخرين حشروا فيها، وكانت هذه البداية فقط.


أصبحت على يقين عراقي هذه المرة بأن تجربة السجن ظلماً هي أقسى ما يمر به الإنسان ويؤدي الى تشوهات نفسية دائمة، قد يكون من آثارها ما يصرح به الدكتور علي ثويني قائلاً: "وكان مكيّة أنشط كثيراً من الجادرجي الذي توارى وأنزوى عن الحياة العامة خلال عقود!"

يصف الجادرجي شهور الحبس العشرين بالتفصيل، العناصر المعمارية المحيطة به، الشخصيات الساجنة والمسجونة، حواراته الداخلية وكيف إنتقل من سجن المخابرات الى سجن أبو غريب الشهير.

بالمقابل تصف زوجته الحياة الإجتماعية والسياسية في بغداد نهاية السبعينات، الظلم والخوف الذي أدى الى تشوهات جماعية وليست فردية. قد يكون الخوف ذاته سبباً لعدم حضور فكرة الهروب وكافة صياغاتها اللغوية في صفحات الكتاب الأليم.

لا أعتقد أن الجادرجي لم يفكر في أيامهِ الطويلة بكيفية الهروب من ذلك السجن البغيض، ولكنه لم يحاول ولم يُفكر أن يحاول خوفاً على أفراد عائلته خارج أسوار السجن وأمله بالخروج سريعاً بسبب تفاهة تهمته ومكانته الإجتماعية. إختار أن ينقل جزء من عالمه الخارجي المسموح به الى الداخل، القراءة والكتابة.

مغامرة الهروب من سجن أبو غريب نفذها فعلاً الوزير السابق الدكتور حسين الشهرستاني عام 1991 كما نقرأ في كتابه (الهروب الى الحرية)، وبعد 2003 إنتقلت إدارة السجن الى القوات الأمريكية وأصبح يوماً متصدراً للأخبار العالمية، ثم عادت إدارته الى الجهات العراقية ليحدث الهروب الكبير عام 2013.

مايصفه الجادرجي في يوميات سجن ابو غريب يقترب كثيراً وبغرابة مع يوميات السجناء السياسيين في السجن العمومي في مدينة سانتياكَو الذي يعرضها الفلم التشيلي (Pacto de Fuga) أو (Jailbreak Pact) بالانكليزية. الفلم إنتاج عام 2020 ومستوحى من أحداث حقيقية حصلت بين عامي 1988-1990 أي بعد عشر سنوات تقريباً من أحداث الجادرجي وقبل سنة عن أحداث الشهرستاني.


بطل الهروب في الفلم )مهندس/ معمار) أيضاً، ويخطط مع مجموعته لحفر نفق بطول 60 متراً ويخبئ 55 طن من مواد الحفر دون أن ينتبه لذلك أحد. وهم مظلومون أيضاً في رواية الفلم الطويل.

بعد كل هذه التفاعلات العاطفية مع السجناء وتشويق البحث معهم عن منفذ للهروب، كيف سنتعامل مع تصميم السجن لو بدأنا بتصميمه؟ هل سنكون مع طرف السجّان الذي يحاول بكل الطرق منع السجناء من الهرب والتضييق عليهم؟

لكن أليس هذه هي وظيفة السجن؟ إبعاد المجرمين عن بقية أفراد المجتمع ومحاولة إصلاحهم.

يجب أن نعي هنا أيضاً التمييز بين أنواع الجرائم الموجبة للسجن في القصص السابقة وفي الواقع، الجرائم الجنائية التي لا يُختلف على خطورة مرتكبيها وضرورة معاقبتهم، والجرائم السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية.

حُكِم الجادرجي بجريمة إقتصادية (عدم التعاون مع شركة أجنبية في تقديم عرض الى الحكومة العراقية فأدى ذلك الى خسارة العراق عنصر المنافسة وخسارة إقتصادية، ويعتبر ذلك تخريباً إقتصادياً وخيانة عظمى بحق العراق). وحُكم على أبطال الفلم التشيلي الحقيقيين بجريمة سياسية لمعارضتهم نظام الحكم الدكتاتوري آنذاك.

هل سيُفكر المعمار بالمظاليم في سجنه أم سيعتبرهم جميعاً مجرمين؟ هل سيَغلق عليهم جميع الطرق أم يترك منفذاً خفياً ليكتشفه أحد السجناء الأذكياء أو المعماريين؟

 لماذا لا يُوضع مشروع السجن ضمن البرامج التعليمية الأكاديمية؟ ولماذا لا يَشيع إنتخابه كمشروع للتخرج؟ قد يُجيب الاساتذة على السؤال الأول بأن المشاريع الأحق بالدراسة هي المشاريع الشائعة التي سيواجهها الطالب بنسبة أكبر في ممارسة المهنة: المساكن، المدارس، الفنادق، المستشفيات وغيرها. لكن هل هذا هو معيار الإنتخاب المناسب؟ أم ننتخب المشروع الأكثر إثارة للنقاش والجدل لتنمية صناعة الرأي لدى المعمار وبالتالي كيف يؤثر موقفه على قراراته التصميمية؟

أما إجابة السؤال الثاني فهي بحث الطالب عن المشاريع الإستعراضية ذات الطاقة الجمالية، فنتساءل، لماذا لا يكون مبنى السجن جميلاً؟ صحيح، لا يمكن ذلك لأن السجين سيكون مرتاحاً ولن يشعر بالذنب على ما إقترفه من جريمة شنعاء.

لماذا لا نتعلّم صناعة القُبح والخوف وخلق الإحساس بالذنب؟ زيادة على كيفية التعامل مع الجوانب الإقتصادية والبيئية، فالسجن مبنى مستَهلِك للموارد أكثر من غيره، كيف نجعله صديقاً للبيئة منتجاً للطاقة؟

نعلَم أن أحداً لن يُنفذ تصاميم الطلبة للسجون المعاصرة (كغيرها من المشاريع) ولكنها تمثل تحديات فكرية مميزة لبناء شخصية طالب عمارة واعيٍ بالقضايا الجدلية للإنسان المعاصر.






الاثنين، 2 نوفمبر 2020

طالب العمارة وجمع المفاتيح

 

طالب العمارة وجمع المفاتيح


بقليل من الخيال أستطيع القول أن دراسة العمارة مشابه تماماً لِلَعب لعبة الكترونية، المهمة الأساسية فيها هي جمع أكبر قدر ممكن من المفاتيح. وفي الواقع فأن هذه المفاتيح هي لأبواب المستقبل. وسأشرح لكم مراحل هذه اللعبة.

قبلها يجب الإشارة الى أنها لعبة عراقية لذا تتضمن أخطاء برمجية بكل تأكيد.

لا يستطيع أحد الإصرار على أن التعليم المعماري العراقي يرتقي الى مستوى متقدّم ويخلو من المشاكل بل الإشكالات الجوهرية. حتى محاولات الإصلاح الجادّة بحاجة الى جهد مستقبلي مستمر. لكن يجب أن نُنير هذا الإعتراف بقضيتين:

الأولى أن القائمين بالتعليم المعماري هم أفراد من الشعب العراقي حصراً، والثانية أنهم يعملون ضمن نظام إداري  يتّصل بالمؤسسات العراقية الأعلى (رئاسة، رئاسة وزراء، وزارات، وزارة تعليم، ...). وهنا هل نحن بحاجة للسؤال عن مدى سلامة المجتمع والنظام في العراق من المشاكل المعقدة؟

نستمر بمقارنة الظواهر والمواقف والحالات، بين ما نعيشه وبين ما نراه او نسمع عنه. ونسمع ونرى نتاجات مبهرة لأنظمة تعليم معمارية عالمية. ولكن لنحلل اولاً طبيعة المجتمعات والمؤسسات المُنتجة لأنظمة التعليم تلك.

