الأحد، 31 ديسمبر 2017

سلاح المهندس المعماري

سلاح المهندس المعماري

عندما نفكر بالتحديات فاننا ننجرف غالباً دون وعي الى التشبيه بالحروب، قد تكون حالة ذهنية طبيعية لأفراد في مجتمع يتنفس الحرب، اختر اي كتاب يتحدث عن تاريخ المنطقة التي نعيشها، واختر أي نقطة بداية لتجد أن الفترات الفاصلة بين كل حرب وأخرى تُعد سنواتها على عدد الاصابع.

اتذكر مسطرة الرسم (T square) الاولى التي استخدمتها في رسم مخططاتي المعمارية، ولا زلت امتلك الـ(T square) الثانية، والحقيقة لم أشترِ أي منهما، ففي وقت كان للممتلكات قيمة، فإن تلك المسطرتين كانتا لاقاربي قبلي وانتقلتا لي بعدها. ومن حسن الحظ سابقاً أن المسطرة الاولى نفسها استخدمت في دراسة العمارة في الثمانينات والمسطرة الثانية استخدمت في التسعينات لأستخدمهما أنا في بداية القرن الواحد والعشرين، الفكرة تشابه توريث نفس السيف ليقاتل به الجد والاب ومن ثم الابن.

أما اليوم فقد ازدادت الحروب الحقيقية والحروب المعمارية تعقيداً، لم تعد المسطرة (التي تشبه السيف حقيقة) كافية للبقاء على قيد الحياة، نحن بحاجة الى اسلحة متطورة تقوم بعشرات المهام في وقت واحد، وسلاح اليوم يصبح اقل كفاءة للاستخدام في حرب الغد.


وبعد أن كان يُعرف طالب هندسة العمارة في الشارع عن طريق حمله للفة اوراق ومسطرة رسم طويلة، أصبح يعرف عن طريق حمله نفس لفة الاوراق وحقيبة الكومبيوتر المحمول.

 ينطلق منهج مادة الحاسبات في المرحلة الاولى لهندسة العمارة من سؤال:
ماهي مواصفات (السلاح– الكومبيوتر المحمول) الذي يحتاجه طالب العمارة لخوض (الحروب-التحديات) المعمارية لخمس سنوات قادمة؟
ولأننا نعيش زمن الشبكة التي تجمع الجهود الانسانية سوية، فمن غير المنطقي عدم البحث عن الاجابة في محرك البحث Google، ولأننا نفضل المصادر المرئية والمسموعة فنخصص البحث، لنجد جهداً رائعاً للاجابة عن مواصفات السلاح المطلوب، حيث يحدثنا المعمار الامريكي
 (Eric Reinholdt) في مقطع بعنوان:
How to Choose a Computer for Architecture


ويحدثنا ايضاً طالب العمارة لؤي في مقطع بعنوان:
هل اختيارك للابتوبك مناسب لهندسة العمارة؟ نصائح لشراء لابتوب جديد



واذا كانت الاجوبة في المقطعين تمثل الحالة المثالية الافتراضية فما هي الحالة المتحققة الواقعية؟
ماهي مواصفات الكومبيوترات التي يمتلكها طلبة العمارة فعلاً؟
وهل لمعرفة الواقع أهمية؟ ليمتلكون ما يمتلكون ...

لنعد مرة اخرى الى Google ونبحث هذه المرة عن مفهوم (مجتمع المعرفة)، سنحصل على 524 الف نتيجة بحث وجميعها توضح اهميته وضرورة تأسيسه والتحول اليه في مجتمعاتنا المحلية،  ولكن ماهو مجتمع المعرفة؟ بلغة بسيطة وبمفهوم عام :هو المجتمع الذي يجمع افراده ما يعرفونه في موضع معين وتكون تلك المعارف متاحة للجميع لاستخدامها في اتخاذ القرارات وتحقيق ما ينفعهم في تفصيلات حياتهم اليومية.
فعندما امتلك Eric  ولؤي وغيرهم معلومات عن مواصفات الكومبيوتر الملائم لدراسة العمارة ووضع كلاً منهم تلك المعلومات على شبكة الانترنت واستطاع كل طالب عمارة في العالم رؤيتها اولاً وبالاعتماد عليها ثانياً قرر شراء نوع معين من الكومبيوترات المحمولة لنصل الى النتيجة النهائية وهي عدم ذهاب امواله هباءاً بشراء مواصفات غير ملائمة وانما سيستفيد من كل دولار صرفه في شراءها، وهذه هي غاية مجتمع المعرفة.
وعلى المستوى المحلي هل سنستمر بالمشاركة الاستهلاكية في مجتمع المعرفة فقط؟ أم نستطيع ان نشارك في صناعة المعرفة ونصبح منتجين لها وذو اهمية في مجتمعنا الذي يخطو خطواته الاولى في مواكبة الانظمة العلمية العالمية؟

