الخميس، 28 أبريل 2022

غرفتي المستقبلية

 غرفتي المستقبلية


كان جدار غرفة طفولتي يحمل ثلاثة بوسترات ثمينة. الأول لآرنولد من فلم (Terminator). والثاني لـسلفستر ستالون من فلم (Rambo). والثالث لـفاندام الذي دفعني الإعجاب به للتسجيل في كورس صيفي لممارسة رياضة التايكواندو في نادي الكرخ الرياضي. الكورس الذي تركته بعد يوم واحد فقط بسبب المدرب. كان يحمل عصا خيزرانية طويلة ليَضرِب من يُخطئ بأداء الحركات!

بعد السادة أصحاب العضلات تعرّفت بعمر أكبر على بروس ويليس وجون ترافولتا ونيكولاس كيج. لكنني تجاوزت معهم مرحلة البوسترات وملصقات العلكة وإقتصرت على متابعة آخر الأفلام وقصّات الشعر.

في المشهد الافتتاحي لفلم (Knowing) لنيكولاس كيج تفوز الطفلة لوسيندا أمبريه في مسابقة أفضل فكرة لكيفية الإحتفال بيوم الافتتاح الرسمي لمدرسة ويليام دوس الابتدائية. كان ذلك في العام 1959.

تقترح لوسيندا دفن كبسولة زمنية (Time capsule) في باحة المدرسة الأمامية. فتطلب  المعلّمة من كل طفل أن يرسم (كيف سيكون المستقبل؟). توضع الصور داخل الكبسولة، وبعد 50 سنة سيفتحها أطفال من المدرسة ذاتها ليروا ماذا رسم أجدادهم.

ألا يبدو ذلك محمّساً؟ تسأل السيدة تايلور (المعلمة).

لقد أعجبتني الفكرة !


الكبسولة الزمنية

كنت قد كتبت على جدار إحدى غرفي اللاحقة اقتباساً لألبرت أنشتاين يقول فيه:

“Imagination is more important than knowledge”

يعرّف الدكتور شاكر عبد الحميد الخيال بـ(عمليّة يقوم بها الإنسان بإرادته وبكل مرونة، يستطيع من خلالها أن يتجول في عالمه الخاص بواسطة عقله، وتكوين الصور وتحريكها حتى يصل إلى ما يريده).

تَخيّلَ طلبة السيدة تايلور سفينة فضائية وإنسان آلي وكوارث قاتلة!

عندما تسأل أي شخص عن دراسة العمارة سيقول لك: إنها بحاجة للخيال. فكيف إذن كمعماريين أو طلبة نتخيّل العمارة بعد 50 سنة؟

بدأت بتوجيه هذا السؤال على طلبة المرحلة الأولى في قسم هندسة العمارة كل عام تقريباً. ولتحديد أفق الخيال الواسع أصبح السؤال: كيف تتخيل غرفتك الشخصية بعد 50 عام؟ والمطلوب من الطلبة التعبير عن خيالهم بالرسم كما فعل الأطفال في فلم (knowing).

فكرت في أحد الأعوام أن أشتري (جدر ضغط) لحفظ الرسوم بدلاً عن الكبسولة الزمنية، لكن أين سأدفنه؟ سيتخيّل الناس أنه عبوة متفجرة بلا أدنى شك. وبدلاً عن الاحتفاظ بالرسوم لدّي فكّرت أن أعرض أفضل الأعمال هنا (وهنالك أعمال أخرى ممتعة)، فقد تستمر هذه المدونة لخمسين سنة قادمة.

إنقسمت أعمال الطلبة الى قسمين. الأول بالتعبير عن الخيال بالتخطيط اليدوي والقسم الثاني بمعونة قوّة الذكاء الاصطناعي.

قد تبدو خيالات الطلبة واقعية، فالأجهزة الذكية موجودة في الحاضر لكنها بعيدة عن الاستخدام في بيئتنا العراقية وأغلب البيئات العالمية. لكن هل سنعيش مستقبلاً في غرف خيال علمي بغدادية؟

لننتظر 50 سنة أخرى ونعرف. يقول المثّل المصري "يخبر بفلوس بُكرة يبقة ببلاش".  