لعل مشكلة التعليم المعماري العراقي الرئيسة والتي إستطاعت الأنظمة العالمية حلّها هي عدم التواصل بين قضايا التعليم المعماري وبين ممارسة المهنة بعد التخرج. بعبارة أخرى: الإنفصال بين الجانب الأكاديمي وسوق العمل. حيث يُجاهد الطالب لتلبية متطلبات دراسية للنجاح ليكتشف بعدها أن النجاح في العمل بحاجة الى متطلبات أخرى مختلفة تماماً.

وقبل مناقشة هذه الفجوة وعطفاً على عدم سلامة المقارنة بين الحال المحلي والعالمي، فإن التعليم المعماري العالمي يتواصل مع مهنة مُنظّمة، تخضع لقوانين صارمة وتنظم أمورها مؤسسات عريقة. أما في الحال العراقي فيجب على أقسام العمارة أن تتواصل مع غابة، البقاء فيها للأقوى وليس للأصلح.

ليس ما سبق دفاع عن التعليم العراقي، ولكن للإشارة الى عدم الإعتماد التام عليه من قبل الطالب لحل مشكلة الإنفصال عن سوق العمل، لأن للتعليم مشاكله التي يعاني منها أيضاً، وعلى الطالب أن يعتمد على نفسه للفوز بلعبة التعليم المعماري.

الآن وبعد الإنتهاء من الآنين والشكوى، هل من المستحيل على الطالب أن يعرف طبيعة تلك الفجوة المعرفية ويحاول العمل على ردمها؟

لنعود الى اللعبة الالكترونية، نعرف أننا سنحصل على شهادة لممارسة مهنة العمارة، ونعرف أن لمهنة العمارة تخصصات متعددة ومتنوعة، تلك التخصصات قد ترتبط بالعمارة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى الطالب المُدرِك أن يجمع في سنوات الدراسة الخمس مفاتيح أبواب تلك التخصصات، لتكون له إمكانية فتحها بعد التخرج وتجريبها، ثم إمكانية وحرية إنتقاء ما يناسبه منها، وليس القبول بباب واحد فقط لانه لا يملك مفتاح باب غيره.

المفتاح الأول هو مفتاح التفوق الدراسي والحصول على معدل مرتفع وترتيب متقدم، سيفتح له بوابات الحصول على تعيين في مؤسسات الدولة والدراسة العليا داخل العراق وإحتمالية الحصول على بعثة للدراسة في الخارج أيضاً.

المفتاح الثاني هو المعرفة النظرية بالعمارة عن طريق فهم ماهي هذه المهنة تحديداً وما أهدافها وكيف تطورت عبر الازمنة والحضارات.

المفتاح الثالث هو المعرفة التكنولوجية باستغلال الوقت بتعلّم أساسيات الأدوات والبرامج الحاسوبية المستخدمة في مهنة العمارة.

لكن هل الحصول على تلك المفاتيح ينحصر في سنوات الدراسة؟ ألا يمكننا الحصول عليها بعد التخرج؟ والإجابة دائماً هي أن ما نحصل عليه من معرفة في تلك السنوات يمثل القاعدة الأساس لما سنتعلمه مستقبلاً، فنتيجة للالتزام بمتطلبات العمل ومتطلبات تأسيس عائلة وغيرها يصبح الوقت المتوفر للحصول على المعارف أقل بكثير من الوقت المتوفر أثناء التفرغ الدراسي.

وهنا أنا أعرف ما يفكر به القارئ، ماهو الجديد؟ نحن نعرف ضرورة تلك المعارف ومجبرين على تعلّمها لأننا لا نستطيع النجاح من دونِها، قراءة المواد الدراسية وتعلم البرامج لاستخدامها بالتصميم، ما الجديد في الامر؟

نعم هذه المفاتيح تتلائم مع قواعد النجاح في دراسة العمارة، أي القواعد المستخدمة من قبل الأساتذة في تمييز الطالب المتفوق عن غيره، وهي أيضاً تتلائم مع قواعد سوق العمل، فالمعمار المثقف هو افضل بالتأكيد من المعمار السطحي، وإستخدام البرامج هو أساس الحصول على أي فرصة عمل. ولكن هنالك مفاتيح لا تفتح الأبواب الأكاديمية وإنما أبواب المهنة الصعبة.

