الجمعة، 22 يناير 2016

إسطورة مئذنة سوق الغزل

لا توجد صفقة في العالم أنجح من صفقة شراء كتاب بألف دينار!
كومة كتب على الأرض وبائع يصيح: كتاب بألف ... كتاب بألفين ...
تنزل على رُكبك وتكَلّب ... وإنتَ وحظك ...
الحقيقة أمتع الكتب وجدتها بهذه الطريقة ... والأخير، الجزء الثالث من حديث الثمانين للدكتور كمال السامرائي.
بألف دينار فقط، تشارك الدكتور كمال أصدقاءه وعملياته وأسفاره العربية والأوربية، وكانت المفاجأة أن أجد  داخله عنوان: مئذنة سوق الغزل وجامع الخلفاء 1965.
الدكتور كمال السامرائي

يتحدث الدكتور كمال عن صدمته بظهور ركائز كونكريتية الى جانب مئذنة سوق الغزل، وقد شاع بين الناس أن جامعاً سيقام على هذه المئذنة وثمة حوانيت ستشيد حوله لتمويل إدامته، فثار في نفسه (دكتور كمال) السخط على إقامة هذه الحوانيت، كما خاف أن يكون الجامع المزمع تشييده على طراز حديث يناقض هندسة المئذنة، فكتب في هذا الموضوع خطاباً نشرته جريدة الجمهورية يوم 24-5-1965
يدرج الدكتور كمال نص خطابه المفتوح الى الدكتور محمد مكية يبين فيه موقفه ورأيه قبل أن يرى التصميم المعد للجامع، وقد أكتب مرة أخرى عن صيغة الخطاب المحترمة وطبيعة الثقافة المعمارية لطبيب يهتم بعمارة المدينة التي يعيش فيها.
ما أعجبني هو ملاحظة الدكتور كمال، كيف تفاجئ يوماً بمدير الأوقاف العام يرد على أفكاره في الخطاب بلهجة تهكمية لا موضوعية، بينما الدكتور مكية رحمه الله فلم يعلق على ما كتبه في جريدة الجمهورية!
والأهم هنا حديث الدكتور عن إسطورة مئذنة سوق الغزل وهي التي فرضت عليّ كتابتها هنا لأني لم أقرأها في كتاب آخر مهتم بالعمارة العراقية أو نتاجات الدكتور محمد مكية بالتحديد.






