الجمعة، 24 فبراير 2017

مجمع الليث في ثانيتين

مجمع الليث في ثانيتين 

تتشابك المواضيع لدّي بطريقة عجيبة ...
مساء يوم الاثنين، كنت أقف أمام موقع الإنفجار لإلتقاط صور آخر المستجدات المعمارية على البنايتين المنكوبتين، ليأخذني بعدها طريق العودة الى بائع الاقراص الليزرية فأنتخب مجموعة من الأفلام الأمريكية الجديدة، وكانت المحفز لكتابة التدوينة السابقة (مسميات وأرقام).


أحد تلك الأفلام هو : Patriots Day
صدر الفلم هذا العام وهو يتحدث عن إنفجار مدينة بوسطن الأمريكية عام 2013 وذلك خلال مارثون المدينة السنوي، يعرض موقع الفلم الرسمي مقولة لـ Jeff Sneider :
Patriots day is exactly the movie that America needs right now
وحاجة امريكا للفلم تأتي من تصويره الواضح لتكاتف جميع سكان مدينة بوسطن (الأجهزة الأمنية بأنواعها والمدنيين) لإخلاء وعلاج الضحايا والقبض بعدها على الأرهابيين ومن ثم توفير الدعم النفسي للضحايا في مارثون العام اللاحق.


وبعد نهاية الفلم يأتي دور الشخصيات الحقيقية للأبطال بالظهور، عمدة المدينة الحقيقي وقادة الشرطة والمصابين ... وهنا تبرز الصورة الأهم في الفلم :
يظهر أحد المصابين وزوجته فيقول: عندما رأينا في الأخبار أن هجوم آخر قد حدث في بروكسيل، إسلام آباد ، أورلاندو، باريس، اظن أنه من الهام أن تفكر في الأشخاص حول العالم ليس كضحايا للعنف بل كسفراء للسلام.
ومع بداية الحديث تظهر الصورة التالية :


الصورة لموقع التفجير العظيم في بغداد، ولكنه لا يذكر إسم المدينة مع العلم إن الصورة هي الأولى بين صور تفجيرات المدن الأخرى التي يذكرها!

ويصبح الموقف: إن واحد من أفضل عشرة أفلام أمريكية لهذه السنة (كما كتب على غلافه) يستعرض فيه أحد الأبطال تفجيرات عظيمة حصلت حول العالم فتظهر على الشاشة صورة لثانيتين لتفجيرات بغداد ولا يذكر إسم المدينة مع الاسماء الأخرى.

ويكون الإستنتاج:
هنالك رأي بالتأكيد يقول أن الموقف لا يستحق التوقف والتفكير فيه.
وهنالك رأي آخر يقول أن للموقف دلالة إعلامية تستحق الدراسة والتحليل.


ولنا حرية الرأي وللشهداء الرحمة والنعيم.