مفتاح المعرفة العملية، أو لنقول مفتاح (تركيب المباني). نصمم عشرات الأعمال خلال الدراسة ولكن لا يُفترض بها أن تتحقق على أرض الواقع لذا لا نهتم كثيراً بكيفية تنفيذها، طبيعة المواد المستخدمة، أساليب التنفيذ، التقنيات وأخيراً كلفة التنفيذ المقدّسة. وبعد التخرج يفترض بأي تصميم نعمل عليه أن يُنفذ على أرض الواقع، لذا يجب علينا أن نمتلك الخبرة في كيفيه تنفيذه وكم سيكلف من أموال العملاء.

هل يغذينا التعليم المعماري بقدر كافي من تلك المعرفة العملية؟ لا أعتقد. هل الحصول عليها من قبل الطالب عسير وصعب التحقيق؟ لا أعتقد ايضاً. في مرحلة أولية يمكننا متابعة الكثير من قنوات موقع (YouTube) لمهندسين إنشائيين محترمين من العراق (لأنهم يتحدثون عن نفس وسائل التنفيذ الشائعة في العراق) ومن خارج العراق (لمعرفة الوسائل الجديدة والمتقدمة)، وأذكر منهم هنا من أتابعه كقناة المهندس فرقان الحلو، والمهندس عبد الغني الجُند. ثم هنالك قنوات للحرفيين غير الاكاديميين، والهدف من المتابعة هنا هو التعرف على واقع المهنة عند غير المهندسين، أساليبهم، مسمياتهم، أخطائهم وما يبثونه في المجتمع من أفكار مغلوطة.

بعد هذا المرحلة هنالك مرحلة متقدمة يجب أن يحققها الطالب بعلاقاته العائلية او الشخصية بزيارة مواقع العمل ومشاهدة مواد التنفيذ والإساليب وكافة تفاصيل سوق البناء في العراق.

يقترب من مادة تركيب المباني ومعارفها مواد عملية أخرى كالتخمين والمواصفات لحساب كميات المواد المستخدمة وبالتالي والأهم كلفها التخمينية ثم ممارسة المهنة وقوانين البناء في العراق، دراسة الخدمات كالتأسيسات الصحية والميكانيكية والذي يوفر (YouTube) قنوات عراقية لفنيين لا يبخلون بتوفير تلك المعارف ولو بصورة عامة غير تفصيلية.

التعليم المعماري مقصّر في توفير المعرفة العملية بالتأكيد، ولكننا نستطيع التحرر من ذلك التقصير والعمل بأنفسنا للحصول على مفتاح باب النجاح في التصميم العملي والإشراف وتنفيذ المباني بمختلف أنواعها.

هل يتطلب سوق العمل العراقي معارف أخرى غير المعرفة العملية التنفيذية؟

ليس كثيراً، وهذه هو التقصير من جانب سوق العمل تجاه التعليم المعماري. لان التعليم يعتمد على برامج أكاديمية تنطلق من الفلسفة والجمال والبيئة، لذا فان الكثير من المواد الدراسية تصبح بلا قيمة تطبيقية في سوق العمل، علم لا ينفع! ولكن هل يُلام التعليم على تدني مستوى المهنة الغابوية؟

نصل الى مفاتيح المهارات الناعمة للمعمار، وهي التي شاع الحديث عنها حالياً وتتوفر لإكتسابها كورسات متنوعة تقترب من التنمية البشرية كثيراً.

بناء شبكة علاقات ودّية واسعة قدر الإمكان، لان تلك العلاقات سوف تخلق فرص عمل مستقبلية. فعندما يكون أحد الزملاء بحاجة لمن يشاركه أو يساعده بعمل ما فانه سيستعين بمن يميل اليه ويتلائم معه سابقاً ومستقبلاً.

ثم نأتي الى أن الذكاء الفكري او العقلي ليس كافياً للنجاح، وإنما ذكاء التكيّف والذكاء العاطفي والذكاء الإجتماعي. ونستطيع معرفة تفاصيل كل نوع وإكتساب ما لا نملكه من أنواع الذكاء تلك.

مفتاح الالتزام بالمبادئ الاخلاقية والمهنية والصدق وغيرها من الصفات التي تجعل المعمار محل ثقة من قبل الآخرين فيطمحون للعمل معه والإستمرار وليس الإنقطاع بعد تجربة واحدة مريرة.

مفتاح القباحة وعدم الخجل من المطالبة بالحق والإبتعاد عن الشخصيات السامّة وهو ما يندرج ضمن تفصيلات الذكاء الاجتماعي الكثيرة.

ويمكن أن نصل الى تلخيص وصفة المفاتيح التي يجب الحصول عليها في لعبة دراسة العمارة للنجاح في ممارستها مستقبلاً:

-مفتاح التفوق الأكاديمي.

-مفتاح المعرفة العملية بمختلف أنواعها.

-مفاتيح ذكاء التكيف والذكاء العاطفي والإجتماعي.

-مفاتيح العلاقات والإلتزام بالمبادئ الأخلاقية والمهنية.

-مفاتيح القباحة وعدم الخجل من المستغلّين الجشعين.

كل ذلك زيادة على حلقة مليئة بمفاتيح الكلاوات العراقية، فالواقع أن كثير من فرص النجاح تعتمد على الكلاوات بمعناها الشائع الذي يستحق الدراسة في وقت قادم، ويجب معرفة أن استاذ العمارة قد يكون غير مختص ولا ماهر بتلك الكلاوات لذا لن يستطيع تعليمها، ففاقد الشئ لا يعطيه.

يُضرَب المثل أخيراً على عدم أهمية التفوق في دراسة العمارة بنجاح من كان يستقر في ذيل ترتيب قائمة التفوق بين زملائه، ليصبح ذو شأن وأعمال كثيرة، والواقع أنه قد يمتلك مفاتيح غير مفتاح التفوق الأكاديمي. أما المتفوق أكاديمياً فقد يفتقد للكثير من المفاتيح الضرورية الأخرى.







 

الأربعاء، 28 أكتوبر 2020

أعوام العسكَرة

 

أعوام العسكَرة

يحكي فلم (Kalashnikov AK-47) قصة إنسان وحلم ووطن. ثلاثية جدلية الإتجاه. هل يختار الإنسان ما يحلم به فيبني وطناً؟ أم يفرض الوطن أحلاماً على الإنسان فيشكله في محاولة تحقيقها؟

في كِلا الإتجاهين هنالك نقطة بداية، يتحقق حلم (الإنسان) ميخائيل كلاشنكوف، بصنع سلاح آلي يفوز بالجائزة الاولى لمسابقة كانت تجريها الدول المنتصرة على النازية، فيصبح عام 1955 السلاح الفردي الرئيس للجيش الروسي وبعدها جيوش أكثر من 50 دولة حول العالم وعدد لا يحصى من التنظيمات غير الرسمية بإختلاف أهدافها.

 لم نصل نقطة النهاية، ولكن لذلك السلاح دور في رسم نِقاط خط قصة إنسان آخر وحلم ووطن آخر، وتلك النِقاط قد تستحق أن تُحكى:   




1997

في مدرسة متوسطة أُطلِق عليها إسم أحد الخلفاء العباسيين، كانت الكلاشنكوف رفيقتنا الدائمة في الصفوف الدراسية. تم توزيعها على طلبة الصف الثالث المتوسط المُنتَخين لنداء القائد ليكونوا ظهيراً مضموناً للقوات المسلحة. كان عليهم أن يتدربوا يومياً بعد إنتهاء دوامهم على حمل السلاح لموجهة أي عدوان محتمل على الوطن. ولأنهم لا يملِكون الوقت الكافي للعودة الى منازلهم، كانوا يحضرون للمدرسة بملابسهم العسكرية وبنادقهم الآلية.