أنقل لكم النص من الكتاب وفي صفحته 139:
أنقل هنا واحدة من الحكايات عن المئذنة دون تحريف كبير لنصها الذي سمعته من إثنين من كبار البنائين في بغداد، وقد يكون مصدر حكايتهما واحد. أحدهما الأسطة محمد وهو الساعد الأيمن للدكتور مكية في بناء جامع الخلفاء وترميم مئذة سوق الغزل، وهو مثالاً للبغدادي الأصيل في ملبسه وفي كلامه وإشاراته التي يبطنها بمعاني خاصة، كما تبين لي أن له معلومات تأريخية لا بأس بها عن هذه المئذنة سردها لي بتقطيع وتأن، وقال:
إن هذه المئذنة لا يزيد عمرها على السبعة قرون، أي أنها ليست عباسية العهد، وقد أمر ببنائها (أحمد أباقا بن هولاكو) وعهد بالإشراف على تشييدها الى وزيره عبد الله الجويني، وتلتصق بها قصة ممتعة حتى لو كانت خرافية.
فقلت له أريد أن أسمعها لو تفضلت فقال:
كان في أصفهان أشهر البنائيين في إيران وإسمه (حاجي علي) وله تلميذ إسمه (غلام علي)، ورغم التحابب الذي يشد بقوة بين هذا الأستاذ وتلميذه، فإن أولهما كان ضنيناً بتعليم كثير من أسرار مهنة تجميل العمارة وزخرفتها، كما أن تلميذه كان حاد الذكاء وقوي الملاحظة، وكان يراقب استاذه دون أن يثير إنتباهه ليكون خليفته في الصنعة، وذات يوم وهما يتحدثان عن مئذنة أصفهان الشهيرة، قال غلام علي:
-إن هذه المئذنة هي غاية ما يمكن لأي إستاذ في البناء إن يصنعه.
ويبدو أن الإسطة الحاجي علي عدّ هذه الإشارة تحدياً له، فقال بكبرياء ووقار:
-ليس في هذه المئذنة الا إبداع في تناسق ألوان القاشاني فيها، وأنا أطمح أن أبني مئذنة من طابوق بلون واحد لا يدخلها أي لون آخر وهذا هو وجه الإبداع فيها والمبادرة التي لم يسبق اليها أحد من شيوخ البناء، كما سأجعل لها سلّمان، الصاعد اليها لا يرى النازل منها، أريد أن أجعل المنارة التي أفكر ببنائها حدثاً في العمارة يتحدث به الرُكبان.
وشرح حاجي علي لتلميذه طريقة بنائها وتلميذه ينصت اليه بكل جوارحه، وأراد أن يستوضح منه الكثير عنها وسأله:
-وهل ستكون إسطوانية القوام أم مربعة أم ماذا؟
فأجابه إسطة علي:
-إن المآذن المنشورية لا تعطي طابع الصعود والسموق المستمر كالمآذن الإسطوانية. ولذلك سأجعلها إسطوانية، كما أن النور والظلال يتداخلان على سطحها بنعومة تحت النظرة الواحدة، فلا نور قاطع ولا ظل قاطع كما هو في المآذن المنشورية فلا تتعب الناظر اليها.
وسأله:
-وأين تضع حوضها؟
فأجابه:
-سيكون لها حوضان يقسمان المأذنة الى ثلاثة أقسام.
وفكر غلام علي بما سمعه من أستاذه إسطة علي، وعزم على شئ، فقد إستيقظ مبكراً وحمل تحت إبطه صرة فيها زاد ما يكفيه للسفر بالكروان الى بغداد.
وكان يحكم بغداد يومئذ الخان أباقا التاتاري وقد دخل الإسلام في تلك الأيام، وغالى في التمسك بشرائعه، والعمل على نصرته، فوجد غلام في هذا السلطان ضالته، فتوجه الى الجامع حيث يصلي هذا السلطان، وصلى ورائه مع المصلين ولما إنتهى من صلاته تقدم من الخان الورع وسأله هذا الخان:
-ماذا تريد أيها الشاب؟
فقال له:
-أريد أن أخدم الخان يامولاي.
-وأية خدمة تستطيع تقديمها لي؟
-أراك ياسيدي الخان كثير الإهتمام بدينك كما أنك كثير الإهتمام برعيتك، وعندي من الفن في بناء المآذن ماليس لغيري مثله!
-ومن أين أنت أيها الشاب، هل أنت حاجي علي؟
-لا ياسيدي أنا تلميذه وأستطيع أن أبني مئذنة كان يحلم بها أستاذي ولم يحققها.
وفتح الخان خزانته ليمول بناء المئذنة، فجاءت آية في الفن والجمال. وسمع حاجي علي بهذه الإعجوبة في بغداد، وشد الرحال ليراها، ووقف ينظر اليها بإعجاب وتفاجأ حين رأى تلميذه غلام في الصحن الأعلى للمئذنة، فصعد اليه فلم يجده، وطاف حول صحن المئذنة فلم يجد له أثراً، ونظر الى الأرض فإذا بغلام علي يقف وعلى وجهه إمارات الظفر. فعرف الحاج علي أنه سرق منه سر بناء هذه المئذنة وسبقه الى بنائها، فرمى بنفسه من أعلى المأذنة الى الأرض ليموت غيظاً وكمداً!
هذه هي إسطورة مئذنة سوق الغزل، وقد يكون فيها بصيص من الحقيقة. (إنتهى النص) وأنا أرى فيها الكثير من الدروس...

الطالب غير الأمين، تأريخ المدينة، عدم إمكانية تصميم معلم مهم في المدينة من غير التقرب من الحاكم! وأخيراً الإستاذ الـover.
 لا أعرف إن كان (شمر روحة) بسبب الغيض والكمد؟ أم أراد أن يُفسد نشوة الإنجاز على الطالب، فعندما يتسأل الناس لماذا شمر روحة من المنارة سيعرفون القصة ويعرفون خيانة غلام علي ولا يستطيع بعدها الفخر بمنارته ! 

