أساور أحمد



فاطمة عبد الرزاق


صفا نبيل


فرقان محمد


فرح رعد


فرح رعد


زينب أحمد


نرجس قيس


أمير محمد






الأحد، 27 مارس 2022

سكّان بغداد الجدد

 سكّان بغداد الجدد


-       لقد فقدنا رئيس الوزراء.

-       .......

كان وينستون تشرشل حينها مختفياً لتنفيذ نصيحة الملك جورج السادس بالذهاب الى الشعب. يخبرهم بالحقيقة بشكل صريح، فيدعهم يرشدوه بين الحرب والسلام (الاستسلام) في الحرب العالمية الثانية. ركب قطار الأنفاق للمرّة الأولى في حياته. سأل ركّاب إحدى المقصورات:

- إن حدث الأسوأ، والعدو ظهر في سمائنا، ماذا ستفعلون؟

- سنحاربه بأي شئ يقع تحت أيدينا. أجابه أوليفر ويلسون. وعندما سأله تشرشل عن مهنته قال: أنا بنّاء سيدي.

فقال له تشرشل مازحاً:

-قريباً سنكون بحاجة لعدد كبير من البنائين، سوف تزدهر هذه المهنة!

كل ذلك وأكثر في سيناريو فلم (Darkest Hour) الذي دفعتني رغبة التواصل مع شخصية تشرشل لمشاهدتهِ وهو الفائز بأكثر من جائزة أفلام عالمية. لماذا تشرشل بالذات؟ لمقولته التي توثقها الكثير من المواقع الالكترونية:


"We shape our buildings; thereafter they shape us


كتبتها مترجمة على غلاف كتاب (بغداد، قصة هوية)، وأعود لأكتب عنها مرّة أخرى.

أفكّر في بعض الأحيان أنني أتصرف بسطحية ساذجة عندما التقط أي كتاب يتضمن إشارة للعمارة من بعيد أو قريب. في معرض الكتاب الأخير ألتقيت (ماكيت القاهرة)، رواية للروائي المصري طارق إمام. ماكيت (موديل) لمدينة، ومخطط ملون للقاهرة على الغلاف، لم أستطع تجاوزها بالتأكيد حتى مع سعرها المرتفع.

بعد صفحة الاهداء نقرأ إقتباساً لمنسي عجرم:


"الأمكنة تخلق قاطنيها. إن نشأت نسخة جديدة من بيت ستنشأ نسخة جديدة من ساكن"


يقترب المعنى كثيراً من مقولة تشرشل السابقة. علاقتنا بالعمارة علاقة حلقية، نبنيها فتبنينا وتبني أبنائنا فيبنوها مرة أخرى وهكذا دواليك.

ما أثار اهتمامي أكثر بمقولة منسي عجرم عملي في الفترة الماضية على تصميم مسكنين، الأول لقريب والثاني لصديق. الأول على أرض بأبعاد (5*20) متر والثاني على أرض بأبعاد (4.45*21.5) متر.

ليست نسبة الأرض الطولية بجديدة على مدينة بغداد أو مدن عراقية أخرى، لكنها في ازدياد ملحوظ، بل تكاد تكون النسب الوحيدة المتوفرة حالياً في سوق العقارات. في الشارع الذي نسكن فيه تم هدم منزلين قديمين متجاورين، ليتحولان سريعاً الى سبع منازل طولية متجاورة جديدة.