الاثنين، 20 فبراير 2017

مسميات وأرقام

مسميات وأرقام

كم هو عدد الأفلام الأمريكية التي شاهدناها (طول عمرنا)؟
بالنسبة لي لا أعرف العدد بالتأكيد ولكنه بالآلاف... بدأت رحلة الأفلام الأمريكية مع تلفزون الشباب عام 1993 كنافذة على الأفلام الجديدة كونها قناة غير رسمية تبث ما يحلو لها، ليسلمنا تلفزون الشباب بعد وفاته الى فضائية MBC2 وأخواتها ولم تكتفي بعرض الافلام القديمة نوعاً ما وإنما تعرض آخر الأفلام في دور السينما لتحرضنا على الذهاب الى بائعي الأقراص الليزرية بأنواعها المختلفة وشراء ومشاهدة الأفلام أولاً بأول.
وفي حالات معينة يجب إضافة عنصر جديد لعناصر تشكيل شخصية الفرد العراقي (العائلة، المدرسة، الشارع)، لتصبح: (العائلة، المدرسة، الشارع، هوليوود).
من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية ووسائل إعلامها قد سيطرت على العالم ولكننا نحن العراقيين نعيش علاقة خاصة معها، علاقة المغلوب بالغالب وهي علاقة وضحها إبن خلدون في مقدمته عام 1377ميلادية، يُعجب المغلوب بالغالب ويقتدي به كرمز للقوة والكمال.
  في زيارتي الأخيرة لمركز التسوق إكتشفت بعض مظاهر التأثر والتبعية، منحوتة بجسم إمرأة ورأس وأقدام ضفدعة خضراء تحمل بيدها قدر وترتدي صدرية الطبخ، أعجبتني بشدة، في البداية لم أعرف السبب ولكن بعد أن أمسكتها بيدي إتضح الأمر، المنحوتة بنفس نسب منحوتة جائزة الأوسكار! لذا عندما تمسكها بيدك تلبي حلم أمريكي تم زراعته في رؤوسنا العراقية.
المظهر الثاني يتمثل برغبتي الملحة  لتجربة النظارات الشمسية المعروضة في مركز التسوق كلما ذهبت اليه، مع إمتلاكي لعدد كبير منها ومتمسك بإستخدام واحدة فقط كونها الأكثر ملائمة لعيني، وبنفس طريقة التحليل السابقة أكتشف إنني أقلد بطريقة لا واعية أبطال الأفلام الأمريكية! فعندما يدخل البطل المطلوب للعدالة الى مركز التسوق الملحق بمحطة البنزين فهو يستعرض النظارات الشمسية ويشتري نظارة سوداء يحاول بها إخفاء معالم وجهه.
بعد شرائي للأنسة ضفدعة ونظارة أعجبتني، رفضت أمي وضع التحفة في أي مكان في البيت كونها قبيحة جداً وقد استغربت سبب شرائي لها فوجدتها (مشمورة) في غرفتي كمكان وحيد تستطيع الوقوف فيه، أما النظارة الشمسية فقد كُسرت في اليوم التالي ولا تزال رغبتني مستمرة بشراء واحدة أخرى.
نحن نعيش حالياً في قمة صراع الحضارات، وحضارتنا المحلية غالباً (شبعانة كتل) ... من معالم الصراع أيضاً اللغة التي بتنا نستخدمها، فمفردة (داعش) تشير لحالة جديدة من استخدام اللغة العربية للمختصرات المتكونة من الاحرف الأولى من كلمات العبارة أو الإسم المعني كما هو الحال في اللغة الانكليزية والمسميات الأمريكية خاصة (USA,FBI,CIA.NSIC).
وقد فكرت أخيراً بمقاربة غريبة ... في اللغة العربية يقال لفاقد البصر : بصير
وتذكر المصادر إن سبب ذلك هو التفاؤل بقوة بصيرته.
زيادة على كونها لفظة غير جارحة كما في استخدام مفردة ذوي الاحتياجات الخاصة.
بعد هذا المثال اللغوي بإستخدام كلمة تمثل ضد الصفة الحقيقية، لما لا نستبدل تسمية دورة المياه أو التواليت بتسمية Thinking Room ؟    
فهي مكان مثالي للتفكير ... والغريب أن هذا المكسب لم نكن لنحصل عليه لولا تقليدنا الغرب بالتحول نحو استخدام (التواليت الغربي) بدلاً عن (التواليت الشرقي) المتعب للمفاصل وبالتالي غير مريح لإطالة الجلسة والتفكير بصفاء.
ومن موقعي هذا اطالب جميع المعماريين بفرض تأثيث دورات المياه العراقية بتواليت غربي والتخلص من الشرقي التقليدي كون (الغربي) هو أحد أسباب تقدم الحضارة الغربية بدعمه للمفكرين والمبدعين، وتغيير التسمية بدلاً عن WC أو Bath Room  الى Thinking Room.
وفي نفس السياق اللغوي أقص عليكم تجربة عراقية بحاجة الى مقاربة غربية أيضاً...
يكتض مقهى رضا علوان بالزبائن، يشغلون جميع طاولات الطابق الارضي وطاولات الرصيف، فما كان لنا سوى الصعود الى الطابق الأول والبحث عن طاولة فارغة ... وبعد دقيقة من البحث البصري ترك مجموعة من الشباب طاولة كانوا يريدون شغلها الى طاولة أخرى.
وهي فرصة ذهبية للحصول عليها ...
وبعد الاستقرار تبينا المفارقة ... لقد كانت الطاولة رقم 56 !
عندما ذهبت الى الكاشير لطلب القهوة بالكاراميل سألني عن رقم الطاولة ... وبعد سماعه للرقم ضحك ضحكة خبيثة ... وعندما جلب لنا عامل الخدمة الطلبات وتأكد من رقم الطاولة ضحك نفس تلك الضحكة !
ولأن في المقهى لوحاً لحرية الكتابة، توجهت له قبل الخروج وكتبت:

"في أوربا والدول المتقدمة" يتم رفع رقم (13) عند ترقيم الطوابق والشقق ضمن الطابق.
في العراق من الممكن رفع رقم (56) عند ترقيم طاولات الجلوس ... أو الإبقاء عليه لخلق مفارقة ممتعة.

طاولة النصب والاحتيال! 











الخميس، 16 فبراير 2017

ورشة عمل

مؤتمر... ندوة... دورة... محاضرة... ورشة عمل... تتعدد أسماء الفعاليات العلمية بحسب طبيعة التفاعل بين الحاضرين فيها (الباحثين-المستمعين)، ولعل أكثرها قرباً من القلب هي: ورشة العمل، لأنها في تعريفاتها الاصطلاحية والتجارب العالمية تتضمن تفاعل جميع المشاركين مع بعضهم حول موضوع الورشة وتقترب من مناقشة وتجريب تطبيقات عملية لموضوعها، ولها بالتأكيد مفاهيم أخرى.

وقد حضرت أخيراً ورشة عمل تخص مباني تراثية وتأريخية في مدينة بغداد، وهي فرصة ذهبية للإقتراب من مجالات نعاني البعد عنها، تأريخ مدينة بغداد، مبانيها القيّمة، حال تلك المباني الآن، لقاء مختصين ومن مدارس معمارية ومؤسسات متنوعة، وعبور نهر دجلة في يوم ممطر سيراً على الأقدام.


كانت البداية مع عرضين لأساتذة محترمين أعضاء في جمعية المهندسين العراقية، الأول تناول تقريراً استطلاعياً عن حال ثمانية مباني تراثية، واقعها الوظيفي والانشائي، ومناقشة إشكالية تشابك الجهات المسؤولة عن تلك المباني، فمرة هي عائدة لأمانة بغداد ومرة لدائرة الأثار والتراث ومرة للتربية ومرة للأوقاف، والعرض الثاني تضمن مناقشة مفاهيم الادارة الحضرية وضرورة إدراج المباني التأريخية والتراثية ضمن السجل الوطني وضروره إعلان فقراته في الصحف الرسمية وأخيراً التأسيس لمعايير جديدة لقياس تهرأ تلك المباني وعدم الاعتماد على الحكم البصري على الحالة الانشائية فقط.
بعدها ... تحدث السيد المسؤول معلقاً على موضوعات العرضين شاكراً المحاضرين والحضور والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا أعتقد أن اللوم يقع على المنظمين أو المشاركين ولكنني تذكرت بعد نهاية الورشة مقدمة لأغنية عراقية سمعتها في أحد البرامج التلفزونية، الأغنية تقول:
أني أريد .... هو يريد ... كُلنا نريد ...
فالمحاضرين يطلبون من المسؤولين تشريع القوانين الخاصة بحماية وتأهيل المباني التأريخية والتراثية، والمسؤولين يطلبون من المختصين اعداد الدراسات والتقارير ومسودات التشريعات، ثم يطلب المشرعون من الجهات التنفيذية تطبيق القوانين في حال تشريعها، والوزير المنفذ يطلب من الموظف والموظف لا يطبق تلك القوانين قاصداً أو مجبراً لعدم وجود مقومات تطبيقها، وتستمر تلك الدوائر العقيمة. فنحن نعيش في دائرة من الطلبات ولا احد ينفذ أو يحقق تلك الطلبات على أرض الواقع. لا تستطيع المؤتمرات والندوات تحريك طابوقة واحد من مكانها لتاهيل تلك المباني القيّمة.
ولأن الحديث عن واقع الدوائر التنفيذية، وعن إهمال المجتمع لممتلكاته الثقافية لا يقدم ولا يؤخر ولن نستطيع معه قول اي شي جديد، فمن الأفضل الحديث عن ميول شاعر الاغنية السابقة نحو التصميم الحضري!
يقول في مقاطع متفرقة:
-       الشارع ينهدم حيلة ومن تفوت ...
-       رصيف الشارع تكسر يكول إسم الله من تعثر...
-       حتى الضوة تلكاها، راحت روحة وياها ... (ويقصد بالضوة إنارة الشارع)

بدوري ابتكرت عبارة غزل معمارية تراثية هي: بادكَير حياتي!

وحين كنت لا أزال أفكر بالطرق الممكنة للفت انتباه المجتمع لتلك المباني الرائعة والتي تمثل سلسلة للمراحل الحضارية للمدينة، سمعت بوضوح صوت علبة مشروبات غازية معدنية ارتطمت بالارض بعد أن رماها أحدهم قرب باب المنزل، وفي ثانية إبتكر ذهني مرة أخرى شتيمة جديدة:

رحم الله والديك إبن الكلـ... 








الاثنين، 13 فبراير 2017

واجد البغدادي

واجد البغدادي

لعل أكثر العاشقين خلوداً هم من حالت ظروف قاهرة بينهم وبين من يبادلونهم الحب... فالمحب من طرف واحد لابد أن يأتيه يوم يدرك فيه عدم جدوى ما يشعر به ويفعله، ثم ينصحه الآخرون: إلي نساك إنساه ... أما قيس وشاه جهان فلم يستطيعوا نسيان الوصل السابق، وكل منهما تعامل مع الذكرى بطريقته الخاصة، فقير فهام على وجهه في الصحراء، وغني فشيد مرقداً خيالياً لم يخبو ضيائه حتى هذه اللحظة.
أثناء جولتي الأخيرة في سوق الكتب عثرت على إصدار تائه عن مركز إحياء التراث العلمي العربي بتأريخ 1986 وهو يتضمن مجموعة من البحوث تحت عنوان (أصالة المعالجات المعمارية التخطيطية عند العرب)، وما جذبني بلحظة بحثاً بعنوان (دور المعمار العراقي في بناء تاج محل) للدكتور المرحوم حسين محفوظ.


ولأن المعرفة العراقية السابقة لم تجد طريقها لصفحات ومواقع الأنترنت مما سبب القطيعة بين جهد الباحثين الأوائل والأجيال الحالية، اقتبس لكم أهم نصوص البحث والتي توضح دور المعمار العراقي في بناء أشهر رموز الحب العالمية:
دور المعمار العراقي في بناء تاج محل
الاستاذ الدكتور حسين محفوظ
الفن المعماري الاسلامي في الهند يستحق الوقوف والدرس والتأني والدقة إمعان النظر والبحث والتحقيق العميق، ومن مشاهير الأبنية (تاج محل). يعتبر مؤرخو العمارة ونقاد الفن (تاج محل) من الأبنية التي لا يقاس بها أي بناء آخر. فقد جمع الحب والاسطورة والفن والجمال والعشق والحرمان والوجد والابهام والذكرى واللوعة والفراق والوصل.
ينسب أسلوب بناءه الى المدرسة المغولية في العمارة كما تسمى في الهند وهي المدرسة البغدادية التي نشأت في العراق في زمن المغول.
تختلف الروايات المأثورة في أصل واضع الخارطة (المصمم) الذي كان القدماء يسمونه (الطرّاح)، حيث يختفي المصمم الحقيقي بين ظنون الروايات المتضاربة.
يعتمد بناء تاج محل على أساس (المثمن البغدادي المركز)الذي انتقل الى الهند والى تركيا والى الشرق والغرب، هذا وأنا أظن كل الظن أن (واجد البغدادي) وهو من أكابر مهندسي تاج محل المعدودين كان له دور واضح في التصميم والبناء، لا نعرف شيئاً من أمر (واجد البغدادي) ولم يؤرخ سيرته أحد، ولكن لا ريب أن شهرته الكبيرة في عصره ومعرفته وعلمه وتجربته هي التي دعت ملك الهند أن يعده من المهندسين الأربعة عشر الكبار في العالم في زمنه. ولولا تاج محل وبعض الوثائق الباقية لضاع اسم هذا المهندس المعمار العظيم كما ضاعت سيرته وأخباره وآثاره.
لقد شارك العراق إذن في بناء تاج محل الذي جمع كبار المهندسين من تركيا وقنمار وسمرقند وبخارى وبلخ وبغداد والهند، وإذا كان اعتماد المثمن البغدادي في البناء والتصميم والتفصيل من اقتراح هذا المهندس البغدادي البارع الفاضل –كما قلت- فقد نقل الى التراث المعماري في الهند واحداً من أهم مظاهر الفنون العراقية في العمارة والبناء، وسوف يظل إسمه يتضوع طيباً ويسطع أرجاً ويفوح عرفاً كلما ذكر تاج محل وكلما عدد معاميره ومهندسوه الفحول.
في فلكلور الهند في الماضي أن المرأة الحامل إذا أحست أنين الجنين في بطنها دل ذلك أن الأم لا تبقى حية. شعرت الملكة ذات يوم والملك (شاه جهان) مشغول بالحرب والغارة والطعن أنها تحس أنه الحمل فكتبت اليه رباعية تقول فيها:
هذا وقت الوداع والافتراق
وقد اجتمعت الفرقة والألم
متعت –ياعيني- فترة بجمال الحبيب
اليوم أمطري دماً فانه حين يفترق الاليفان.
قرأ الملك رباعية الملكة المحبوبة فسارع اليها، وطلب أن تفضي اليه بكل ما قلبها، قالت الملكة، وقد ذوى إخضرارها، والمنية قد حان مزارها:
أيها الملك أزف الرحيل ودنا الفراق واقتراب الارتحال. أنا ملاقية الموت وشيكاً، كنت أنيسك وجليسك وأليفك في أيام المحنة والشدة والحبس والسجن. وقد أنعم الله تعالى عليك بالملك، ووهبك من لدنه السلطان والنصر، انا أفارق وكلي لوعة، وأذهب وكلي حسرة، وأغادر وكلي جوى.
وصيتي أيها الملك أمران:
مَن الله عليك بأربعة أولاد وأربعة بنات، وأنا أرجوا ألا يختلفوا بينهم اذا رزقوا أخوة من غيري.
والثاني أن تعمر لي مشهداً يظهر فذاً نادراً ويبدوا عجيباً وغريباً.
وعد الملك ووفى، وحافظ على الوصية ولم يتزوج حتى مات، وإهتم ببناء تاج محل بهياً وضيئاً زاهراً باهراً رائقاً. وقبل الملك محتوم الأمر، ورضى بقضاء الله صابراً لحكمه، ولم يزل تبرح به حرقة الفراق، ويؤرقه وله الحنين، وتضنيه لوعة الصبابة وتكدر عيشه شدة الصبوة، وهو متعلق القلب، مشغول الخاطر، متقسم الفكر متصل الوله، حتى لحق بالحبيب، فدفن في جنبه في مزار تاج محل. (إنتهى الإقتباس)



قد تبدو المعلومة غير مسندة بأدلة واضحة عن دور واجد البغدادي، ولكن ببحث سريع في كتاب (تاريخ فن العمارة العراقية في مختلف العصور) لشريف يوسف، نجد أن الشكل المثمن واضحاً في العديد من المباني العراقية والبغدادية تحديداً كمخطط منارة واسط (المدرسة الشرابية) وفي مخطط القبة الصليبية في سامراء ومخطط الباب الوسطاني (باب الظفرية) في بغداد ومخطط مرقد زمرد خاتون في بغداد.
والمفاجأة الأجمل هي عند كتابتي لأسم واجد البغدادي في محرك البحث (google)، لأجد مغني شاب لطيف يحمل إسم (Wajid Ali Baghdadi)، لست متأكداً إن كان هندياً ولكنه ينتمي بوضوح لشبه القارة الهندية.




وأخيراً لنسأل الله الرحمة لأرواح ممتاز محل وشاه جهان وواجد البغدادي (البغدادي الاصلي) والدكتور حسين علي محفوظ ، وللعاشقين الصبر والسلوان. 