يعلم الحاضر عبثية توجيهات القيادة بأن يكون التطوع للتدريب بقناعة الفرد لا أمراً عليه. ولكن لفتيان بعمر الرابعة عشر أو الخامسة عشر كان لحمل السلاح في الشارع وأمام المدرسين والزملاء هيبة صعبة المنال. وقد حلت منافسات (سحب الاقسام) بالقدم وبالتلويح بالبندقية فقط محل لعب كرة القدم في الإستراحة بين الحصص الدراسية. لم يكن من المسموح توجيه فوهة البندقية تجاه شخص آخر، فلذلك عقوبات صارمة لا أحد يعرف مدى جديّتها، علماً أن تلك البنادق قد جُردت من إبرة الإطلاق، لذا كان الشعب يتدرب على كيفية حملها فقط أكثر من التدريب على كيفية إطلاقها في مواقف المعركة المختلفة.

إنتهت تلك الزمالة بحلول إستعراض يوم النخوة في كافة المحافظات العراقية، ثم حصل ذلك العدوان المحتمل والمنتظر، فرمت القوات المسلحة بنادقها وإختفت قيادة الوطن.

 

2001

بعد تعب وشقاء الإستعداد وأداء الإمتحانات النهائية للدراسة الإعدادية، ظهرت نتائجها المنتظرة. لم يكن حينها سبيلاً لمعرفة الدرجات دون زيارة المدرسة، فهي المصدر الوحيد للإستلام. هنأني المدير لتفوقي ثم قال كاذباً:

"يجب أن تتطوعوا للتدريب في جيش القُدُس، سيحرم من القبول في الجامعات العراقية من لم ينجز ذلك التدريب المقدّس."

كان على الناجح من الدور الأول أن يتدرب لشهرين كاملين، وشهر واحد لأصحاب الدور الثاني. لم يكن التدريب هذه المرة كسابقهِ في ساحات المدارس، بل تم نقلنا الى معسكر رسمي خارج المدينة. أستطيع أن أقول إنها أسوأ تجربة يمكن أن يعيشها طالب يترقب الحياة الجامعية.

كان الحصول على الكلاشنكوف مُفرِحاً جداً، لانه يعني عدم الحصول على قاذفة الصواريخ الثقيلة أو قاعدة إطلاق الصواريخ الـ(هاون). كان علينا إستلام الأسلحة قبل التعداد الصباحي وتسليمها بعد إنتهاء التدريب عند الساعة الثانية بعد الظهر. والتعيس من يقع عليه الدور لحماية مشجب السلاح، فلا يستطيع الذهاب الى منزله والعودة قبل التعداد.

بندقية الكلاشنكوف هذه المرة مع إبرة الإطلاق ولكنها خالية من الذخيرة، مع قاعدة عسكرية جديدة: إياك أن تُعطي سلاحك الى أي أحد حتى لو كان النقيب او الرائد او العميد.  

أطلقت ثلاثة رصاصات في ساحة التدريب على الرمي، ولا أدري حتى الان إن كنتُ قد أصبت الهدف، فلم يهتم بذلك حينها أي أحد.

إنتهى التدريب والقدس محتلّة كما هي حتى هذه اللحظة.

 

2007

Pentium III هو أول كومبيوتر شخصي إشتريته في رحلتي المستمرة مع الأجهزة الذكية. وبدأت مع شراءه رحلة أخرى إنتهت قبل عدّة سنوات: رحلة الالعاب الالكترونية. تجولت في طرقات الكثير من الألعاب  كـ Project I.G.I.، Medal of Honor، Mafia وغيرهن الكثير.

