الاثنين، 9 مارس 2020

اسطورة البيت الركن


اسطورة البيت الركن

لانني اعيش في بيت ركن منذ عشر سنوات تقريباً، اثارني تشبيه السرير مع مأخذ كهرباء مجاور لشحن الموبايل بـ" بيت ركن بالمنصور".

لن نناقش تميّز المنصور عن بقية احياء مدينة بغداد، ولكننا سنحاول اكتشاف اسباب تميز البيت الركن عن بقية البيوت. وهل هو تميّز واقعي ام زائف؟

لنقرأ اولاً ما يجيب به المعمار الامريكي Steve Ramos عن سؤال:
Why corner buildings are important?
في مدونته Building Are Cool.

يعتقد ستيف انها مهمة في تخطيط المدينة لعدّة اسباب:
- بسبب اهمية موقعها وهو موقع تقاطع شارعين، وهو الموقع الذي يكثر فيه اجتماع الناس.
-الابنية الركن هي الابنية الاكثر وضوحاً او الابرز بصرياً، فالابنية الاخرى تتألف من واجهة واحدة وبقية الاضلاع ملتصقة بالابنية المجاورة لها. اما هي فلها واجهتين يبصرها سالكي الشوارع المجاورة.
- الابنية الركن وكأنها تقول (Look At Me)!

وبعد ان يرشدنا لعدد من مبادئ تصميم تلك المباني يسألنا: هل اقتنعنا بتلك الاسباب؟ 



لننتظر قليلاً قبل ان الاجابة، ونقرأ مقالين للمعمارية Hilary Barlow لموقع payette.com الممتع.

الاولى: An Architectural History of the Corner “Problem”

والثانية: The Corner in Contemporary Practice

في المقالة الاولى تستكشف هيلاري كيف عالج المعماريون مشكلة الركن على مر الحقب والعمائر الانسانية، وهي تخبرنا انها مشكلة ذات جذور تاريخية عميقة وبدأت حلولها لاهداف شكلية اولاً ثم تدرجت لتصبح حلولاً مرتبطة بالفضاءات الخارجية والداخلية ومن ثم حلولاً اجتماعية. ومن ثم تبدأ باستعراض تلك الحلول بداية من العمارة اليونانية والرومانية، مروراً بفرانك لويت رايت وريم كولهاس ونهاية بالعمارة المعاصرة.

ثم تناقش في المقالة الثانية مشكلة الركن او الزاوية في المشاريع المعاصرة تفصيلاً وكيف تغيرت طريقة التعامل معها من قبل المصممين المعماريين.


لننتبه بعدها في القراءات الثلاثة الى ان التعامل مع او مناقشة الركن يتم من الناحية البصرية، اي كيف نصمم منطقة الركن في التكوين المعماري، العناصر المعمارية المستخدمة والعلاقات بينها والمبادئ التصميمية في زوايا المبنى والعلاقة مع الفضاء الخارجي او الداخلي. وبالتالي كيف يدرك المشاهد او المتلقي تلك القرارات المعمارية.
لذا فان تميز البيت الركن هو تميز بصري، فهو ذو موقع مرئي لعدد كبير من الناس اولاً ومن ثم هو يمتلك واجهتين تمثلان مساحة او لوحة واسعة لاظهار الجهد التصميمي في التكوين وتحقيق الجمال المعماري وبتوجهات متنوعة.

ثم نفكر، هل هذه هي وظيفة البيت الوحيدة؟ استعراض المالك لجمال منزله.
هو سؤال استنكاري بالتأكيد، فهنالك قضية الراحة بانواعها، الراحة الوظيفية (راحة الاستخدام) والراحة الحرارية وحتى النفسية.

ونتيجة للتجربة فان تحقيق الراحة الحرارية هو الاكثر تحدياً عند تصميم البيت الركن.
جميعنا نعيش سنوياً الجحيم الصيفي. واغلبنا يعلم ان المصدر الرئيس لدخول الحرارة الى البيت هي سطحهُ وواجهاته المكشوفة.
فضلع كتلة البيت الملتصق بكتلة البناء المجاور هو محمي من دخول الحرارة، فعلى الجانبين فضاءات مبردة، وبذلك فان درجات الحرارة متقاربة بين طرفي الجدران ولا يحدث الانتقال الحراري.
اما الواجهتين المكشوفة للشارع في البيت الركن فهي اساس المصائب، حيث تكتسب الحرارة من الاشعاع الشمسي المباشر او من حرارة الهواء التي تحاول ان تغزو جدران البيت بسبب فرق الحرارة مع الفضاءات الداخلية المبردة. والعنصر الاكثر ضعفاً في ذلك الانتقال الحراري هو المساحات الزجاجية مقارنة بالجدران الطابوقية او غيرها من مواد البناء.

تميز البيت الركن يصبح غير واقعي اذا لم يصمم من قبل معمار خبير بتحقيق الراحة الحرارية، وهنالك الكثير من المعالجات المعمارية، تقليل مساحة الشبابيك اولاً وجعل اشكالها مستطيلة عمودياً، تظليل تلك الشبابيك، زيادة سمك الجدران واستخدام المواد العازلة للحرارة، تشجير تلك الواجهات بانواع اشجار مدروسة. وكل تلك المعالجات تعتمد على معرفة توجيه كل واجهة (شرقية، جنوبية، غربية، شمالية وما بينهم)، وطبيعة حركة الشمس عليها في الصيف والشتاء.
المعرفة المعمارية الخاصة بتحقيق الراحة الحرارية متوفرة في الكثير من المصادر المعمارية وتدرس في مراحل البكالوريوس ويتم التركيز عليها في دراسة الماجستير غالباً.

لذا انا متأكد من ان البيت الركن المصمم من قبل (غير المعماريين او من طالب عمارة لم يطلّع على تلك المعرفة او من معمار غير كفوء) سيصبح من ازعج انواع البيوت في العالم.
هو بيت حار قاتل صيفاً واذا تم الاعتماد في تبريده على اجهزة التبريد الميكانيكية فهو بحاجة الى مصاريف عالية للطاقة الكهربائية خاصة مع انقطاع الطاقة الوطنية باستمرار.

ثنائية المظهر والجوهر تظهر بوضوح في البيت الركن.
 هل هما منفصلان؟
فيكون البيت جميل من الخارج (اذا كان المصمم قد اعتمد المعرفة المعمارية العالمية في كيفية التعامل الشكلي مع البيت الركن) ويكون جحيم من الداخل.
ام هما وجهين لعملة واحدة ؟ 
فيحاول المصمم ان يحقق الموازنة الصعبة بين الجمال الخارجي والراحة الحرارية الداخلية وباقل مصاريف.

وفي كل الاحوال يبقى البيت الركن بحاجة لمصاريف وجهد تشغيل وادامة اكثر من البيوت المجاورة له.

وفي كل الاحوال ايضاً يبقى مرغوباً من المجتمع لاغراض استعراضية بحتة، ونادراً ما يفكر الناس بقضية الراحة الحرارية، فمن يشتريه يملك المال الكافي لشراء مولدة كبيرة ايضاً ونصبها على رصيف الشارع وتشويه جمال اي منطقة بالانبعاثات الضارة والضوضاء.









الخميس، 5 مارس 2020

دراسة العمارة بين الترهيب والترغيب


دراسة العمارة بين الترهيب والترغيب

هل سمعتم عن )المحاضرة التهجيجية(؟
أنا سمعت.
التقيت شخصياً بالدكتور (مؤمل علاء الدين) في بداية العام الحالي لأول مرة، وقد سبق اللقاء صورة متخيلة ناتجة عن جميع ما سمعته عنه.
رئيس سابق لقسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية، إيجابي ومؤثر دائماً في ذكريات الآخرين، وعلى المستوى العلمي والإداري والإنساني. 

من الذكريات التي نسمعها تلك المحاضرة الأولى التي يلقيها على الطلبة المقبولين لدراسة العمارة.
هدف المحاضرة هو تعريفهم بجميع تحديات دراسة العمارة وممارستها كمهنة مستقبلية.

يتفق الكثير على طبيعة المهارات التي يجب أن يمتلكها الطالب للنجاح في مواجهة تلك التحديات. الثقافة، التذوق الفني، المهارة اليدوية، الفضول العلمي، الصبر، مواكبة التكنولوجيا، الشخصية القيادية واخيراً الإمكانية المادية. وما يثبت صحة ما سمعته عن تلك المحاضرة لقائي بالصدفة بأحد اساتذة جامعتنا المتقاعدين في ورشة (تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص)، قال:
-كان الدكتور مؤمل يقول للطلبة "من لا يستطيع توفير مبلغ كبير من المال لدراسة العمارة فليصرف النظر عن دراستها".
  
تبث المحاضرة رسالة صريحة وواضحة للطلبة: من لا يمتلك المهارات المطلوبة فلن يستطيع النجاح في دراسة العمارة وبالتالي هي فرصة لاستغلال الوقت المبكر من العام الدراسي والبحث عن تخصص ملائم آخر.

تلك هي المحاضرة التهجيجية.

لقد كنت مؤمناً بأهمية تلك المحاضرة حتى وقت قريب (أربع سنوات تقريباً).
بعدها قال لي الحمزة وكما كتبت سابقاً: لماذا تضعون الطالب في جو الرعب هذا وهو لم يستكشف بدقة بعد امتلاكه لتلك المهارات من عدم امتلاكها؟ (باستثاء حالته المادية التي يعرفها بالتأكيد).

لذا أصبحت المحاضرة الأولى أو المحاضرات الأولى تتضمن فعالية وتصريحين:
-فعالية قراءة ومناقشة لكتيبات وقصص تتحدث عن العمارة والتصميم بلغة بسيطة ومخططات أولية ممتعة تهدف الى إعطاء فكرة أولية عن طبيعة المهنة وبالتالي دراستها، ثم:

- التصريح الأول: من الطبيعي جداً أن نجد طالباً يرغب بدراسة العمارة وكتب اسم القسم عن سبق إصرار وترصد ثم يفشل فيه، ومن الطبيعي أيضاً أن نجد طالباً جاء به نظام القبول مرغماً الى القسم ثم ينجح في دراسته. وسبب ذلك هو ما قاله الحمزة عن عدم استكشاف الطالب بدقة لإمكانياته المؤهلة للنجاح في العمارة.

-التصريح الثاني: إن الطالب الذي يكتب قسم هندسة العمارة في استمارة القبول ولم يسأل عن طبيعة الدراسة فيه بدقة عن طريق المعماريين أنفسهم وليس غيرهم فهو يرتكب (خطيئة) قد تصل مرتبتها الى الخطيئة الثامنة بعد الغرور والجشع والشهوة والحسد والشراهة والغضب والكسل.

هل أصبحت المحاضرة الأولى أقل إثارة للفزع والتهجيج؟

نعلم جميعاً أن المشكلة الأساس هي نظام القبول في الجامعات العراقية، وأن أقسام العمارة يفترض أن تنتمي لأقسام وكليات التقديم المباشر وأن يخضع المتقدم لاختبار كفاءة يكتشف من خلاله ملائمته أو عدم ملائمته لدراسة العمارة.
وقد تغيّر نظام القبول أخيراً في الجامعة التكنولوجية وتفاءلنا خيراً بان الطالب هو أكثر رغبة بدراسة العمارة لانه سيكتب القسم ضمن عدد أقل من الخيارات.
لكن القضية المؤلمة هي أن الطلبة لا زالوا يتعاملون مع قسم العمارة كعنوان فقط دون دراية بتفاصيله، وباجراء استبيان سريع للطلبة هذا العام، فان الاغلب قد استقى معلوماته عن القسم من أشخاص ليسوا بمعماريين حتى، وهو تقصير وخطيئة من قبلهم بالتأكيد، وليس تقصير نظام القبول فقط.

لنتخيل أن يكون جميع الطلبة المقبولين في القسم على دراية واضحة بطبيعة الدراسة ويمتلكون نسبة عالية من المؤهلات المطلوبة.

هل تخيلتم؟

أما في الواقع البعيد عن الخيال فيمكن تصنيف الطلبة الى ثلاث مجموعات:
-طلبة يعرفون العمارة ويمتلكون مؤهلات دراستها.
-طلبة لا يعرفون العمارة بدقة ولكنهم يجتهدون لاستكشاف وتنمية مؤهلاتها لديهم.
-طلبة لا يعرفون العمارة ولا يمتلكون مؤهلاتها ولا يجتهدون لاكتسابها، أو أن قابلياتهم تعجز عن قدرة اكتساب تلك المهارات.


واعتقد أن استمرار الفئة الاخيرة هو نوع من العبث وليس له بالتفكير العلمي أي صلة.








السبت، 28 ديسمبر 2019

يومان مع راسم بدران


يومان مع راسم بدران

هل تستطيعون كتابة اسم )راسم بدران(، (Rasim Badran) على محرك البحث Google ؟

معمار عربي كبير، لا استطيع ان اضيف شيئاً بالكتابة عن سيرته الذاتية المذكورة في الكثير من المواقع الالكترونية، ولكنني ساحاول سرد قصة معرفتي به اولاً ثم لقاءه شخصياً.

تم قبولي عام 2001 لدراسة العمارة، العام الذي يسبق شيوع استخدام شبكة الانترنت كمصدر مفتوح للمعرفة، لذا كان حصولي على مجموعة من الكتب والمجلات المعمارية كنز ثمين من صديقة والدتي التي درست العمارة بداية الثمانينيات.
مجموعة كبيرة من مجلات (Architectural Record)، والاهم كتاب باللغة الالمانية يتحدث عن معماريي العالم الثالث، وتوجهاتهم بين تقاليد عمائر بلدانهم وبين محاولاتهم في التجديد والاضافة، وقد طبع الكتاب عام 1980. ولانني لا افهم اللغة الالمانية فالفائدة الوحيدة حينها متابعة صور المشاريع المعمارية بالابيض والاسود.


ولكل معمار منهم صورة شخصية، احدى تلك الصور لمعمار بنظارات شمسية وشعر طويل يرتد الى الخلف بفوضوية، سالف طويل، شارب سميك ونظرة بعيدة عن الكاميرا. كانت صورته تتطابق مع ما سمعته عن غرابة اطوار الشخصية المعمارية، اتذكر تعليق شقيق صديقة والدتي نفسها عندما علم بدراستي العمارة، نظر الى الثلاجة امامه قائلاً: هل تعتقدون ان المعماريين يرون هذه ثلاجة؟ قد يرونها وردة، من يعلم!

صاحب هذه الصورة المميزة كان المعمار راسم بدران وقد حفظت اسمه منذ تلك الايام.



عام 2019 عندما علمت باستضافته في  المؤتمر الدولي للعمارة والتصميم الداخلي  لجامعة Tishk  الدولية (TIU) في مدينة اربيل، قررت الذهاب والمشاركة بلا تردد.
وكانت حصيلتي معه: الاستماع لمحاضرتين ممتعة، زيارة مشتركة لقلعة اربيل التأريخية واوتوكراف ثمين.




جدالات وافكار كثيرة حفزها ذلك اللقاء السريع عن الشخصية المعمارية وعن التصميم المعماري بتفصيلاته المعقدة وعن بيئة التصميم والعمل، ولكن كعادتي في الكتابة وضعت عناوين لافكار لم اجدها عندما استعنت بـ(google) للبحث عن المعمار راسم بدران:

-الارث العائلي: ينحدر المعمار من عائلة عريقة ومختصة في الفن، والده جمال بدران فنان تشكيلي ونحات وخطاط واكاديمي، وقد كانت موهبة راسم بدران واضحة منذ البداية، يفوز بجائزته الدولية الاولى بعمر 12 عام في مسابقة لفنون الرسم والتصوير، ويمتلك اسلوباً مميزاً بالرسم والتخطيط منذ الطفولة.



من البديهي ان يتميز الانسان او المعمار تحديداً الذي يعتمد على ارثه العائلي عن انسان او معمار آخر ينحدر من عائلة وبيئة بسيطة، فهو يتغذى الفن والثقافة منذ الطفولة بينما قد يتعرف عليها الآخر في مرحلة الدراسة الجامعية.
لاتوجد قاعدة ثابتة بالتأكيد، لكننا ننتبه للحالات المتكررة ونعتبرها ظاهرة، وقد نكون مخطئين.
تلك الحالات تشير الى ان من يمتلك ارثاً عائلياً يلتزم غالباً بطروحات ذلك الأرث، ويسير على نفس الطريق باختلاف الاتجاه لكل عائلة او فكر، وقد يكون مجبر على ذلك او مختار. اما من لا يملك إرثاً فسوف يشق لنفسه طريقاً حراً لا يلتزم ولا يهتم لمنجز اب او جد.

اقتبس لكم سريعاً عن الطرفين للاثبات:

يخبرنا معاذ الآلوسي في مقدمة كتابه نوستوس قائلاً: (كان الوالد يذكرني على الدوام بميراثي، نصيحته الدائمة لي هي "مقياسك لأي قرار مرغم على اتخاذه هو مدى رضى السلف الصالح من الاجداد على هذا القرار").

 ثم يحدثنا بيدرو ميرال (روائي ارجنتيني) عن دانيال بطل احدى رواياته:
(عندما ادرك انه تاه، لم يرتبك، بالعكس، احس بحماس غريب ولّدته امكانية تفسّحهُ دون ان يقع على شخص او شيء معروف، ولأول مرة لمس الحرية التي يجدها المرء حين يكون نكرة: يفعل ما يريد دون ان يعلق احد على فعله، او ينتقده او يربط افعاله باسمه او عائلته).

نقرأ لعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي تشبيهاً بان لكل حضارة قدمين، ولكي تستمر (تمشي) هذه الحضارة، فان لها قدماً ثابتة (متمسكة بالماضي) وقدماً متحركة (كافرة بالماضي)، وقد يكون هذا الحال في العمارة ايضاً، يقسم المعماريين الموهوبين الى قسمين مع ضرورة وجودهما دائماً. قسم يسير على ارثه العائلي، فيحافظ على اسرار المهنة وينتج عمارة جميلة تتمسك بالماضي وقسم يسير باي طريق يحلو له فيجدد فيها ثم يصنع لنفسه ارثاً ويفرضه على ابناءه بعد حين.  

-المعمار وجامع الدولة الكبير: ليس الهيكل العظيم الموجود في موقع مطار المثنى سابقاً، وانما هو جامع تم الاعلان عن مسابقة دولية لتصميمه عام 1982 حيث تم دعوة 23 مكتباً معمارياً (محلياً وعربياً وعالمياً) للاشتراك في المسابقة، نال المركز الاول فيها التصميم المقترح من قبل المعمار راسم بدران.


وقد سمعت منه شخصياً ونقرأ في مصادر أخرى أن لتلك المسابقة في العراق وللمعمار رفعة الجادرجي الذي دعاه للمشاركة فضل كبير على المعمار ومنجزاته اللاحقة، لان تلك المسابقة قد نالت نصيب من النقد والنشر المعماري العالمي حينها، مما وضع اسم راسم بدران ومنجزه المعماري وتوجهه التصميمي امام اعين العملاء الآخرين والسعوديين تحديداً لينال فرص تصميم مشاريع عديدة هناك نالت جوائز عالمية كثيرة.

المسابقة توثقها الكثير من الكتب العربية ايضاً لمن يريد المزيد عنها، حيث يفرد لها معاذ الالوسي مثلاً فصلاً في كتابه نوستوس.

-تجربة مكان: لراسم بدران اسلوب معماري مميز نجد جميع تفصيلاته في كتاب (The Architecture of Rasem Badran)، هو يسميها عمارة المجتمع الاسلامي، فيتواصل مع التراث ويوظف عناصره بطرق متنوعة تحقق هدف المبنى بالتأكيد، مع الاهتمام بـ(قصة التصميم) التي نسميها (الفكرة التصميمية) والتي تنبع في اغلب الاحيان من طبيعة الموقع والمجاورات وبذلك يحاول ان يخلق صلة مع البيئة القائمة (الطبيعية والعمرانية) فيكون تصميمه متجانساً مع الموقع وانسان الموقع وليس مقحم فيه وعليه.
 في احدى مساجده في السعودية يفتخر بان رجل كبير اخبره بأن المسجد (يذكرني ببيت اهلي).




وبعد احدى محاضرتيه بدأ نقاش مدى تقبّل الاجيال الشابة لمثل تلك الافكار التي قد تحسب ظاهراً على العمارة التقليدية مقابل كل ما ننبهر به على شبكة الانترنت من عمارة عالمية معاصرة.
الاجيال الشابة وحتى العملاء الجدد اصبحوا يعتبرون مفردة القوس مثلاً مفردة قديمة بالية لا نجدها في اغلب تصاميمنا المعاصرة، وغيرها من المفردات المعمارية المحلية التي تنبع من البيئة المناخية والجغرافية للعراق ودول الشرق الاوسط.
كان جواب المعمار ان توجهه ومفرداته ليست قديمة او تراثية وانما هي مناسبة لتحقق بيئة معمارية ملائمة للمكان فالتصاميم تحقق تنوع في المشاهد المعمارية بالاعتماد على عناصر المدينة العربية زيادة على تحقيق الانارة الطبيعية وغير المباشرة، المتعة البصرية والحركية وجميع مبادئ التصميم المعماري.

ولكن الحقيقة ان الاجابة غير مقنعة مادمنا نشاهد مشاريعه كصور على شاشة ذكية او على حواسيبنا واجهزتنا النقالة فقط.
نعم نحن نشاهد المشاريع بحاسّة واحد فقط فتخبرنا عيوننا ان تلك العناصر قديمة من الماضي، ولكن ماذا ستخبرنا حواسنا الاخرى عندما نزور تلك المشاريع ونتجول داخلها؟
ان علاقتنا مع العمارة التراثية او المحلية هي علاقة مشوّهة لاننا نشاهدها كصور فقط. طلبة العمارة والمعماريين بحاجة الى تجربة فيزيائية للمعالم المعمارية المحلية، وهي اشكالية ليست بجديدة والحديث عنها ليس جديد ايضاً، اما عن الحلول فـ(كلٌ يعمل على شاكلته)، استاذ العمارة يخصص الكثير من الوقت لزيارة تلك المعالم، وطالب العمارة وخريجها يزورها ان استطاع اليها سبيلا.

لم انهِ ذلك اللقاء ونقاشاته بصور رقمية ليست ذات قيمة، بل نسخت عدّة صفحات من كتاب اعماله والذي يحوي الكثير من مخططاته، ورجوته ان يوقع لي على احداها لتبقى مؤطرة تذكرني براسم بدران ولقاءه الممتع الذي قد لا يتكرر.     











الأحد، 1 سبتمبر 2019

برج اللؤلؤة


سرديات الفضول
سلسلة تعتمد دافع الفضول في التحري عن الثقافة المعمارية في مجالات السينما والفن والادب

-6-

برج اللؤلؤة

يتساءل المشاهدون على محرك البحث Google هل البرج الذي يظهر في فلم (Skyscraper) هو مبنى حقيقي؟
والاجابة هي: كلا انه مبنى خيالي، تم تصميمه ليخدم قصة الفلم، او بتعبير ادق تم تصميمه ومن ثم بناء قصة الفلم المشوّقة.

فلم (Skyscraper) انتاج عام 2018 ومن تمثيل Dwayne "The Rock" Johnson ويتشارك معه البطولة البرج نفسه والذي يحمل اسم (The Pearl).



برج اللؤلؤة افتراضياً هو البرج الاطول في العالم والاكثر تطوراً ويقع في مدينة هونك كونك، يتألف من(240) طابق وبارتفاع (1067) متر علماً ان ارتفاع برج خليفة الحالي في دبي (830) متر. وينتهي البرج بقاعة مراقبة كروية الشكل منحته اسمه (اللؤلؤة).




صمم البرج للفلم (Jim Bissell) وهو مصمم انتاج شهير وليس بمعمار، ولكننا نجد معه حوار ممتع عن تحديات تصميم البرج وعلاقته بالتصميم المعماري على موقع dezeen.com.


وللبرج فكرة تصميمية كما يخبرنا المصمم ومصدرها اسطورة صينية قديمة تدور حول تنين ولؤلؤة، نقرأها باكثر من رواية عند البحث عن تفاصيلها، فمرة هو تنين يمتلك لؤلؤة يستأنس بها ثم يسرقها البشر منه، ومرة هو ولد وامه يمتلكون لؤلؤة ايضاً وعندما يرغب الآخرين بسرقتها يبتلعها فيتحول الى تنين يحمي القرية التي كان يعيش فيها. وفي كل الاحوال فالتنين في الثقافة الصينية يمثل رمزاً للقوة والمتانة والحظ الجيد.



يجسد البرج تصميمياً فكر وتوجه الاستدامة المعاصرة في اكتفاء الطاقة والبيئة الصحية للشاغلين وتمثل عناصر الاستدامة في البرج تحديات لبطل الحركة "The Rock" وافضل اجزاء دراما الفلم الممتع.

في مقابل اطلاعنا كمعماريين على العديد من تصاميم الابراج عالمياً وانبهارنا بها فاننا لانجد في مناهجنا الدراسية في اقسام العمارة ما يجعلنا اكثر معرفة في تصميم الابراج ومعرفة متطلباتها.
قد تفسر المؤسسات التعليمية ذلك بعدم شيوع الابراج في البيئة العمرانية العراقية وبالتالي لا تعتبر المعرفة المعمارية الخاصة بالابراج اساسية في دراسة البكالوريوس على الاقل. وهو تفسير يتعارض مع التوجه المعماري المستقبلي ومع صفة العالمية التي نطمح ان يكتسبها المعماري العراقي.

علماً انني كنت محظوظاً بحضور كورس عن الابنية العالية في دراسة الماجستير تخصص تكنولوجيا عمارة للدكتور على العذاري، ولكن ذلك الكورس ذهب مع الدكتور علي عندما احيل على التقاعد مع الاسف. والدكتور على العذاري هو مهندس انشائي كان من الاسماء البارزة في الجامعة التكنولوجية.

منهج الكورس الدراسي بخط الدكتور علي العذاري

وفي الايام الاخيرة كنت محظوظاً اكثر بعثوري في احدى المكتبات على كتاب تعليمي للاطفال، نعم للاطفال ولكنه مناسب لحصولنا على معرفة اولية في تصميم الابراج وحساباتها الرياضية في مختلف التفاصيل الانشائية والخدمية.

الكتاب  من تأليف Hilary Koll و Steve Mills وسأضيفه الى مجموعتي لاستقبال طلبة المرحلة الاولى سنوياً.


لم يبق امامنا سوى الكتب وشبكة الانترنت في تعلم المزيد عن تصميم الابراج او ناطحات السحاب او ان نسعى للحصول على كورسات تعليمية خارج العراق.