الجمعة، 22 يناير 2016

إسطورة مئذنة سوق الغزل

لا توجد صفقة في العالم أنجح من صفقة شراء كتاب بألف دينار!
كومة كتب على الأرض وبائع يصيح: كتاب بألف ... كتاب بألفين ...
تنزل على رُكبك وتكَلّب ... وإنتَ وحظك ...
الحقيقة أمتع الكتب وجدتها بهذه الطريقة ... والأخير، الجزء الثالث من حديث الثمانين للدكتور كمال السامرائي.
بألف دينار فقط، تشارك الدكتور كمال أصدقاءه وعملياته وأسفاره العربية والأوربية، وكانت المفاجأة أن أجد  داخله عنوان: مئذنة سوق الغزل وجامع الخلفاء 1965.
الدكتور كمال السامرائي

يتحدث الدكتور كمال عن صدمته بظهور ركائز كونكريتية الى جانب مئذنة سوق الغزل، وقد شاع بين الناس أن جامعاً سيقام على هذه المئذنة وثمة حوانيت ستشيد حوله لتمويل إدامته، فثار في نفسه (دكتور كمال) السخط على إقامة هذه الحوانيت، كما خاف أن يكون الجامع المزمع تشييده على طراز حديث يناقض هندسة المئذنة، فكتب في هذا الموضوع خطاباً نشرته جريدة الجمهورية يوم 24-5-1965
يدرج الدكتور كمال نص خطابه المفتوح الى الدكتور محمد مكية يبين فيه موقفه ورأيه قبل أن يرى التصميم المعد للجامع، وقد أكتب مرة أخرى عن صيغة الخطاب المحترمة وطبيعة الثقافة المعمارية لطبيب يهتم بعمارة المدينة التي يعيش فيها.
ما أعجبني هو ملاحظة الدكتور كمال، كيف تفاجئ يوماً بمدير الأوقاف العام يرد على أفكاره في الخطاب بلهجة تهكمية لا موضوعية، بينما الدكتور مكية رحمه الله فلم يعلق على ما كتبه في جريدة الجمهورية!
والأهم هنا حديث الدكتور عن إسطورة مئذنة سوق الغزل وهي التي فرضت عليّ كتابتها هنا لأني لم أقرأها في كتاب آخر مهتم بالعمارة العراقية أو نتاجات الدكتور محمد مكية بالتحديد.