اراد مهندس معماري حديث التخرج أن يفتتح مشروع لتوفير البرمجيات المعمارية للطلبة والمهنيين زيادة على صيانة كومبيوتراتهم وتوفير قطع الغيار والاكسسوارات لها، هو على وشك اتخاذ قرار بشأن مواصفات البرمجيات والاجهزة التي سيستوردها، ولكي يكون قراره كفوءاً يجب ان يعتمد على معرفة سابقة بمواصفات الحاسبات التي يستعملها طلبة ومهنيي العمارة فعلاً.
واراد وكيل شركة عالمية لصناعة الكومبيوترات معرفة طبيعة زبائنه في العراق ليتخذ قراراً بشأن الاتجاه الذي سيسلكه في تطوير منتجاته، وقبل ان يتخذ هذا القرار ايضاً عليه أن يعرف طبيعة تخصصات زبائنه وكيف يلائم منتجه لتخصص معين دون آخر.

وهنا قرر طلبة المرحلة الاولى في قسم هندسة العمارة الجامعة التكنولوجية للعام الحالي 2017-2018 وللدراستين الصباحية والمسائية المشاركة الفعالة في مجتمع المعرفة وتوفير المعرفة لكل من يليهم من الطلبة او المهنيين او مختصي الكومبيوترات في السوق المحلية، وذلك عن طريق تصميم استمارة استبيان تتضمن عديد من الاسئلة المستوحاة من المقطعين السابقين، وتم تقسيم طلبة المرحلة الى مجموعات كل واحدة منها مسؤولة عن جمع وتنظيم المعلومات الخاصة بمرحلة من المراحل الاربعة التي تسبقهم (الثانية والثالثة والرابعة والخامسة)، لتصبح النتيجة النهائية:

 الواقع الخاص بالكومبيوترات المحمولة لطلبة هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية، وتم تحوليها الى مخططات بيانية يمتلك اولياتها طلبة المرحلة الاولى في حال رغبة جهة معينة الاستفادة من تفاصيلها كما انهم على اتم الاستعداد لعمل استبيانات ذات طبائع أخرى تحتاج نتائجها جهة معينة لاتخاذ قرار كفوء يدر عليها المنافع العلمية والمالية.  






















الجمعة، 8 ديسمبر 2017

ورق

ورق

في الحوار الاخير لبرنامج عصير الكتب، سأل مقدمه بلال فضل ضيفه الروائي هشام مطر:
-         لمن تكتب؟
وهو سؤال وجّه الى كتّاب من قبله، فأجاب عنه خورخي لويس بورخيس بقوله:
-         اكتب لنفسي ولاصدقائي ولتسهيل مرور الوقت ...
وأجاب أرسنت همنكَواي بقوله:
-         أكتب لنفسي وللمرأة التي أحبها حتى لو لم يكن لها القدرة على قراءة كتاباتي.
وأجاب غابريل غارسيا ماركيز بقوله:
-         أكتب لكي يحبني اصدقائي أكثر.

أما أنا فأكتب أولاً لسلامة نفسي وليس لنفسي، واكتب رداً لدَين الآخرين عليَ بتشكيل شخصيتي بما كتبوه قديماً وحديثاً، فتكتمل مسيرة المجتمع والكتب.