يسكن عدد كبير من الناس تلك المساكن الطولية، وسيسكنها عدد كبير آخر في المستقبل. فإن كانت هي نسخ جديدة من المساكن في مدينة بغداد، فكيف ستكون النسخ الجديدة للساكنين فيها؟

تفرض الأراضي الطولية على المعمار كما نعلم قرارات تصميمية لا مفر منها. ما يزيد من حتميتها متطلّبات الساكنين العراقية. فبينما نجد مساكن بنفس النسب الطولية على شبكة الانترنت تم التعامل معها باسلوب المخطط المفتوح مثلاً. في المستوى الأرضي فضاء واحد مستمر يتم توظيفه حسب الحاجة، زيادة على الارتفاع  المضاعف عمودياً في بعض أجزاء ذلك الفضاء للزيادة من سعة المساحة الأفقية الصغيرة. أما مساكننا فيجب أن تكون غرفة الضيوف أصحاب القداسة في المقدمة ومن ثم المعيشة أو المطبخ ثم الحمام وأخيراً غرفة النوم في الطابق الأرضي. يتم بعدها تكرار تلك الفضاءات في الطابق الأول والثاني وحتى الثالث.

كيف تؤثر تلك المساكن تحديداً على شاغليها؟

هل النوم في غرفة تقع في قعر المسكن يُشعر الانسان بالأمان والابتعاد عن فوضى الشارع ؟ أم يُشعره بالضيق من فضاء لا مفر منه عند حصول أي حادث طارئ يغلق الطريق الى الخارج؟

هل تؤثر الإنارة الطبيعية الضئيلة في الفضاءات على راحة الانسان؟ وهو لا يستطيع تعويض ذلك النقص بالخروج لنور الحديقة التي تم الاستغناء عنها من الأساس.

هل يتغير سلوك الإنسان وهو يعيش في فضاءات متتالية تخترقها ممرات الحركة دون استئذان؟

لا أمتلك إجابات للأسئلة السابقة لأنني لا أسكن مسكناً طولياً على الرغم من كوني أول الساكنين فيه عندما كان يسمى بـ(المشتمل)، وقد أعود للسكن فيه عاجلاً أم آجلا. لكن من المفترض أن تجيب عن تلك الأسئلة دراسات وبحوث علم النفس والعمارة سوية.

ما أنا متيقن منه هو التأثيرات النفسية السلبية للاستغناء عن موقف السيارة الداخلي وتركها مركونة على الرصيف أو الشارع. شعور دائم بالقلق من تعرضها للضرر خاصة مع الاختيارات غير المنطقية للعراقيين. مستأجر لطابق في مسكن طولي يمتلك سيارة بسيطة ... رانج روفر.

قد يسكّن هذا القلق الاستخدام المحموم لكاميرات المراقبة التي لا تمنع الضرر بقدر توثيقه. لكن الشعور بالعدائية تجاه الجيران فلا علاج ولا مسكن له، أصبح ساكني الشارع يقسمون الى مهاجمين ومدافعين عن الفضاءات المتوفرة لركن السيارات.

ساكن أو سكّان في بيت طولي يفتقر لموقف سيارات يهاجمون أي فضاء متاح لركن السيارة في الشارع مهما كان ضيقاً، وسكّان آخرين يدافعون عن الفضاءات المحاذية لمساكنهم غير الطولية.

لا أتكلم من الخيال هنا فأنا قد أكون شخصاً مكروهاً من جيراني سكّان أحد المساكن الطولية المقسم الى ثلاثة شقق عموديا. قبل إنتهاء العمل بالبناء ذهبت الى أحد المشاتل لشراء عوائق كونكريتية راسخة وزعّتها على الرصيف المحاذي لواجهتنا، وبهذا منعتهم من ركن سياراتهم العديدة على ذلك الرصيف. تصرّف أناني وبغيض أليس كذلك؟

أنا أبرره بحجّتين. الأولى سيصبح الرصيف موقف دائم للسيارات، تعيقنا عند استخدام الأبواب الخارجية وتمنعنا من المحافظة على النظافة. أما الثانية فرغبتي أن تشعر مالكة العقار دائماً أن تحويل البيت الضيّق الى شقق مرتفعة وتأجيرها هو إجراء غير قانوني. وأن يشعر المستأجرين أنهم يسكنون في شقق مخالفة للقانون وليس الأمر (عادياً) كما يعتقدون.