أنقل لكم النص من الكتاب وفي صفحته 139:
أنقل هنا واحدة من الحكايات عن المئذنة دون تحريف كبير لنصها الذي سمعته من إثنين من كبار البنائين في بغداد، وقد يكون مصدر حكايتهما واحد. أحدهما الأسطة محمد وهو الساعد الأيمن للدكتور مكية في بناء جامع الخلفاء وترميم مئذة سوق الغزل، وهو مثالاً للبغدادي الأصيل في ملبسه وفي كلامه وإشاراته التي يبطنها بمعاني خاصة، كما تبين لي أن له معلومات تأريخية لا بأس بها عن هذه المئذنة سردها لي بتقطيع وتأن، وقال:
إن هذه المئذنة لا يزيد عمرها على السبعة قرون، أي أنها ليست عباسية العهد، وقد أمر ببنائها (أحمد أباقا بن هولاكو) وعهد بالإشراف على تشييدها الى وزيره عبد الله الجويني، وتلتصق بها قصة ممتعة حتى لو كانت خرافية.
فقلت له أريد أن أسمعها لو تفضلت فقال:
كان في أصفهان أشهر البنائيين في إيران وإسمه (حاجي علي) وله تلميذ إسمه (غلام علي)، ورغم التحابب الذي يشد بقوة بين هذا الأستاذ وتلميذه، فإن أولهما كان ضنيناً بتعليم كثير من أسرار مهنة تجميل العمارة وزخرفتها، كما أن تلميذه كان حاد الذكاء وقوي الملاحظة، وكان يراقب استاذه دون أن يثير إنتباهه ليكون خليفته في الصنعة، وذات يوم وهما يتحدثان عن مئذنة أصفهان الشهيرة، قال غلام علي:
-إن هذه المئذنة هي غاية ما يمكن لأي إستاذ في البناء إن يصنعه.
ويبدو أن الإسطة الحاجي علي عدّ هذه الإشارة تحدياً له، فقال بكبرياء ووقار:
-ليس في هذه المئذنة الا إبداع في تناسق ألوان القاشاني فيها، وأنا أطمح أن أبني مئذنة من طابوق بلون واحد لا يدخلها أي لون آخر وهذا هو وجه الإبداع فيها والمبادرة التي لم يسبق اليها أحد من شيوخ البناء، كما سأجعل لها سلّمان، الصاعد اليها لا يرى النازل منها، أريد أن أجعل المنارة التي أفكر ببنائها حدثاً في العمارة يتحدث به الرُكبان.
وشرح حاجي علي لتلميذه طريقة بنائها وتلميذه ينصت اليه بكل جوارحه، وأراد أن يستوضح منه الكثير عنها وسأله:
-وهل ستكون إسطوانية القوام أم مربعة أم ماذا؟
فأجابه إسطة علي:
-إن المآذن المنشورية لا تعطي طابع الصعود والسموق المستمر كالمآذن الإسطوانية. ولذلك سأجعلها إسطوانية، كما أن النور والظلال يتداخلان على سطحها بنعومة تحت النظرة الواحدة، فلا نور قاطع ولا ظل قاطع كما هو في المآذن المنشورية فلا تتعب الناظر اليها.
وسأله:
-وأين تضع حوضها؟
فأجابه:
-سيكون لها حوضان يقسمان المأذنة الى ثلاثة أقسام.
وفكر غلام علي بما سمعه من أستاذه إسطة علي، وعزم على شئ، فقد إستيقظ مبكراً وحمل تحت إبطه صرة فيها زاد ما يكفيه للسفر بالكروان الى بغداد.
وكان يحكم بغداد يومئذ الخان أباقا التاتاري وقد دخل الإسلام في تلك الأيام، وغالى في التمسك بشرائعه، والعمل على نصرته، فوجد غلام في هذا السلطان ضالته، فتوجه الى الجامع حيث يصلي هذا السلطان، وصلى ورائه مع المصلين ولما إنتهى من صلاته تقدم من الخان الورع وسأله هذا الخان:
-ماذا تريد أيها الشاب؟
فقال له:
-أريد أن أخدم الخان يامولاي.
-وأية خدمة تستطيع تقديمها لي؟
-أراك ياسيدي الخان كثير الإهتمام بدينك كما أنك كثير الإهتمام برعيتك، وعندي من الفن في بناء المآذن ماليس لغيري مثله!
-ومن أين أنت أيها الشاب، هل أنت حاجي علي؟
-لا ياسيدي أنا تلميذه وأستطيع أن أبني مئذنة كان يحلم بها أستاذي ولم يحققها.
وفتح الخان خزانته ليمول بناء المئذنة، فجاءت آية في الفن والجمال. وسمع حاجي علي بهذه الإعجوبة في بغداد، وشد الرحال ليراها، ووقف ينظر اليها بإعجاب وتفاجأ حين رأى تلميذه غلام في الصحن الأعلى للمئذنة، فصعد اليه فلم يجده، وطاف حول صحن المئذنة فلم يجد له أثراً، ونظر الى الأرض فإذا بغلام علي يقف وعلى وجهه إمارات الظفر. فعرف الحاج علي أنه سرق منه سر بناء هذه المئذنة وسبقه الى بنائها، فرمى بنفسه من أعلى المأذنة الى الأرض ليموت غيظاً وكمداً!
هذه هي إسطورة مئذنة سوق الغزل، وقد يكون فيها بصيص من الحقيقة. (إنتهى النص) وأنا أرى فيها الكثير من الدروس...

الطالب غير الأمين، تأريخ المدينة، عدم إمكانية تصميم معلم مهم في المدينة من غير التقرب من الحاكم! وأخيراً الإستاذ الـover.
 لا أعرف إن كان (شمر روحة) بسبب الغيض والكمد؟ أم أراد أن يُفسد نشوة الإنجاز على الطالب، فعندما يتسأل الناس لماذا شمر روحة من المنارة سيعرفون القصة ويعرفون خيانة غلام علي ولا يستطيع بعدها الفخر بمنارته ! 

















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق