الثلاثاء، 11 يونيو 2019

العمارة المميتة


سرديات الفضول

سلسلة تعتمد دافع الفضول في التحري عن الثقافة المعمارية في مجالات السينما والفن والادب

-2-

العمارة المميتة

في بداية استخدامنا للكومبيوترات كان للفيروسات شأن تخريبي عظيم، لتتطور بعدها البرامج المضادة ومن ثم حماية انظمة التشغيل ولم يعد يهمنا الامر كثيراً.

سمعت بــ(Chernobyl) لاول مرة مع ظهور فايروس يحمل ذات الاسم في اواخر التسعينات، يختصر وأنا أقرأ عنه الآن بـ(CHI) وهو من تصميم التايواني (Chan Ying Hao) وكان يصيب نظام (Windows) باضرار بليغة.

ونسمع حضور الاسم اليوم بقوة مع انتاج المسلسل (الامريكي/ البريطاني) (Chernobyl).


المسلسل يتضمن خمس حلقات فقط تلخص احداث كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل النووي في اوكرانيا عام 1986.

يمكننا ان نحاول التجرد من تأثير الصراعات السياسية، ومن ثم نحاول ان نخلق وعياً بان كل عمل سينمائي او تلفزيوني بحاجة الى عناصر فنية غير موجودة في الواقع، لنستمتع اخيراً برؤية المسلسل والاهم استخلاص التجربة المعمارية في الحادث الذي يناقشه وارتباطاته المتنوعة.


نستطيع بناء صورة اولية عن التصميم المعماري للمفاعل النووي والطريقة التي يعمل بها، حيث تتضمن الحلقة الخامسة والأخيرة شرحاً علمياً واضحاً وبسيطاً لطبيعة التفاعلات المولدة للطاقة والاسباب العلمية للكارثة، زيادة على السبب الانساني متمثلاً باخطاء الموظفين حينها.


يسكن موظفو المفاعل في مدينة (Pripyat)، والتي صممت خصيصاً لهم، وتبعد كيلومترين فقط عن المفاعل. تسمى اليوم مدينة الاشباح لانها اخليت بعد الحادث مباشرة ولم يسمح لاحد البقاء فيها وقد تعرض الكثير من سكانها لمشاكل صحية خطيرة بسبب الاشعاع الناتج عن الحادثة.
المفيد معمارياً هو الصور المعاصرة للمدينة بعد 33 عاماً من اخلائها وآثار ذلك على المباني وعلى البيئة الطبيعية المحيطة بها، وتذكرنا بافلام الرعب والخيال العلمي وتم استغلال ذلك في جعلها مسرحاً من الالعاب الالكترونية. وتُنظم حالياً جولات سياحية قصيرة فيها.




للفن دور في تخليد ذكرى رجال الاطفاء الذين حاولوا اخماد الحريق في الساعات الاولى ومن ثم رجال حفر المناجم الذي منعوا حدوث انفجارات لاحقة اكثر ضرراً من الاولى، وجميع الرجال الذين عملوا على معالجة الموقع لاحقاً.
Chernobyl Nuclear Power Plant
 The monument commemorating those who lost their lives in the Chernobyl

Memorial to emergency workers
 who tackled the disastrous 1986 explosion at the nuclear reactor in Chernobyl
Monument to Liquidators of the Chernobyl accident

وتكللت جهودهم اخيراً عام 2018 بتصميم وتركيب اكبر هيكل متحرك في العالم، والذي تجسد بقبة او عقد حديدي تم تركيبه في الموقع والذي غلف المفاعل تماماً وهو كفوء لمنع تسرب الاشعاعات لمئة عام قادمة تقريباً.




ان عبارة الافتتاح للمسلسل هي: كم تكلّف الاكاذيب؟

للاشارة الى اخفاء السوفييت حجم الكارثة خوفاً من لوم التقصير والاهم صورة الاتحاد السوفيتي امام العالم وامام المنافس في الحرب الباردة الولايات المتحدة الامريكية، والواقع ان اغلب الانظمة وحتى المؤسسات الصغيرة او العائلات او الافراد يحاولون اخفاء حجم اخفاقاتهم وفشلهم، ولكن ما يختلف هنا ان اخفاء حجم المشكلة يؤثر على حياة آلاف الناس وعلى الكرة الارضية بصورة عامة، امام اذا كان اخفاء الفشل لا يؤثر على احد فاعتقد ان الامر مختلف وفيه نقاش آخر.













الاثنين، 10 يونيو 2019

102 سنة عمارة


سرديات الفضول

سلسلة تعتمد دافع الفضول في التحري عن الثقافة المعمارية في مجالات السينما والفن والادب


-1-

102 سنة عمارة

God Created Man. Man Created Immortality

هذه هي العبارة التي يُعرّف بها الفلم الامريكي (Self/less).

الفلم انتاج عام 2015 وبطولة (Ryan Reynolds) و (Ben Kingsley).


وبعد 116 دقيقة نجد ان الفلم يعتمد على رؤية علمية مستقبلية، نجدها واضحة في مقال:

(What Happens When We All Live To 100
لكاتبها (Gregg Esterbrook) والمترجمة في مجلة الثقافة العالمية عدد (يوليو-اغسطس 2018(.

حيث يشير المقال الى "ان فرق بحثية منفصلة في جامعات هارفرد وستانفورد وجامعة كاليفورنيا بسان فرانسسكو أفادت بأن نقل الدم من فأر في سن المراهقة الى فأر عجوز متهالك يأتي بنتيجة تجديدية على الأخير. لكن عندما نفكر في قيام ثري عجوز بشراء الدم من شاب فقير نجده امراً بشعاً بكل المقاييس".

ولأن الفلم والمقال يناقشان اطالة عمر الانسان، فكاتب المقال يحيلنا الى الفضاءات التي تحتوي الجهود لتحقيق ذلك، "على تل وارف في مقاطعة مارين بولاية كاليفورنيا-المنطقة التي يؤوي اليها محبو موسيقى الجاز، وتشتهر بغابات الاشجار العملاقة ذات الخشب الحمر، يقع معهد (Buck Institute) وهو اول مرفق بحثي خاص مستقل يتخصص في اطالة عمر الانسان منذ العام 1999، والحق ان معظم الامريكيين لم يسمعوا ابداً بمعهد باك، لكن في يوم من الايام سيكون هذا المكان مشهوراً جداً".



وبعد هذه النبوءة الواثقة للكاتب يصف تجربته في زيارة المعهد وطبيعة الباحثين فيه:

"الباحثون في معهد باك يتصفون بالنحافة، مشاكل البدانة التي يعاني منها المجتمع، لا يوجد لها أثر هناك، فالجميع يستخدمون السلالم، والمصاعد مخصصة للزائرين فقط. وقد قابلت بعض الباحثين على الوجبة الخفيفة في غرفة اجتماعات من الزجاج والكروم، وكانت الوجبة تتسم بزهد بالغ، ماء وساندويتش صغير مع الخضر".


ان مصمم هذا المبنى المستقبلي هو المعمار (Ieoh Ming Pei) والمشهور اختصاراً بـ(I.M. Pei) واذا اردنا التعريف عنه فيكفينا ان نقول: هو مصمم الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر في باريس.


هل هذا هو مشروعه الافضل والانجح؟
بالتأكيد لا، فله العديد من المباني التي نعرفها بصرياً ولكننا نجهل مصممها، ولا اعلم لماذا لم ياخذ المعمار من السمعة والمعرفة في مدرستنا المعمارية على الرغم من انجازاته ومكانته في العمارة العالمية. ونتائج البحث على الشبكة تفيض بما نريد ان نعرف عنه.

ولنتخيل ان المعمار قد اشترط في عقد تصميم المبنى ان يخبره الباحثين بسر اطالة العمر! فقد عاش 102 عام مليئة بالمنجزات، حتى انه صمم متحف الفن الاسلامي في الدوحة بعد عامه الثمانين.


وتوفي قريباً بتأريخ 16 May 2019 بعد ان اخبرنا:

" ان الحياة هي العمارة، وان العمارة هي مرآة للحياة"















الجمعة، 3 مايو 2019

الحوار الاخير في المثلث والـ (T square)


الحوار الاخير في المثلث والـ (T square)

هل سمعنا يوماً من معمار (لا يُجيد) استخدام برامج التصميم والاظهار المعماري الحاسوبية وهو يقول: ان طالب العمارة من الممكن ان يتعلم التصميم المعماري باستخدام تلك البرامج مباشرة دون المرور بمرحلة الرسم بالطرق اليدوية التقليدية؟
وهل سمعنا يوماً من معمار (يُجيد) تلك البرامج او (يحترفها) وهو يقول: ان طالب العمارة من الضروري في المراحل الدراسية الثلاثة الاولى ان يتعلم التصميم المعماري باستخدام الطرق اليدوية التقليدية ثم يبدأ باستخدام البرامج الحاسوبية بعد تلك المراحل؟