ما إستجد في ذلك العام هو ذهابي لصالات اللعب الالكتروني الجماعي (Network). كانت Call Of Duty  هي اللعبة الشائعة حينها. ولم أكن بالتأكيد ماهراً مقارنة بأصدقائي الآخرين، فلم أتصدّر الترتيب سوى مرّة واحدة فقط.

كان الوطن (بغداد) يحترق. فلا ينقضي يوم دون قتل وتفجير وصراع. فنهرب من كل ذلك الى صراع إفتراضي آخر. وعندما نهتز بتأثير الانفجار الجديد يرن هاتفي المحمول، فأعلم أن أمي تريد أن تتأكد بأنني لا ازال على قيد الحياة. كنت أختار دائماً بندقية الكلاشنكوف كسلاح للقتال. لها إحساس الكتروني وصوت مميز جداً. سلاح رخيص ولكنه فعّال. هذا هو السر الذي يعرفه الجميع. كانت أوقات محمومة من الركض والاختباء والقتل والموت والعودة الى الحياة دائماً حتى تنتهي الجولة.

إنتهت تلك الجولات بعد إفتراقي عن أصدقائي وإنشغالي بالدراسة، واستمر القتل في شوارع المدينة حتى قررت جهات مجهولة إيقافه كما بدأ.






الأحد، 27 سبتمبر 2020

تداعِ التبغ

 

تداعِ التبغ


التكرار الابدي او (Eternal Return)، فكرة نجدها لدى الفيلسوف الالماني نيتشه نقلاً عن الحضارات القديمة، ملخصها ان الاحداث والوقائع التي وقعت في الكون او الوجود ستتكرر بالطريقة والكيفية نفسها دون زيادة او نقصان. وسوف تواصل التكرار بعدد لا نهائي من المرات.

يدور فلم (Repression) في فلك الفكرة ويفسرها بطريقته الخاصة، تقول البطلة لزوجها:

"اسمعت بعبارة التكرار الابدي؟

حين تحاول القيام بكل شئ بطريقة مثالية، حتى الامور الصغيرة بحال حُكم عليك بتكرارها الى الابد."

يذكرنا حوار الفلم باشخاص حولنا يقومون بتلك المحاولة.

يمكننا تصنيفهم لصنفين، من يحاولون بمفردهم فنعجب باعمالهم الخالية من العيوب الواضحة. ومن يحاولون مع مجموعة من الاشخاص قد نكون نحن منهم فنبدأ بالضيق والتذمر من دقتهم الشديدة حتى بالتفاصيل الصغيرة غير المرئية.

وكنت انتظر ليلة البارحة احد تلك الاعمال الفردية.

بعد استعراض العمل المتقن قفزت برأسي كلمة بلحن اسباني ممطوط: (Perfecto).

وكعادتي مع تلك الكلمات الهاربة من العقل الباطن، فانا اضعها على محرك البحث (Google)، لاستكشاف امتداداتها الفكرية والبصرية غير المتوقعة.

ومن تعريفات اوكسفورد لـ(Perfecto) نقرأ:

A type of cigar that is thick in the center and tapered at each end.

 

في نفس لحظة الانتظار تلك كنت أقرأ لـ(Olivia Laing) عن الشبابيك والجدران الزجاجية وتجسيدها في اعمال الرسام الامريكي (Edward Hopper)، فتتحدث تفصيلاً عن رؤيتها للوحة (Nighthawks):

"وفي لوحة المطعم في الخارج تظهر ماركة (PHILLIES) امريكان للسيكار، فقط بـ5 سنتات، مكتوبة اسفل السيكار."


وفي نفس لحظة الانتظار تلك كنت استنشق رائحة دخان سجائر غريبة على المنزل، دخان لزائر يعتاد التدخين بحرية.

أن تجتمع الكلمة مع الصورة مع الرائحة فهو تداعٍ يستحق التدوين.


والآن، ماذا لو كانت حياتنا تكرار لحيوات آبائنا وأجدادنا؟

لنحاول القيام باشياء مختلفة عنهم لمنع امكانية التكرار، او هكذا نبرر ما نفشل بانجازه.