السبت، 11 فبراير 2017

حديث الشيزلونكَ

حديث الشيزلونكَ

أطلق البعض على الراحلة زهاء حديد لقب: ملكة المنحنيات The Queen of the curves
وأنا بدوري أطلقت لقب: ملك الأقواس  The king of the arches
على المعمار رفعة الجادرجي... ليس أي أقواس وإنما الأقواس النصف دائرية.


وبعد رحلتي مع منجزاته، النظرية (كطروحات مدونة في كتبه)، والتطبيقية متحققة في مشاريعه المعمارية، فأنا في موقف واعي منه، معجب في جوانب وغير معجب في جوانب أخرى.
إحدى إعجاباتي تتعلق بمحاولته لترسيخ العلنية والواقعية بالكتابة عن الانسان بكل ما يمتلكه من صفات انسانية ايجابية وسلبية دون تجاوز البعض منها لأسباب تتعلق بإنتماء المعمار لتصنيف انساني معين مثلاً.
 والكتابة عن الآخرين وسلبياتهم سهل جداً، أما الكتابة أو الإعتراف بسلبياتنا نحن فهو موضع التحدي الأهم، والـ(نحن) تصنف الى مستويين: نحن، الفئة الإجتماعية التي ننتمي اليها، ونحن، الانسان الفرد (زيد، عَمر).
لذا نجد أن هنالك من لا يستطيع ولا يستسيغ أبداً الإعلان عن سلبيات الفئة الاجتماعية التي ينتمي اليها (بكافة تصنيفاتها المتنوعة)، وقد يستسيغ الاعلان عنها (السلبيات) داخل الفئة نعم، بينه وبين أفرادها الآخرين، ولكن الإعلان خارج الفئة لأفراد الفئات الأخرى، فهذه خيانة وإضعاف لفئته.
وهنالك من يعلن عن تلك السلبيات ولكنه يضع نفسه (كفرد) خارجاً عنها، فلا يعترف ويعلن عن ممارسته لتلك السلبيات الجماعية.
وبما أن ليس للإنسان دائماً سوى (المحاولة) والنجاح فيها مرة والفشل مرة أخرى، فالحالة السليمة هي محاولة الإعلان عن أنفسنا كأشخاص طبيعيين (خطائين) تشكلت شخصياتنا بواسطة المجتمع الذي نعيشه منذ الطفولة.

علماً أن مقومات نجاح تلك المحاولات هو التخلي أو الإنسلاخ عن الإنتماءات الإنسانية، لأن تلك السلبيات وحتى الشخصية منها قد تنال من الافراد الأخرين ضمن المجموعة، وبهذا تبدأ الضغوط الخارجية على عدم الإعلان والسكوت حتى إشعار آخر. ولعل خير الأمثلة على ما سبق، كتاب (الحلة عاصمة السخرية العراقية المُرة وذكرى الساخرين) لنوفل الجنابي، وكتاب (النجف، الذاكرة والمدينة) لزهير الجزائري، حيث عمل كل منهما على تشريح مدينته التي نشأة فيها، ولكن متى؟ 
بعد أن هاجرها وعاش سنوات طوال خارج قيودها وضغوطاتها.



وهنا يأتي دور السؤال: ولماذا الإعلان؟ ليعرف كل إنسان نفسه جيداً ويسكت، ما الداعي للإعترافات التي تضعف موقفه أمام الآخرين؟
ولعل الفائدة بمستويين أيضاً، الأول لمصلحة شخصية بحتة تحقق الراحة النفسية، يدفع الاشخاص في دول العالم مبالغ كبيرة للأطباء النفسيين من أجل أن يستمعوا لمشاعرهم وهواجسهم في مجتمع غربي يمتاز بالفردية عموماً فلا يريد أحد أن يضيع وقته في الاستماع لمشاكل الآخرين التي لا تهمه من قريب أو بعيد لذا فالطبيب النفسي هو الحل والإجور بالساعة، أما في مجتمعنا العراقي فلا يمتلك الطبيب النفسي كرسي الإعتراف (الشيزلونكَ كما يسمى في مصر) من الأصل، وليس لديه من علاج سوى قائمة طويلة من الادوية التي يجب أن تشتريها من الصيدلية التي تقع أسفل عيادته والا فلا، وفي الطرف الآخر لا نريد أن نكون ثقيلي الظل شكائين بكائين أمام الأصدقاء، لذا اعترافاتنا المكتوبة قد تكون الحل الاسلم للراحة النفسية المفقودة.