لنفكر قليلاً بإعداد احصائية افتراضية بأولئك المعماريين...
سنجد ان (اغلب) المدافعين عن طرق الرسم اليدوي التقليدي هم ممن لا يجيدون العمل على البرامج الحاسوبية المعاصرة.
وان (أغلب) المدافعين عن استخدام البرامج الحاسوبية هم ممن يجيدون العمل على تلك البرامج.
انا استخدم كلمة (اغلب) لان هنالك حالات مخالفة بكل تأكيد.
وانا اعتقد اننا ندافع عن المهارة التي نمتلكها فقط او عن الطريقة التي تعلمنا بها العمارة، دون النظر الى المستقبل.

كيف يعرف من لم يستخدم البرامج الحاسوبية ان استخدام تلك البرامج لا يعطي الاحساس الحقيقي بالمقياس الانساني؟
هل جرب العمل بها بنفسه واكتشف ذلك؟ ام انه اطلق ذلك الحكم عن طريق مراقبة وتقييم نتاجات الآخرين الذين يعملون على تلك البرامج؟
وفي هذه الحالة من قال ان المشكلة تقع في تلك البرامج تحديداً؟
قد تكون المشكلة في المستوى المعماري لذلك الطالب او المعمار الذي يستخدمها؟ او قد يكون ذلك الطالب لم يتقن استخدام جميع ادوات تلك البرامج؟

كل تلك الاسئلة هدفها (التشكيك) فقط لأننا لا ننظر في الحكم على ثنائية (اليد-الحاسبة) بطريقة عملية.

ولمحاولة تأسيس نظرة عملية (اولية) يجب ان تكون الخطوة الاولى هي التمييز بين (التخطيط الاولي- sketch) وبين (الرسم الهندسي-  technical drawing).

فالتخطيط الاولي- sketch : هو استخدام الاقلام بمختلف انواعها بواسطة اليد المجردة للتعبير عن الافكار المعمارية بمخططات اولية على الورق. ويعرّف ايضاً بانه "اي طريقة اولية لاستكشاف كيفية انتقال الافكار المعمارية من العقل الى التمثيل المادي"، لذا قد يكون بواسطة مجسمات اولية ايضاً وليس الرسم فقط.

تخطيط اولي لاحد طلبة المرحلة الاولى قسم هندسة العمارة الجامعة التكنولوجية
2018-2019

اما الرسم الهندسي-  technical drawing : فهو استخدام الاقلام والادوات الهندسية (المثلث والمساطر بانواعها) وبواسطة اليد ايضاً، للتعبير عن الافكار المعمارية بمخططات دقيقة على الورق ايضاً.


اما الخطوة الثانية فتتمثل بضرورة ادراك، هل ان النقاشات بثنائية (اليد-الحاسبة) هي نقاشات محلية فقط ام عالمية؟
دقائق يستغرقها بحث بواسطة صاحب الفضل (Google) تجعلنا نستنتج انها نقاشات عالمية حامية.

الخطوة الثالثة، هي التصريح بأن المعمار الذي يقول ان استخدام اليد في العملية التصميمية (غير مهم) فهو يبتعد عن الحقيقة كثيراً، استخدام اليد مهارة اساسية يجب على طالب العمارة والمعمار ان يطورها لديه. حيث يجب عليه ان يعرف كيف يترجم افكاره من الخيال الى صيغة مفهومة ومرئية من قبل الآخرين ودون الحاجة الى المساعدة من قبل الحاسبة.
 وهنا نتذكر الحُجة الي يحاجج بها احد الطرفين( اذا كان المعمار في موقع العمل ولا يمتلك الحاسبة او واجه مشكلة في تشغيلها فكيف سيوضح للمهندس المدني او المقاول او العمال ما يريده منهم؟).

معمار برازيلي

هنالك الكثير من المصادر العلمية والفنية التي تؤكد اهمية استخدام اليد، وقد يطول الحديث في حال الاقتباس منها، بين يدي الآن:
Fundamentals of Graphics Communication
 Steal like an Artist
ولكن هل نجد في تلك المصادر ذكراً لضرورة استخدام اليد للمثلث والمسطرة (T square) والادوات الهندسية الاخرى؟ ام اليد وحدها كافية في تلك المهارة المعمارية؟

سأجيب انا: اغلب المصادر المعاصرة التي تتحدث عن اهمية استخدام اليد هي تتحدث عن اهمية التخطيط الاولي (sketch) وليس عن اهمية الرسم الهندسي (technical drawing).


قبل فترة سألتني احدى الطالبات عن مدى حاجتها لبورد زجاجي تقول احدى قريباتها انها سوف تحتاجه في المستقبل، كنا نسميه سابقاً (بورد الطبع) وهو يعيد لي ذكريات ليالٍ مؤلمة للظهر، بعد ان نقدم التقديم قبل النهائي مثلاً فاننا ناخذ ملاحظات الاساتذة عليه ونعدّل على المخططات مباشرة ثم نضعها على البورد الزجاجي ونضع فوقها الورقة الجديدة (وسئ الحظ من يستخدم الالوان المائية لانه سوف يطبع على الكانسن السميك) ثم نضع مصدر ضوئي تحت الزجاج فتظهر الخطوط القديمة على الورقة الجديدة ونبدأ باعادة الرسم.

قلت للطالبة: لن تحتاجي لذلك البورد قطعاً.

موديل متطور جدا لاننا كنا نستخدم غالبا قطعة من الزجاج على مساند حديدية
لمنضدة المنزل 

لما لا نستفيد من التكنولوجيا المعاصرة؟
لما لا نستفيد من الوقت الهائل الذي توفره الحاسبة لانجاز مهام اخرى او لاكتساب مهارات اخرى؟
(نعم، اعلم جيداً ان الواقع يقول ان الوقت الذي نوفره لا يوظفه اغلب الطلبة كما افترضت سابقاً وتلك مشكلة تتعلق بالتطبيق وليس بالفرضية فالطالب المجتهد سوف يستفيد منه وطالب اخر يستهلكه على فيسبوك وغيره).

ان جميع القضايا والمهارات التي يدافع عنها انصار الرسم باليد (technical drawing) من الممكن ان يتم تطبيقها عن طريق التخطيط الاولي (sketch).

مقياس انساني؟ ندع الطالب يخطط مخططات اولية تتفاعل مع المقياس الانساني.
تفاصيل معمارية؟ ندعه يخطط تلك التفاصيل المعمارية.
واجهات، مقاطع، كل ما نريد تحقيقه في المنهج الدراسي يتم عن طريق التخطيطات الاولية، بعد ذلك نستخدم نعمة رب العالمين علينا (التكنولوجيا) بكل ما توفره من دقة وسرعة وسهولة التعديل والاظهار المبهر. لسنا بحاجة لاستخدم الادوات الهندسية (علماً انني احتفظ بكل ادواتي القديمة واستخدمها في الاعمال اليدوية كصناعة المجسمات والاعمال الفنية).

تقسيم استوديو العمل الى جزء مختص بالتخطيط الاولي والعمل اليدوي
وجزء مختص بالحاسبة وملحقاتها

ان الحوار في الثنائية السابقة قد يتطور كثيراً بعد ان نفتح بوابة التصميم البارمتري في المستقبل (parametric design)، يُعجب اغلبنا بالاشكال المنحنية الحرة والتي تأخذ اشكالها من الطبيعة والتوجهات الايكولوجية المعاصرة، ثم يبدأ الطلبة بالتأثر بها وتقليدها فتنتج اشكال اخطبوطية مشوهة، هل تعلمون لماذا؟ لان تلك الاشكال لا يمكن تشكيلها وتنفيذها الا بواسطة الحاسبة، فالبرامج اساسية في عملية التصميم نفسها وليس عملية الرسم والاظهار فقط.

لنفكر بالمستقبل، فنحاول التوجه اليه بخطى واثقة ونستعمل يدنا في التخطيط دائماً ونشتري ادوات هندسية لاننا سنحتاجها ولكن ليس في الرسم الهندسي.









الخميس، 25 أبريل 2019

رابع جار


رابع جار

لقد كانوا جميعاً بانتظار تلك اللحظة، اللحظة التي ستنتهي فيها اعمال البناء في المنزل المجاور لهم. عام وعشرة اشهر وثلاثة عشر يوماً من الازعاج المتواصل.

استيقظ هادي صباح احد الايام على صوت محرك لرافعة شوكية وتوجيهات بصوت مرتفع في الشارع. وجد زوجته بجانبه على السرير وهي تتصفح هاتفها المحمول:
-        ماهذه الاصوات المزعجة؟
-        لا اعلم لقد ايقظتني انا ايضاً، اخرج لترى ماذا هناك.

عندما فتح الباب المطل على الحديقة باغته الهواء المثقّل بكمية كبيرة من ذرات الغبار، وعندما فتح الباب المطل على الشارع، باغته منظر المنزل المجاور وقد فقد عدداً من جدرانه.
كان منزلاً متواضعاً وبطابق واحد، وقد اصبح متهالكاً وبشقوق واضحة على واجهته مع مرور الزمن، جدرانه وسقفه مشيدة بالطابوق فقط وهي الطريقة التقليدية في بناء البيوت العراقية قبل استخدام الكونكريت المسلح في صب الاسس والسقوف والارضيات.
لم يكن سائق الرافعة يبذل جهداً كبيراً في عمله، فبمجرد ان يدفع بذراعها الهايدروليكي احد جدران المنزل حتى يتهاوى سريعاً ويتحول الى تلّة من الطابوق.

منذ ذلك اليوم واعمال بناء منزل جديد في مكان القديم متواصلة، حتى خلالعطلة نهاية الاسبوع، وهذا يعني الاستيقاظ صباحاً على اصوات العمال وادوات البناء، ومحاولة نوم قيلولة بعد الظهر على نفس تلك الاصوات.

 كان هادي يراقب تطور البناء يومياً اثناء خروجه في الصباح واثناء عودته الى المنزل. بدأً من اعمال تسليح الاساس الذي لم يعد ينفذ كما يتذكره هادي عندما اشرف على بناء منزله، كانوا يقومون بحفر الارض لايام طويلة وعلى شكل خنادق اسفل اماكن الجدران حتى يصلوا الى عمق متر كامل، اما اليوم فان الاساس الكونكريتي يقع فوق مستوى سطح الارض وهو يغطي كامل مساحة البناء. راقب هادي جدران الطابق الارضي وهي ترتفع عن الارض، ثم جدران الطابق الاول، ثم جدران الطابق الثاني، ثم الثالث!
لقد تحول المنزل ذو الطابق الواحد الى برج من اربع طوابق ينتصب وسط المنازل المنخفضة. وبدلاً عن عائلة واحدة سيسكنه اربع عوائل جديدة، في كل طابق شقة لاحدى العوائل.

استيقظ هادي صباح يوم الجمعة على اصوات مختلفة، اشياء تسحب على اسطح معدنية، اشخاص ينادون بعضهم بعضاً. لم تكن لديه النيّة لتفقد الامر بعد ذلك الازعاج المتواصل لاعمال البناء. لم يعد يشعر بالفضول او حتى الرغبة بمراقبة العمال خوفاً من ان يتسببوا لمنزله بالضرر.
-        لقد بدأ السكنة الجدد بنقل الاثاث لشققهم.
قالت زوجته بعدم اهتمام وهي تدخل الغرفة لتاخذ بعض قطع الملابس من الخزانة.
-        يا الهي سنستطيع النوم بهدوء اخيراً.

اعتاد هادي وعائلته تناول طعام الغداء يوم الجمعة سوية. لم يعد يلتقي بابنه ياسر وابنته ميادة كثيراً، لذا فقد حافظ على هذا التقليد العائلي لقضاء ساعة من الوقت معهم. بعد ان اصبح لكلاً منهم عالمه الخاص وشخصيته المستقلة، اما هو وزوجته سميرة فمنشغلين دوماً بالعمل وادارة المنزل وتوفير متطلباته.
-        يجب ان نعد اليوم طعام العشاء لجيراننا الجدد. قال هادي لزوجته وهو يتابع حركتها في رفع صحون الطعام عن المائدة.
ساد الصمت لنصف دقيقة قبل ان تجيبه سميرة وهي تجلس على الكرسي المقابل له:
-        لا اعلم يا هادي ولكني متعبة جداً، لا استطيع اعداد الطعام الكافي لاربعة عوائل.

قالت ميادة بصوت منفعل بعد ان كانت تساعد والدتها في اعداد كؤوس الشاي:
- هل تنوي تقديم العشاء لهم حقاً يا أبي
- نعم يا ابنتي. انه تقليد بغدادي قديم نشأنا عليه منذ الطفولة، فالساكن الجديد ينهي يومه متعباً في التنظيف ونقل الاثاث ومن واجب جيرانه ان يساعدوه، ولان اعداد الطعام بحاجة الى تجهيز المطبخ كاملاً، فكانوا يساعدونه بتقديم طعام الغداء او العشاء في اليوم الاول، ولتبدأ بينهم علاقة طيبة مبنية على المحبة والسلام.
اجابت ميادة باندفاع:
-        انه تقليد مناسب للماضي يا ابي، عندما كان الساكن الجديد يطرق الباب على بيت الجار ليستأذنه في السكن بجواره، او ليعتذر منه مقدماً اذا بدر منه اي ازعاج في بناء او ترميم البيت، اما اليوم فلقد كنت انت شاهداً بنفسك، لم يبذل احداً عناء الاعتذار عن الازعاج المستمر الذي عانيناه طوال الفترة الماضية. بالاضافة الى ان بناء المنزل المجاور مخالف للكثير من القوانين. انت تعلم ان القانون لا يسمح ببناء مرتفع وبسلم خارجي في المناطق السكنية، تخيّل المشاكل التي سوف نعانيها في الطاقة الكهربائية نتيجة للاستخدام الزائد للمنزل الجديد، تخيل عدد السيارات التي ستقف امام باب المنزل وعلى الرصيف لانه لا يحتوي على موقف للسيارات. ان تقديمنا العشاء لهم هو اعلان قبولنا لجميع تلك المخالفات واعترافاً بأنهم لم يرتكبوا اي خطأ بحقنا وبحق المنطقة والمدينة.
-        نعم انا اعلم جيداً ولكنها التقاليد، ثم انهم سيصبحوا جيراننا في كل الاحوال، سنلتقي بهم صباحاً ومساءاً لذا يجب ان نبني معهم علاقات طيبة، لسنا بحاجة الى المشاكل.
-        الاجدر بنا يا ابي ان نطيع القوانين اولاً ثم نفكر باتباع التقاليد.
-        ولكنهم قد يكونوا مجبرين يا عزيزتي، فالمدينة تعاني من ازمة في المنازل، لقد انتقل اليها الكثير من الموظفين الحكوميين والباحثين عن العمل من المدن الاخرى ولم تعد المساكن السابقة تكفيهم، بالاضافة الى صعوبة التنقل اليومي بين المناطق بسبب الازدحامات المرورية، لذا اصبح البعض يبحث عن منازل قريبة من اماكن عملهم.

كانت سميرة تستمع للنقاش بين زوجها وابنتها وهي تحرّك ملعقتها بهدوء في كأس الشاي امامها، لم تعجبها النبرة الحادة التي تتكلم بها ميادة مع ابيها، ارادت سميرة ان تقلل من حدة النقاش فقالت مازحة:
-     انتم تفكرون بتقديم الطعام لهم او بمقاطعتهم ولكنكم لا تفكرون بي! انا من ستعد طعام العشاء لهم وانا من سيذهب لمعالجة المشاكل معهم في حال حصولها.
ضحك الجميع وهم على يقين بصحة ماتقوله الام.

ساد الصمت على الطاولة، وفي تلك اللحظات كان كلاً منهم يفكر بالقضية من وجهة نظره الخاصة. الاب يحاول ان يلتزم بالصفات الجيدة التي تربى عليها في مدينته العريقة، سميرة تحاول دائماً ان تلعب دور الوسيط بين هادي والافكار التي يؤمن بها وبين اولادهما الشباب وافكارهما الثورية، ميادة كانت تحتقر كل من يخالف القانون ويسبب الفوضى والخراب للمدينة، اما ياسر فكان يفكر بالفتاة الجميلة التي شاهدها تنقل الاغراض من سيارة النقل الى الشقة في الطابق الثالث.

-        لما لا نقدم الطعام لاصحاب الشقة في الطابق الثالث فقط؟ قال ياسر بصورة عفوية عكست ما كان يفكر به حينها.
-        ولماذا شقة الطابق الثالث؟ سألته ميادة مع نظرتها المعتادة عندما لا يعجبها ما يبدر منه.
-        انهم في الطابق الاخير ولا يوجد في المنزل مصعد لنقل الاغراض لذا فهم اكثر من سيناله التعب في نهاية اليوم.
-        اذا كنا سنقدم العشاء لعائلة واحدة فمن المفترض ان يكون لسكنة الشقة في الطابق الارضي لانهم سيكونون الاقرب الينا فعلياً ولن يرانا سكان بقية الشقق ونحن نقدم لهم الطعام. اجابت ميادة بتهكم.

في هذه الاثناء رن جرس الباب الخارجي ونهض ياسر كعادتة ليتبين من الطارق، عاد بعد عدة دقائق وهو يحمل طبقاً مغلفاً بالسيلوفان اللمّاع وعلى وجهه ابتسامة غريبة.
-        ماهذا؟ سألته امه بسرعة.
-        انها وجبة غداء جاهزة من العائلة في الطابق الثالث!