الثلاثاء، 19 يناير 2016

الجني والحرامية

مع التفنن عبر السنين بإختيار الناس لأسماء بناتهم، تساءلت قبل فترة: لماذا لم يسمي أي أحد إبنته: كهرمانة؟
نتغزل بمدينتنا وتأريخها الإسطوري ومعالمها الفنية، ولكننا لم نفكر بتسمية إحدى بناتنا على إسم كهرمانة الجميلة. (وعود ندلعهة: كوكو) 
وكانت الإجابة المقترحة لأحد الأصدقاء أن السبب هو كونه إسم لجارية مملوكة !
واليوم أفكر بسبب إعجاب الآخرين بمدينتنا، بتراثنا وبنسيجنا الإجتماعي (بحالاتهم السابقة طبعاً وحتى الحالية في بعض الأحيان)، بينما لم نستطع نحن المحافظة على التواصل مع كل تلك القيم الإيجابية التي ورثناها من الماضي، ليصبح حالنا سلبياً نحاول التخلص منه بأقرب فرصة ممكنة بالهجرة الى الخارج. 
هل نحن بحاجة للأمثلة؟
كتبت سابقاً عن سيرل بورتر، الضابط في الفريق الهندسي للجيش الإنكليزي، كان يقول لأبنائه: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا، ولا أبدله ببريطانيا البتة!
كَابور، المهندس المعماري الكندي، صديق أمين العاصمة السابق، (والعهدة على الراوي!) وبعد أن ترك زوجته في المطار وهي تتوسل به لتثنيه عن زيارة بغداد قال بعد أن (إفتر بيهة): (بودي أعيش هنا ... وكَال لزوجته: تعاي شوفي الجمال، الفضاءات والناس) ... وحلف والله العظيم يروح يجيب زوجته ويرجع لبغداد! (بس الظاهر مكدر يقنعهة بالجيّة لو كَلتلة ترة أطلكك وأخذ نص فلوسك!)
وأخيراً من رواد العمارة العالمية، الأمريكي فرانك لويد رايت ... نقرأ في كتاب (جني بغداد) للإستاذ موفق الطائي، وبعد أن تم دعوة رايت من قبل الملك فيصل الثاني لتخطيط وتصميم مركز ثقافي على ضفاف دجلة في بغداد قال في عيد ميلاده التسعين: إنها أجمل هدية عيد ميلاد!


ما جعلني أفتتح النص بكهرمانة، هو وصف رايت لنفسه بقارئ لقصص ألف ليلة وليلة منذ كان صبياً، ويرى نفسه أحد أتباع هارون الرشيد ... ثم يؤكد الكاتب أن مصادر رايت المعرفية تعتمد على رؤية إسطورية للحضارة في العراق متأتية من قصص ألف ليلة وليلة، وهو حتى كان يظن أن هارون الرشيد هو من أنشأ مدينة بغداد وليس أبو جعفر المنصور.
وهنا بالتحديد أعاني من مأزق (قول ما قلته سابقاً)، وهو ما نأخذه على بعض الباحثين والمعماريين، إنهم يصلون الى القناعة بسبب معين أو ظاهرة أو معادلة تفسيرية، ويرجعون أليها أغلب المواضيع الجديدة المطروحة للنقاش، حتى قد نشعر أن أحاديثهم متشابهة وقد تصيبنا بالملل. الأمر مشابه مثلاً لما يعانيه الشباب اليوم مع الأهل، أي شكوى من قبل الشاب عن علة جسدية أو مشكلة حياتية تكون إجابتهم: كلة من ورة الأنترنت! فيما يخصني مثلاً، فإن أي نقاش مع أمي حول جميع ما يمر به العراق من (خربطة) يكون جوابها: طبعاً لأن ممربين نفسنة، أو أن الشخص محل النقاش، ممربي نفسه.
هل هم مخطئون؟ الباحثون، المعماريون، الأهل، أمي ؟
وهنا يأتي دور المأزق الثاني، وهو أي حديث عن قضايا العمارة هذه الأيام، لا يمكن أن ينفصل عن قضايا السياسة وسوء الإدارة والفساد والمظاهر المجتمعية السلبية السائدة، وقد يكون هذا مأزق العمارة في كل الأوقات!

العامل المشترك بين المأزقين السابقين، هو الطمع وأعلى مستوياته، الجشع.
منذ أيام (الأربعين حرامي)، و(قاسم) شقيق علي بابا الذي نسي كلمة (سمسم) لإنه إنبهر بذهب وجواهر المغارة وحاول أن يأخذ أكبر قدر ممكن، على عكس علي بابا الذي قنع بما ملئ به جيوب سرواله. ثم الجانب السلبي من شبكة الأنترنت وليس المعرفي الإيجابي الذي يعتبر الوسيلة الأفضل لفتح العقول المغلقة إذا أحسنت إستخدامه .. وأخيراً قول أمي عن عدم تربية النفس. وهي تقصد أن لا يستطيع الإنسان مقاومة رغبة الحصول على المال بأي طريقة ممكنة. الإنتماء لجهة تضمن له الحصول على منصب وراتب كبير أو العمل في شركة تعود لنفس تلك الجهة ومشاركتهم بــ(اللغف) أو تصميم مشروع لإنسان معروف بأنه يسرق أموال الناس.
ويجب أن أعترف بأنني شاركت بالنوع الأخير، وأبرر لنفسي وقد لا يكون مقبولاً، إن الحالة الأولى في بداية التغيير ولم تكن الشخصيات مكشوفة على حقيقتها السيئة، والحالة الثانية لم أكن أعرف الزبون الحقيقي والعمل تم عن طريق شخص آخر.