ولكن يجب أن اعترف هنا أن الدافع لأول كتابة كان الشعور بالغيرة ...
في فترة دراستي للبكالوريوس نشر أحد زملائي نصاً لا أتذكر موضوعه في مجلة الجامعة الشهرية، ولان لي تجارب سابقة بكتابة نصوص اولية في مواضيع مختلفة ونشرها على الشبكة في زمن شيوع المنتديات، كان السؤال لماذا لا احاول ان أنشر أنا ايضاً  في مجلة الجامعة؟
انشغلت بعدها بدراسة الماجستير لعدة سنوات ولم اتخلى عن تلك الفكرة (النشر في مجلة الجامعة) حتى وجدت الوقت للسعي بتحقيقها، سألت عن القسم المختص بإصدار المجلة، ذهبت اليهم ليبلغوني بمحددات الكتابة، الموضوع، عدد الكلمات، الصور المرفقة ...
خرجت من ذلك القسم غير متفائل، سيكون نصّي تحت رحمة الآخرين.
لا اتذكر الآن كيف ظهرت أمامي أول مدونة ولمن كانت، ولكن كان احدهم مصدراً لفكرة انشاء مدونة والنشر بحرية دون محددات وضوابط مفروضة عليّ.
فكان النص الاول بعنوان (الراحة الحرارية، الجانب الاهم في تصميم منزل المستقبل) وهو نفس النص الذي كنت انوي نشره في المجلة.
مع كل قراءة لكتاب يختص بالعمارة او غيرها من التخصصات المرتبطة بها، مع كل تصفح لمواقع شبكة الانترنت، ومع كل حدث او موقف واقعي، أخذت رغبتي تزداد بالكتابة وقول ما لا يهتم بسماعه الناس في ايامنا العراقية.
وبعد اربعة أعوام من التدوين على الشبكة وإكمال مرحلة دراسية آخرى جاءت فكرة توثيق نتاج تلك السنوات بكتب مسجلة لدى دار الكتب والوثائق في وزارة الثقافة العراقية لتبدأ سلسلة من الخطوات التي سأشاركها مع من ينوي الكتابة والنشر في المستقبل:

تبدأ الخطوات مع العمل على مادة الكتابة: منهج الكتاب، الموضوعات، اللغة، التنظيم وغيرها من التفصيلات ومن ثم خطوة الاظهار الفني للكتاب وغلافه، وهنا يبدأ الجدل بين المهندس المعماري وغيره من التخصصات الفنية، يعتقد المهندس المعماري بدراسته للتصميم إنه قادر على انجاز اي عمل مُصمم خارج العمارة، تصميم اغلفة كتب ومجلات، بوسترات، قطع أثاث، قطع ملابس وغيرها، بينما يرى مختصو تلك الاعمال كمصمم الكرافيك مثلاً أن المعماري غير مؤهل لانجاز تلك الاعمال.
وهنا يلعب الجانب المادي دوراً كبيراً فكما يرغب المعماري بالحصول على اتعاب مناسبة لطبيعة العمل الذي يقوم به فمن الضروري ان يدفع المعماري اجور مناسبة للتخصصات الاخرى التي يعمل معها، وفيما يخص الكتاب فأن تكلف مصمم مختص باخراجه فنياً يتوجب عليك دفع اتعاب مناسبة لذلك وفي حال قلة التخصيص لمشروع الكتاب يلجأ المعمار الى العمل بنفسه وهو ما لجأت اليه في أخراج الكتابين.
بعدها تظهر ضرورة الزيارة الاولى لدار الكتب والوثائق والكائن في منطقة باب المعظم مقابلاً لبناية وزارة الدفاع السابقة، لكي تستلم استمارة لتسجيل الكتاب الذي تنوي ايداعه، تلك الاستمارة تتضمن المعلومات الخاصة بالكتاب والمؤلف زيادة على الجهة التي ستنشر الكتاب والتي يجب ان يتعهد صاحبها بعد تثبيت بياناته بتزويد الدار بخمسة نسخ من الكتاب بعد الطبع وتثبيت رقم الايداع وتاريخه عليه.
تعود بتلك الاستمارة الى الدار من اجل البدأ بمعاملة الايداع والتي تتضمن استلام الاستمارة ودفع رسوم الايداع البالغة خمسة آلاف دينار عن كل كتاب وأخيراً استلام رقم الايداع الخاص بالكتاب. يثبت الرقم على الكتاب وتذهب النسخة النهائية الى المطبعة، ليتم الاتفاق على عدد النسخة واجورها. وبعد استلام الكتاب المطبوع تعود بخمس نسخة الى دار الكتب والوثائق لتسلم وصلاً بالتسليم ويصبح الايداع مكتمل المتطلبات.

أما الكتب فترتب في صناديق تستطيع أن تضعها بجوار سريرك لتتأملها يومياً، وتستمع كثيراً لاشخاص يتحدثون عن الفترة التي تلي تحقيق مشروع معين:

حالة غريبة يعيشها الانسان، تيه، ضبابية، خواء ...
وكأن العقل يعطي لنفسه اجازة جبرية، مع تفكير خفي بطبيعة المشروع القادم.


الخلاصة: زادت كتب العالم كتابين اتمنى ان تكون مفيدة للجميع.