أصبحت جميع الشوارع الفرعية مع العوائق الكونكريتية والبلاستيكية أو دونها مليئة بالسيارات. يخاطب ياس خضر الرئيس السابق بالتساؤل:


والشوارع مدري هي من الفرح تحضن الناس، مدري هي الناس من كثر الفرح تملي الشوارع ؟

سيدي شكد أنت رائع سيدي!

 

نعلم أن حال سوق العقارات في المدينة معقد جداً ولم يكن هدف الكتابة مناقشة الحلول لذلك الحال إنما الاستعداد النفسي والعلمي للمستقبل الفوضوي الذي تتجه اليه المدينة وساكنيها الجدد والسابقين.

لم ينتهي الاستشراف بعد. فمن نظرة واسعة لواقع المدينة سنجد أننا باتجاه نسخ متعددة أخرى من ساكني مدينة بغداد. فزيادة على النسخة المتوترة لساكني المساكن الطولية، ستظهر نسخ بغدادية لساكني مشاريع الاسكان الجديدة. كيف ستكون شخصيات وسلوكيات ساكني الاسكان العمودي؟ ماذا سيفرض العيش في شقة على الانسان العراقي؟ وكيف ستكون شخصيات وسلوكيات ساكني الاسكان الافقي المرفّه الراقي؟

 

وكأننا بحاجة الى تصنيفات وتقسيمات جديدة زيادة على ما ورثناه من آباءنا الأولين.

- من يا عمام؟ وين بيتكم؟ بي كراج سيارات؟

 



 

استدراكات:

- بعد أن بكيت متأثراً بمشهد قطار الأنفاق بين ونستون تشرشل والشعب، عرفت أن تشرشل نفسه دعى لاستعمال سلاح الجو البريطاني بشكل مكثف وعنيف ضد المشاركين في ثورة العشرين في العراق. ليس بالقنابل فقط وإنما بالغاز السام أيضاً!  

- وصلت رواية (ماكيت القاهرة) الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). تصفها قناة (كوكب الكتب) بأنها ليست موجهة لقارئ مبتدئ ولا لقارئ متوسطـ بل موجهة لقارئ محترف، بل شديد الاحتراف! نعم إنها رواية معقدة جداً.






الثلاثاء، 18 يناير 2022

سر الشارع

سر الشارع


يقف تمثال الرصافي على منصته المرمرية مستقبلاً العابرين لجسر الشهداء منذ العام 1970. أعادته أنامل النحّات الرائد إسماعيل فتّاح الترك بعد 25 عام على رقودِهِ، وبعد 52 عام أخرى لابد أن الرصافي يشعر بالفضول لما يحصل بالقرب منه ليلاً.

يقصُّ علينا (أوسكار وايلد) قصة تمثال الأمير السعيد وكيف طلب من طائر السنونو أن يحدثه عن عجائب آلام الرجال والنساء في مدينته وغموض البؤس فيها بدلاً عن قصص بلاد العجائب، وأتخيل أنا إتفاقاً مشابهاً بين تمثال الرصافي وخفّاش وحيد إنفصل عن جماعتِهِ لأسباب شخصية.

بعد نهار مليء بالفوضى ومنبهات السيارات يُصاب الرصافي بصداع شديد وألم في عضلات العين. تغيب الشمس، فيعالج هدوء شارع الرشيد عن يمينه وشماله وفضاء الساحة المحيط به تلك الآلام. يختفي المارّة والسيارات المارّة وتصبح أجواء المنطقة الموحشة المعزولة عن حياة المدينة مثالية للتمثال المُرهق.

بعد ليل مليء بالالعاب النارية يُصاب الرصافي بذلك الفضول الشديد، فالشارع عن يمينه بدأ يكتض بالسيارات ليلاً. إستحالة الحركة والالتفات تمنعه من معرفة السبب. يخبره الخفّاش: إنهم الزوار الجدد لشارع المتنبي.

رَكنتْ سيارتي للمرّة الأولى في شارع الرشيد، جوار جامع الحيدرخانة. وجدت المساحة الفارغة بصعوبة، فالسيارات تصطف على الجانبين من ساحة الرصافي وحتى مقهى الزهّاوي وما بعدها. بدأت علاقتي الوثيقة بشارع المتنبي بعد إعادة إعماره من خراب الانفجار العظيم الذي أصابه عام 2007. صباح الجُمعة مميز في روتيني الأسبوعي، أعود منه متحمساً لإكتشاف ما عثرت عليه من الكتب والمقتنيات. لكن زيارته بعد الغروب لها نكهة جديدة مختلفة عن زيارات الصباح. زواره مختلفون أيضاً. عائلات بجميع أفرادها من النساء والرجال والاطفال أو مجاميع من الشباب القاصدين للشارع القديم الجديد.

شارع المتنبي، بغداد

يُمكن عَدّ المكتبات المفتوحة على أصابع اليد الواحدة وتتبقى أصابع لعدّ بسطات الكُتب التجارية أيضاً. لم يمنع ذلك الزوار من الحضور للاستمتاع بعَمارة الشارع والتقاط الصور، الكثير من الصور. أمسى الشارع أستوديو أو موقع تصوير كبير، للهواة والمحترفين، لتصوير الناس والكتب والسيارات!

هذا ما يدفعنا للبحث عن المؤهلات التي إكتسبها الشارع حديثاً ليناسب تلك الوظيفة الجديدة. وظيفة جديدة؟ لا اعتقد أنها جديدة لكون الشارع موقعاً للتصوير منذ شيوع الكاميرات الرقمية في الهواتف النقالة أو الكاميرات الرقمية الاحترافية. الجديد هو تحوله من موقع تصوير صباحي الى صباحي مسائي، وتحول ثيمة الصور من الاهتمام بالفرد العراقي وهو يبحث عن المعرفة وسط فوضى المدينة الى الاهتمام بالفرد وهو يتواصل مع العَمارة الجميلة للمدينة الآمنة.

للإجابة عن سؤال (ماهو الشئ الجميل؟) يقول أوسكار آخر (أوسكار برينيفييه): (يميل معظم الناس الى إعتبار الأشياء المثالية والمتناغمة واللانهائية جميلة). وتلك هي الصفات التي إقترب منها الشارع مؤخراً. إختفت الأسلاك الكهربائية من مشهد الشارع وتُركت العناصر المعمارية للمباني واضحة دون تشويش.(35) مبنى تجاري شملته حملة التأهيل التي حرص منفذوها على تحقيق التناغم (الانسجام) بين تلك المباني. يعرّف الانسجام إصطلاحياً بوجودة عناصر أو صفات مشتركة (متشابهة) بين الأشياء، وتوجد تلك التشابهات في أصل الشارع، كالأعمدة المستمرة، الأقواس بأنواعها، الطابوق الجفقيم كمادة إنهاء.

أظهر التأهيل تلك العناصر بصورة أفضل وزاد من التشابهات في الشارع. إختفت اللوحات التعريفية والإعلانية المبعثرة للمكتبات والمحال ليستدل الزائرين على وجهاتهم بعناوين محفورة على عنصر معماري موحّد يحمل العنوان ويخفي خلفه الأبواب الستائرية المنزلقة. زيادة على تشابه وحدات الإنارة المعلّقة أو الموجّهة على طول الشارع، والصناديق المُزخرفة التي تخفي وحدات التبريد الخارجية.

الانسجام، الاستمرارية، الايقاع، تؤدي بالنتيجة الى (وحدة) المشهد في الشارع ليلاً فيجذب جماله الزوار لإفتقار المدينة بأكملِها الى شارع بنفس تلك الصفات.

يتحدث (آلان دوبوتون) في كتابه (عَمارة السعادة) وكأنه يصف شوارع بغداد: (نجد كُثرة من الشوارع قررت عناصرها المكونة ألا تلقي بالاً الى مظهر جيرانها بل راحت تزعق مطالبة الناس بالانتباه اليها مثلما يفعل عشّاق أصابتهم الغيرة وأستبد بهم الغضب). عناصرها المكوّنة أي بيوتها أو بناياتها التجارية التي لا تشترك باي صفة لتحقيق الانسجام المطلوب. بل تتنافس في الإقتراب من حدود الشارع وقد تلتهم الرصيف وتتنافس في الإرتفاع وفي التصميم العجيب الغريب، وكل ذلك بفعل فاعلَين: صاحب المبنى ومعماره إن وجد أو من يقوم بعملية البناء. بغياب دور ذات الجهة المشرفة على تأهيل شارع المتنبي والمسؤولة عن تحقيق انسجام شوارع المدينة بتطبيق المحددات البنائية التي أقرتها الأنظمة والقوانين العراقية.

يصف (دوبوتون) بالمقابل أحد شوارع باريس بالقول: (على الرغم مما في العالم من خلاف وإضطراب، نجحت هذه المباني السكنية في تسويهة إختلافاتها وفي الانتظام طائعة ضمن صف متكرر لا تشوبه شائبة. يمثل مشهد الدقّة هذا في عين الزائر أو في عين ساكن ذي حساسية إنطباعاً جمالياً متصلاً اتصالاً وثيقاً بخصائص الانتظام والتماثل).

شارع كريميو، أكثر شوارع باريس ظهوراً على إنستكَرام

يلخص لنا الفيلسوف البريطاني الدرس من النوعين السابقين من الشوارع: (يقدم لنا هذا الشارع المنظم درساً في منافع التخلي عن الحرية الفردية من أجل مسعى جمعي أعلى تصير فيه الأجزاء كلها شيئاً أعظم مما كانته عن طريق مساهمتها في الكل).

أنا بدوري أنصح جميع المعماريين لزيارة شارع المتنبي ليلاً لمراجعة ذلك الدرس وحفظه لحين عودة الروح للجهات التنظيمية البغدادية، لأن أنانية الإنسان ورغبته في التميز ستمنعه من التفكير الذاتي بالانسجام مع المجاورات وإحترامها.

نواجه في هذا السياق سؤالاً منطقياً، (ماذا إن كانت المباني المحيطة بالمبنى الجديد قديمة أو قبيحة والمعمار يرغب بتصميم مبنى جميل معاصر؟ لمن يحترم ومع من ينسجم؟ وفي ذلك تأثير على تحقيق جمالية مبناه). أضعف الإيمان الحفاظ على المحددات التنظيمية كمسافات الإرتداد عن الشارع وارتفاع الطوابق وبعض العناصر أو المبادئ التصميمية البسيطة. لكننا نعلم أن المعمار لن يفكر بذلك الانسجام إلا بالإكراه وهذا ما يحصل في (اوربا والدول المتقدمة).

ليس سراً ما يجذب الناس الى شارع المتنبي ليلاً، إنها الوحدة المعمارية التي يفتقدونها في بغداد. وعلينا الحرص لتحقيقها دوماً في أعمالنا القادمة. كما علينا الحرص أيضاً على عدم شرب المياه بكُثرة قبل زيارة شارع المتنبي في ليالي الشتاء الحالي. لأن الشارع يخلو من الحمامات الصحية. وللمحتاج تواليت صغير وحيد مجاور لموقد مقهى الشابندر والدخول اليه بالدور بين النساء والرجال. 





الاثنين، 19 يوليو 2021

المعمار المتسلسل

 المعمار المتسلسل


القاتل المتسلسل هو من يرتكب عمليتي قتل أو أكثر، كاحداث منفصلة، لإشباع رغبات نفسية غير طبيعية.

وبين العنوان والاستهلال لا أحاول مناقشة علاقة المعمار بفعل القتل، على الرغم من حضور تلك العلاقة في الفلم الأمريكي (The House That Jack Built). لكنني سأحاول مناقشة مفهوم (الإسلوب).


يقول جورج دي بوفون "إن الإسلوب هو الإنسان، ومعنى ذلك أن الإسلوب هو الصيغة أو التأليف الذي يرسم خِصال المرء وسجاياه، والمذهب الذي يذهبهُ كلُ واحدٍ من الكتّاب في التأليف بين ألفاظهِ وصوره".

 من خبرتنا الهوليودية نعرف أن الامساك بالقاتل المتسلسل يتم عن طريق تشخيص إسلوبهِ بالقتل، كيف يختار الضحايا؟ لماذا؟ أين؟ كيف يتقرّب منهم؟ كيف يتخلّص منهم؟ بعد معرفة الاجوبة يتم تحديد شخص القاتل والقبض عليه قبل جريمته التالية.

هل الإسلوب مهم للمعمار؟ يُنشئ طريقته الخاصة للتعامل مع الأشكال المعمارية، فيستطيع الناس، تحديد شخصه عن طريق معرفة إسلوبه في التصاميم التي يرونها في الواقع أو على الشبكة.   

من الغرب الى الشرق، فرانك لويد رايت، فرانك جيري، لو كوربوزيه، زهاء حديد وكينزو تانج وغيرهم الكثير من المشاهير، لكل منهم إسلوب خاص، ولولا ذلك الإسلوب لاصبحوا كغيرهم من المعماريين الآخرين ولم ينالوا شيئاً من الشهرة.

دور الإسلوب في كشف الإنسان نقمة على القاتل ونعمة على المعمار.

كيف يصل المعمار الى إسلوبه الخاص؟ هذا نتاج بحث في عمارة الماضي وفهم الحاضر وإستشراف المستقبل، ثم تحويل نتائج البحث والفهم والاستشراف الى تصاميم معمارية فتأتي مرحلة نقدها من قبل المختصين والاستفادة أخيراً من ذلك النقد لتطويرها. لعل أفضل من يشرح لنا كيف قام بكل ذلك هو المعمار رفعة الجادرجي. وقد حاز تلك الافضلية لتدوينه جميع ما مر به على صفحات كتب عديدة ألّفها وبقيت بعد ذهابه.

من العنوان والقتل أيضاً، سأحكي لكم اليوم قصّة (السطوح المتسلسلة). نبدأ من بحث الجادرجي وإستخدامه لها ضمن إسلوبه المميز لننتهي بنظرة لمستقبل العمارة، والهدف تمكين الطلبة والمعماريين الشباب من الخطوات الاولى تجاه بناء إسلوبهم التصميمي الخاص.

ينطلق الجادرجي في بحثه من دراسة العلاقة بين تحقيق الجمال وبين المتطلبات الانشائية في العمارة القوطية، حيث يكتشف أنها علاقة ديناميكية تتجسد في دعامات الحائط والدعامات الحجرية الطائرة. فهي تستخدم لإيصال ثقل السقف إلى الأرض وكذلك في تقطيع الفضاء الداخلي ومن ثم تحقيق مبادئ التكرار والإيقاع وبالتالي جمال الوحدة في تكوين الكنيسة القوطية.



يوظف الجادرجي تلك الفكرة في مبانيه، وتظهر بوضوح في مبنى بدالة السنك ومصرف الرافدين فرع المنصور في بغداد. مع إختلاف مادة البناء وتأثير ذلك على سُمك تلك (الدعامات) وتحولها من حجوم حجرية الى شبه سطوح من الكونكريت أو الطابوق.

إعتمد الجادرجي في تصميم تكوين مصرف الرافدين على تلك الجدران المتعددة المتوازية (السطوح) والتي تمتد للخارج. فتحقق باختلاف المسافات بينها وباختلاف نسب الاقواس داخل تلك المسافات مبدأ الايقاع في التكوين وبالتالي تحقيق الوحدة بالإيقاع كما حصل في العمارة القوطية.

بدالة السنك 

بدالة السنك

مصرف الرافدين فرع المنصور

ننتبه أن تلك الجدران أو السطوح هندسية منتظمة، وهنا ينتهي جهد الجادرجي ويأتي بعده جهد نقّاد العمارة. يقول التشكيلي شاكر لعيبي في كتابه (المعماري والرسام): "في مبنى البنك (مصرف الرافدين فرع المنصور) ثمة حِوار بين هذه الجدران العمودية الخارجية بخطوطها المستقيمة وشكلها الهندسي الصارم المهيب وما يجاروها من فتحات (الاقواس) ذات الخطوط المنحنية، الإثنان مبنيان بمادة الطابوق التي تمنح الوحدة والحميمية". (انتهى الاقتباس) أي أن الجادرجي حاول خلق التعارض بالشكل مع الحفاظ على صفة مشتركة وهي خامة البناء الطابوقية لتحقيق الوحدة او الهارموني بين عناصر التكوين.

السطوح المتسلسلة ليست إكتشاف جادرجي، وإستخدامها لم يقتصر عليه وحده، بل نجد التنظير لها في مصادر معمارية قديمة وجديدة، في كتاب (Principles of Three Dimensional Design) للفنان الصيني (Wucius Wong) يعتبرها إسلوب لإنتاج الحجوم ثلاثية الابعاد، ويشرح كيفية إستخدامها لإنتاج التنوّع. كان هذا عام 1981، أما في عام 2016 فنجد التنظير للسطوح المتسلسلة في كتاب (The Fast Guide to Architectural Form)  للمعمار الايطالي (Baires Raffaelli)، وتسميتها (Multiplanar)، مع شرح لكيفية إستخدامها أيضاً في تحقيق الوحدة للتكوين.

لا نجد في المصدرين السابقين إشارة الى قضية مهمة، وهي أن المنحنيات (Curves) أصبحت ظاهرة العمارة المعاصرة وحتى المستقبلية. لنكتب (Future Architecture) على محرك البحث (Google)، سنجد أن الخطوط والسطوح والحجوم المنحنية والعضوية في كل مكان. هذا ما ألقى بظلاله على السطوح المتسلسلة أيضاً. فبدلاً عن خلق التعارض كما فعل الجادرجي أصبح المعمار يستخدمها لخلق مبدأ التحول العضوي في الحجوم المعمارية.

هنا لابد من الإشارة الى خصوصية عراقية، فمع الصعوبات التي قد تواجهنا كمعماريين في كيفية رسم الحجوم العضوية أو المتحولة حاسوبياً، ومع الصعوبات التي تواجه المنفذين (البنائون، النجارون وغيرهم) في كيفية تنفيذ تلك الحجوم، تأتي السطوح المتسلسلة كحل مناسب لكلا المشكلتين وتسهيل إنتاج عمارة عضوية معاصرة أو مستقبلية.

لا زلنا لم نتحدث عن المستقبل.

إن كان الجادرجي أو طلبة العمارة قد إستخدموا السطوح المتسلسلة في تصاميمهم عن طريق التخطيط باليد ومن ثم تنفيذ (رسم) التخطيط بأحد البرامج الحاسوبية، فإن المستقبل (في العراق على الأقل) سيوفر لنا البرامج الحاسوبية التي تساعدنا على (تصميم) وليس (رسم) حجوم عضوية جميلة وبإستخدام السطوح المتسلسلة سواء كانت عمودية أو أفقية. وهذا هو عالم التصميم البارامتري (Parametric Design) الذي دخلنا اليه بخجل في العراق، ونتمنى أن نتعمق فيه مستقبلاً.


هذه القصة كان أبطالها هذا العام طلبة المرحلة الاولى في الجامعة التكنولوجية، وذلك عن طريق إجراء تمرين يتلخص باستخدام السطوح المتسلسلة، لتصميم مجسّم يتصف بالتحول الذي ينتج عن التلاعب بموضع السطوح او توجيهها او الحذف والاضافة منها واليها، على أن تتم تلك الاجراءات التصميمية بشكل متدرّج.

كانت نتاجات الطلبة متنوعة وجميلة، ونتمنى أن تُثمر اساليب معمارية أجمل.

 

نور احمد خليل

زهراء حمدي مهدي

غادة ليث ابراهيم

رحمة عبد جهاد

زيد خالد جاسم