أكثر ما شد إنتباهي في كتاب (جني بغداد)، كلمة فرانك لويد رايت في جمعية المهندسين العراقية وما تتضمنه من ضرورة نبذ السمة المادية والتجارية الأنانية والإعتماد على المبادئ الأصيلة للعمارة، ضرورة الإهتمام بالجانب الروحي المحلي وتشييد المباني التي ترتبط بالإنسان والبيئة التي يعيشها، ويقول: حذار من المبنى الممسوخ الذي سوف يشوه حضارتكم!
ولقد وقعنا في الفخ ... إن جميع ما تعانيه العمارة اليوم هو ناتج عن الطمع والجشع ... طمع وجشع المسؤولين عن إدارة الدولة، طمع وجشع أرباب العمل، طمع وجشع المعماريين ...
أقتبس من خطاب رايت عن تقدّم الحضارة العراقية: هنالك خطر كبير أن هذا التقدم قد يُدمر من قبل السمة التجارية والمادية التي تغفل العامل الروحي، مركز الإلهام والجمال وفي النهاية: الجمال والسعادة هما أهداف الحياة.
وأتخيل أن أحد الحاضرين تمتم قائلاً: صدك ... الفلوس وصخ دنيا ... والجفن مابي جيوب !

ولكن هل هذا كلام منطقي ؟ هل يقتنع أحد الشباب اليوم أن الفلوس وصخ دنيا؟

هل يعني أن نعيش فقراء لأننا لا نرغب بالمشاركة في أي عمل غير قانوني ومشبوه أو قانوني ولكنه يدمر كل ما ندرسه ونفتخر به من قيم العمارة المحلية؟  نعيش فقراء ونحترم ما تمتلكه مدينتنا من خصائص معمارية ملازمة لها، ولا نجري وراء من (هم ودم) كما يقول غسان من أجل شراء هاتف ذكي أو سيارة بموديل جديد أو قطعة أرض غير مرخصة.


لا أعتقد أن كلمة فقراء مناسبة، ولكن من (المفترض) أن نتقبل المستوى المادي الذي يضمن لنا عدم التقلب في القبر عندما يقول أحدهم في المستقبل: الله يلعن كلمن شارك بتهديم العراق!









الأربعاء، 13 يناير 2016

أمنيات وتجارب

أن تكتب قائمة بالأمنيات التي تريدها أن تتحقق ... ثم يأتي أحدهم فيقول لك: إحذر مما تتمنى! 
كانت واحدة من أمنياتي السابقة أن أجرب مهمة التحكيم في مباراة لكرة القدم.
مهمة صعبة وممتعة ... المعرفة بالقوانين، التركيز على الكرة، الحركة خارج إطار حركة اللاعبين، وكونك تمتلك السلطة، سلطة (الصافورة).
وقبل سنتين تقريباً ونتيجة لوجود أكثر من فريق في الساحة كانت المباراة بحاجة الى حكم من الفريق الذي لا يلعب، وهنا حققت تلك الأمنية. أعطوني الصافرة وحكّمت المباراة دون أخطاء شنيعة.
بعدها مباشرة .. أصبت بالإنفلونزا، والسبب أن الصافرة كانت (بحلك ميت واحد قبلي)!

في بداية هذا العام فكرت بعدد من التحسينات الواجب عملها، ومنها الممارسة المستمرة للرياضة، وصادف أن تغير موعد بطولة الجامعة في كرة القدم، لذا كانت بداية مشجعة لزيادة اللياقة والإستمرار المفترض لبقية السنة.
لعبنا أول مباراة وخسرناها (3-2) وحجتنا أننا لم نلعب سوية منذ فترة طويلة جداً، ثم تم الترتيب لمباراة ودية ... نعم ودية، ومن المفترض أن يعلم الجميع ماهي المباراة الودية (لياقة، تنظيم الفريق وأخيراً الونسة). وما أن أستلمت الكرة للمرة الثانية بعد نزولي للملعب حاولت أن أتجاوز اللاعب المنافس، فما كان منه إلا أن ضرب ساقي، ففقدت السيطرة، ووقعت بطريقة خاطئة على القدم لينكسر أحد عظام مشطها!

أقرأ ليوسف العاني (شؤون وشجون مسرحية)، وأفكر بالشبه بين المهندس المعماري والممثل في ضرورة تقمصه للشخصيات. تصمم مسكن فتتقمص شخصية صاحبه ومتطلباته وتتجول فيه خيالاً أو عن طريق برامج الكومبيوتر المتوفرة. تصمم مسرح، فتتقمص دور الممثل وكيف سيدخل الى الفضاءات المخصصة له وكيف سينتقل الى المسرح، تتقمص دور المخرج وكيف سيستعمل فضاء العرض لحركة الممثلين وتوزيع قطع ديكور خلفية المسرحية وتتقمص دور الجمهور وكيف يشاهدون المسرحية براحة وتوفر لهم كل الخدمات المطلوبة. تصمم مستشفى فتتقمص دور المريض والطبيب والممرضة حتى! وهذا الحال في كل المشاريع الأخرى.
الأمر مشابه للممثل بطريقة معينة فهو بحاجة لتقمص الشخصيات أمام الجمهور، أما المعمار فهو يتقمصهم بينه وبين نفسه لينتج عن ذلك قرارات تصميمية ملائمة لوظائفهم وسلوكهم.
 لا أعرف حقيقة إن كان هنالك مهنة أخرى غير العمارة والتمثيل تتطلب هذا التحدي؟
لحظة ... الروائي أو القاص يتقمص أيضاً شخصيات أبطاله وهم يتنوعون تنوع الحياة. ولكن الثلاثة يختلف نتاج تقمصهم، فمرة نص مكتوب، ومرة حركات وجه وجسد وكلمات وأخيراً مخططات معمارية تتحول الى مباني تضم داخلها كل ما سبق.
وبعيداً عن التقمص الإختياري لأغراض العمل، تقمصت نتيجة للحادثة السابق دور ذوي الإحتياجات الحركية الخاصة. العيش بعكازين والإعتماد على الأخرين في إنجاز الكثير من الإحتياجات اليومية.

ولكن هل من المبالغة الحديث عن متطلبات ذوي الإحتياجات الخاصة في ظل مشاكل العمارة العويصة التي نعاني منها حالياً ؟ نعم قد يجدها الكثير مبالغة !
 يجب الإشارة الى الأعداد المتزايدة لذوي الإحتياجات الخاصة نتيجة للحروب والصراعات السابقة والحالية، لذا نحن بأشد الحاجة للإهتمام بتلك المتطلبات، الإهتمام من خلال تضمينها لتصاميم أي مشروع معماري نعمل عليه، وبنسب تعتمد على نوع المشروع. ومن خلال الجانب الأكاديمي أيضاً، فزرع أهميتها لدى طالب العمارة، وربطها بالواقع الذي يعيشه، قد يكون مفيد جداً للمستقبل، فعند تكليفه بأي عمل، سيؤكد هو على ضرورة وجودها حتى لو تجاهلها الزبون، نتيجة لإيمانه بأهميتها لفئة من المستخدمين.
ليس دافع الكتابة هنا توضيح طبيعة تلك المتطلبات لأنها متوفرة في كتب التصاميم القياسية للمباني المتنوعة، ولكن الدافع هو التمني بتوفير قدر من الحرية لذوي الإحتياجات الخاصة، الحرية في أن يحققوا أحلامهم بمفردهم دون الحاجة الى شخص آخر قد يجدونه أو لا يجدونه.

الحقيقة أن التجربة متعبة ولكنني أتمنى أن تكون ذات فائدة ... لن أصمم أي مبنى مستقبلي دون أن أفكر بهم ... رزقنا الله وإياكم السلامة.







الخميس، 7 يناير 2016

"ما يجيبها إلا ستاتها"  لو "شطيح حظنا غير النسوان" ؟

ماهو التشابه بين شخص منافق، وبين شخص يريد تغيير نفسه نحو الأحسن؟!
المنافق في مفهومنا العام، هو من يُظهر في سلوكه خلاف ما يُبطن من أفكار غير معلنة. فهو مقتنع بأفكاره ونواياه الداخلية ويعمل جاهداً على تحقيقها ولكن بطرق خفية غير واضحة المقصد، ولكن قد تظهر تلك النوايا في سلوكيات معينة فينكشف تناقضه أمام الآخرين.
أما من يريد التغيير فهو يشترك مع المنافق في كونه يُظهر خلاف ما يبطن ! أو أنه يُظهر في موقف معين خلاف ما يُظهره في موقف آخر.
ولكنه في ما يُبطن، يعيش صراعاً بين الأفكار والقناعات التي كسبها جاهزة من المجتمع الذي يعيشه (لنفترض أن أغلبها سلبي)، وبين القناعات التي بدأ هو  بتكوينها منفرداً عن الآخرين (لنفترض أن أغلبها إيجابيات). وبتسميات آخرى هو صراع بين اللاوعي والوعي. هذا الصراع غير محسوم الفائز.
في حالة كون الشخص مستقراً ويأخذ وقته في التفكير فسوف يكون سلوكه (الحركي، اللفظي) نابع من وعيه الخاص به، من القناعات التي قد تستند على العلم أو التجربة العملية،  أما في حالة عدم الإستقرار والتركيز فإن اللاوعي السلبي سيقفز فجأة الى الخارج ككلمة أو جملة أو رأي أو حركة معينة.
وهنا نجد أن من يحاول تحسين نفسه يقلق من إمكانية إتهامه بالنفاق، لأنه يُصرح برأي واعي في وقت معين ويتصرف على أساسه، ثم في موقف آخر نجده يصرح أو يتصرف بضد موقفه السابق كنتيجة للاوعيه المتراكم داخله !
فهو مقتنع مثلاً بحرية الرأي وحرية التعبير عنه، وليس لأحد الحق بإسكات أحد آخر، ولكنه عندما يشاهد مقدماً تلفزونياً بإسلوبه المستفز جداً، يبدأ اللاوعي بتحضير كل الشتائم التي جمعها عبر السنين،  ثم التغريد بأعذب الألحان!
ولعل أبرز تطبيق للفكرة السابقة، كيفية تعامل الرجل الذي يحاول أن يغير نفسه مع قضية دور المرأة في المجتمع !
في كتاب ARCHITECTURE FOR DUMMIES وفي فصله الخامس عندما يحاول الكتاب توضيح ما يفعله المعماريون، يخصص (Dietsch) مربع (صغيروني) للسؤال:

Where are the women?
وإجابته للسؤال تتضمن توضيح نسب المعماريات المسجلات في المؤسسات الرسمية في أمريكا وأوربا (13%) في أمريكا، و(16%) في أوربا. ومن ثم ذكر الشخصيات المشهور عالمياً في مجال العمارة. ولكن يبقى السؤال ما سبب هذه النسب المتدنية ؟
ويجب توضيح أن السؤال يتضمن المعماريات الممارسات لمهنة العمارة وصاحبات المنجزات التصميمية البارزة على مستوى المدينة.
لذا يصبح نفس السؤال أكثر ضرورة في حال النظر الى نسب طالبات هندسة العمارة المرتفعة مقارنة بالطلبة في العراق. فهي تصل غالباً (لثلثين) طالبات و(ثلث) طلاب في المرحلة الدراسية الواحدة. فإذا كان عددهم الأكثر في سنوات الدراسة أين تذهب تلك الأعداد على مستوى ممارسة المهنة؟
وأعتقد أن الإجابة المتفق عليها: أن السبب هو مجتمعنا، بكل المفاهيم السلبية التي يحملها تجاه المرأة، مما يجعل من الصعب عليها الحصول على فرص عمل في مجال العمارة تناسبها نفسياً وأخلاقياً وبدنياً.
والأفضل من الحديث عن مفاهيم المجتمع السلبية التي نعرفها ونمارسها غالباً، هو الحديث عن: هل سنستمر على هذا الحال الى النهاية ؟!
الإجابة بنعم أو لا وتحقيق تلك الإجابة هي من إختصاص نساء العمارة طبعاً، وليس للرجل الا أن يختار بين الوعي واللاوعي السابق!
ولو كانت الإجابة بـ: لا لن نستمر وستتجانس الأعداد بين الدراسة والعمل للمعماريات. فمن المؤكد أن تحقيقها يتطلب (شغلتين) :
أن تكتسب المهندسة المعمارية تجربة وخبرة عملية تنافس بها وقد تتفوق كما تتفوق اليوم في الجانب الأكاديمي على المعماريين الشباب.
و(الشغلة الثانية) ولكي تكتسب هذه الخبرة وتطبقها في العمل عليها أولاً - أولاً أن تخرج الى الشارع.

في نقاش عن نوع النصوص الأدبية التي تكتبها المرأة وقلتها حتى، قرأت رأياً يقول: أن المرأة ضيفة على طاولة الكتابة، والسبب هو قلة تجاربها في الحياة وأن التجارب المتعددة للرجل هي مصدر للنصوص المبدعة التي يكتبها.
 والأمر مشابه في حالة هندسة العمارة، لن تستطيع المعمارية كتابة نص معماري من غير أن تتعرف على تأريخ المدينة التي تعيش فيها ومبانيها، أحيائها السكنية الفقيرة والغنية، ساحاتها المفتوحة ونصبها الفنية. علاوة على الحضور في مواقع البناء وأسواق المواد البنائية وأنواعها المتوفرة.
هي تستطيع أن تجمع المعلومات عن كل ماسبق، تقرأ و(تتفرج) الصور ولكن هل يغني هذا عن الحضور في المكان، التفاعل مع الناس؟ أبداً ...
وأعتقد مرة أخرى أن أغلب طالبات العمارة يتمنين النزول الى الشارع وإكتساب تلك الخبرة العملية ولكنهن أمام عائقين: المخاطر الموجودة في ذلك الشارع بأنواعها، وهي ما تؤدي الى العائق الآخر وهو رفض الأهل خروجها لفعاليات غير ضرورية بالنسبة لهم.
و(هم إذا كان الجواب لا مراح نظل هيج) فنحن بحاجة الى إتفاقيات نسائية للنزول للشارع.
 فــ10 نساء سيواجهن المخاطر بطريقة أفضل من إمرأة واحدة، من يتحرش بفتاة وحيدة بالشارع سيتحرش أيضاً بالـ10  ولكن عندما تكون واحدة منهن (أصيلة) وتضربة ميت .... فإنه لن يعود للتحرش مرة أخرى (يمكن !)