أما الفائدة الثانية للإعلان عن السلبيات فهي تصب في مصلحة المجتمع بصورة عامة، من خلال المعالجة العلمية لتلك الحالات ومسبباتها من مشاعر وأفكار، وهذا أحد أسباب تقدم المجتمعات الغربية أيضاً، فأغلب المشاكل الاجتماعية التي لديهم موجودة في مجتمعاتنا المحلية ولكن الفرق هو بتحويلهم تلك المشاكل الى قضايا معلنة مكتوبة يتم دراستها من قبل مراكز البحوث والجامعات ووضع الحلول المنطقية لها، اما (نحن) فنخفي تلك المشاكل بدفنها وعدم الإعتراف بوجودها حتى، فتبقى بدون حل عملي يخضع للتجربة والتصحيح.
القضية هي أننا نمتلك سلاح ذو حدين وهو (التماسك الإجتماعي)، فبينما ننتقد التفكك الغربي والفردانية التي يعيشونها وخروج الإبن من بيت الاسرة بعد الثامنة عشر ودار المسنين كمصير لاغلب الآباء والأمهات، نعاني نحن من القهر الإجتماعي بتأثير الآخرين علينا قسرياً، نتخلى عن الكثير من أحلامنا، نسير بمسارات لا نرغبها نتيجة لخيارات الآخرين ممن يمتلكون سلطة أسرية أو بدنية علينا.
وأختم بصفتين نمتاز بهما:
الأولى: لا نحتمل من يختلف معنا ... والحالة في سياق حديثي حالة طبيعية (كل إنسان يتضايق ممن يختلف معه) ولكن النقاش هنا فيما يترتب عليها فمرة نناقشه، ومرة نبتعد عنه ومرة نستهزئ بذلك المختلف ومرة أخرى نمنعه عن الإختلاف بالقوة ويصل الأمر الى محيه من الوجود.
والثانية: لا نحتمل من يكشف لنا أخطائنا وسلبياتنا ... وهي حالة طبيعية أيضاً ولكن النقاش في مراجعة تلك الأخطاء والتأكد من وجهة نظر الأخرين ومن ثم التغيير إذا كانت هنالك أسباب تستحق التغيير، فالانسان يستطيع تغيير كل شئ في نفسه إذا وجد الأسباب التي تستحق ذلك.
ويأتي دور كاشف الأخطاء في إستخدام كلمات مناسبة غير جارحة إذا كان المستهدف صديق أو زميل، وكلمات لا تذهب به الى المحكمة إذا كان يكشف أخطاء شخصيات أو مؤسسات حكومية.

وعن الصفتين السابقتين فالوقت مثالي لقص حكاية ينقلها لنا زهير الجزائري في كتابه، بعد أن سجله أبوه مدرسة السلام الابتدائية و(التي كانت هدفاً لرجال الدين المحافظين لأنها بنيت بطابوق حكومة عميلة غير معترف بها من قبل المراجع، ولأن معلميها يرتدون زي الأنكليز ويتكلمون بلسانهم) فيقول:
عشنا أياماً كالكوابيس حين أجبرونا في المدرسة على أن نرتدي البنطلون بدلاً من الدشداشة، رجال الدين المحافظين والملالي الذين يدرسون في الجوامع شكلوا فرقاً من طلابهم ومن صبيان الأزقة الذي لم يدخلوا المدارس، ينتظرون خروجنا من المدارس فينسلون لـ(مشاكستنا) نحن طلاب المدارس، لأننا نرتدي البنطلونات الإنكليزية، لم تنفع حمايتنا من قبل الشرطة ولا الطلاب الكبار الذين يكلفهم المدير بحمايتنا، كانوا يرددون حين نمر:
-       أفنطيزي ! أفنطيزي !

جامعين بين الأفندي والــ ..... والإنكليزي.