ما أفكر به حالياً هو أننا (مراح يصير براسنا خير) من غير نزول المرأة الى الشارع، أما المعوقات فعليها هي وحدها أن تزيلها، ودور الرجال (الي يردون يغيرون نفسهم) المساعدة فقط.

 أما رفض الأب أو الأخ أو العائلة بأجمعها لخروجها، فهو مبرر لكونهم يخافون عليها أن تتأثر مادياً (الحوادث) أو معنوياً (القيل والقال)، أي أنهم يريدون مصلحتها، ولكن لم يفكروا بمصلحتها العلمية أو المهنية! هذه المصلحة قد تكون غير مهمة لدينا، فهم يركزون على سلامة إبنتهم لتنتقل الى المرحلة اللاحقة وهي الزواج.
 جيد ... وماذا بعد ؟!
إذا كانت النهاية هي زواج المهندسة المعمارية وتحولها الى ربة بيت، فإن جهودها الدراسية وجهود كوادر المؤسسات التعليمية وجهود الأهل أنفسهم (راح تنذب بالشط)!

نحن بحاجة الى ثورة .. ثورة نسائية أولاً ونسائية معمارية ثانياً ...

وكما يقولون في مصر: ما يجيبها الا ستاتها ...









السبت، 2 يناير 2016

البغددة

هل يعقل أن يكون العيش في مدينة بغداد مشابه للعيش في أي مدينة أخرى؟
هل تشبه هي أي مدينة أخرى؟
نقرأ في (حوادث بغداد في 12 قرن) لباقر الورد عن العام 145هـ-762م:
تأسيس مدينة المنصور المدورة، والتي سماها (مدينة السلام) عند منعطف نهر دجلة على ضفته الغربية يوم الثلاثاء أول ربيع الثاني (29 حزيران). 
وتحت نفس العام نقرأ :
وفاة (الحجاج بن أرطأة) مهندس بغداد الأول الذي خطط خريطة لبغداد وأشرف على بنائها.
تذكرت بعدها حلقة من المسلسل المصري سرايا عابدين، عندما يسقط أحد عمال بناء السرايا ميتاً في الموقع، لنكتشف بعدها أنه مات مسموماً لأنه قام ببناء ويعلم بوجود سرداب تحاك فيه المؤامرات داخل السرايا!
وبعيداً عن سيناريو كيفية بناء سرداب كامل بواسطة عامل واحد ! فلبغداد أسرار وخفايا أيضاً.

واليوم نحن ومدينتنا نتاج 1254 سنة من (الأسرار والجلاليق والبوكسات) .
أعتقد أن حب المدينة التي نعيش فيها وفخر الإنتماء اليها حالة طبيعية يعيشها أغلب الناس، في المقابل ومن خلال تصرفاتنا الواعية ينبغي علينا عدم التقليل من المدن الأخرى وساكنيها أبداً.
وهنا يصف نوفل الجنابي الجندي حميد بــ: بصري (بصراوي) بكل ما تعنيه الكلمة، أسمر نحيل، طوله فارع، مبتسم أغلب الأحيان، لا يميل الى النميمة.
فإذا كانت هذه صفات الشخص البصراوي، فمن هو الشخص البغدادي؟
الحقيقة لا أعرف الإجابة، ولكنني أستطيع أن أخمن السبب الذي يجعل البغدادي يتصف بصفاته المميزة.
 ذلك السبب هو التعددية، وللدقة أكثر، صنفين من التعددية :
تعددية (الصراع) وتعددية (محاولة العيش).
في تعددية الصراع نعلم أن هنالك عشرات الأطراف التي تصارعت للسيطرة على المدينة خلال تأريخها من دولة الخروف الأسود والخروف الأبيض و(شيل إيدك).
وفي هذا السياق فأنا أفتخر دائماً بالمصطلحات التي نقلها لي جدي وجدتي على إنها مصطلحات بغدادية (إسم الله) نابعة من مناطق الشواكة وكرادة مريم والعطيفية وحي دراغ، حتى إلتقيت (بمعجم الألفاظ الدخيلة في اللهجة العراقية الدارجة) لرفعت البزركان، و(عينكم متشوف الا النور) فهي أغلبها ذات أصول تركية وفارسية والبقية عن اللغات الانكليزية والفرنسية والإيطالية والهندية وحتى البرتغالية واليونانية !
النوع الآخر من التعددية هو لمحاولة العيش، فإذا إفتراضنا أن أرض المدينة في وقت الخليفة المنصور كانت أرضاً خالية من السكان، فليس هنالك شخص بغدادي منذ البداية.
الجميع ينتقل اليها عبر الزمن من مناطق إخرى لغرض العمل، لذا أصبحت بغداد كما يصفها الدكتور محمد مكية: (فالحاكم والقاضي مسلم والطبيب مسيحي والتاجر يهودي وعالم الفلك صابئي وتضم بين جناحيها بشراً يختلفون باللغة  ويجتمعون ببغداديتهم).
فأن تكتسب البغددة عليك العيش والعمل مع كل الأطراف، ومن يقول أن الجميع كانوا يعيشون بدون صراعات فهو غير دقيق، فقد كانت تحدث الشجارات والمشاكل ولكن وجود كل الأطراف في نفس البيئة وهم يريدون أكل لقمة العيش بسلام يجعلهم يحترمون الآخر على الأقل في سلوكهم الخارجي ومع مرور الوقت ينتقل الإحترام الى فكرهم الداخلي بعد معرفة الآخر على الحقيقة، والإعجاب بإيجابياته.

والحديث عن المجربات أفضل من المقروءات، فقد فتحت عيني في فرع في حي الإعلام وإتذكر حتى هذه اللحظة عدم تشابه أي جار مع جار آخر، يبدأ الفرع من بيت سناء المسيحية صديقة عمتي ثم بيت الحجية الوحيدة من مدينة تكريت ثم بيت سامح المسيحي الذي يعمل مع عمي وبيت أم علاء الذين يمتلكون خط التلفون الأرضي الوحيد في المنطقة وبسبب (نظافتهم) أصبت (بالكَمُل) لأن أبنهم لبس قبعتي، ثم بيت نشوان الصابئي زميل الصف، وبيت أم ضياء عمال معامل الطابوق وأخيراً بيت محمد المصري الذي تستغرب أمه لأنه يناديني (باللو) .
فالبغدادي بالنتيجة هو العجينة الناتجة عن تعدد القوى المسيطرة على المدينة بكل ما تحمله من الأفكار والمعتقدات والمصطلحات، وتعدد الأفراد (الفقرة) الذين يحاولون العيش على باب الله.
وبعد جولة البوكسات الأخيرة فقدت التعددية.
وبدأنا مع فقدانها نفقد البغددة، فقدنا تجمّع إيجابيات كل طرف مع إيجابيات الطرف الآخر، فقدنا المقارنة مع من هم أفضل منا في صفة أو صفات معينة، وأصبحت المدينة في كل فرع منها جيران متشابهين ينتمون لطرف واحد أو حتى عشيرة واحدة يعتقدون أنهم أفضل الناس في المدينة.
وأصبح السائد هو كل ما يناقض التعددية، كالنظام العشائري و(هذا من جماعتنا).

وبعد أن عرفنا سبب البغددة وسب فقدانها أيضاً فهل هنالك أمل في إستعادتها مرة أخرى؟
لا أعتقد ! لا أعتقد أن أحداً سيعود الى المدينة مرة أخرى على ما هي عليه اليوم أو ما ستصل اليه من معطيات اليوم، وهي بدون تعدديتهم لن تمتلك بغداديتها السابقة التي لم تفارقها في المحن والأوقات الصعبة الماضية التي مرت بها.
 لذا أملنا الوحيد أن نصيغ البغددة بطريقة جديدة، عجينة جديدة، هذه العجينة تعتمد على الإعتراف بقصور الأطراف التي ننتمي اليها أولاً، وليس الإعتراف كافياً، يجب أن لا ننخرط في ما نؤمن أنه غير منطقي وعلمي ويعيق كل تحسن وتطوّر في حياة المدينة الإجتماعية والثقافية والعمرانية، لا يكفي أن نكتب أو نصرح أبداً.
فمن يعترف بسلبيات النظام العشائري السائد في بيئته مثلاً، ويصرح بتلك السلبيات، عليه أن لا يحضر لمجلس فاتحة يقام في منتصف الشارع ويقطعه على المارة، يضر المصلحة العامة ويرهق عائلة المتوفي، وعليه أن لا يتبع هذه التقاليد عندما يتوفى أحد أفراد عائلته (بعد الشر).
فعدم الإنخراط هو الحل والباقي يم رب العالمين.