السبت، 25 مارس 2023

آخر نساء الموهيكانز

 آخر نساء الموهيكانز

 

لم أستطع الهروب من هذا العنوان وأنا أحاول توثيق القرار الجريء لطالبة العمارة (ملاك رعد هوبي) في التقديم النهائي لمشروع فندق 5 نجوم في المرحلة الثالثة.

The Last of the Mohicans أو آخر رجال الموهيكانز كما قرر أحد المترجمين تسميته، هو فلم ملحمي أمريكي صدر عام 1992، بطله Daniel Day-Lewis، (المُحارب) مع آخر فردين من قبيلة الموهيكيين الهندية. يجد الثلاثة أنفسهم وسط الصراع الدامي بين الفرنسيين والبريطانيين والقبائل الهندية الأخرى للسيطرة على أمريكا الشمالية.

كانت مشاهدة الفلم مؤثرة جداً في التسعينات أما في الألفينات فقد بدأت بمشاهدة فلم دراسة العمارة في الجامعة التكنولوجية في بغداد.

من قبل 2003 كان القسم يتضمن مختبراً مجهزاً بأجهزة كومبيوتر متطورة، كنا نتعرّف على برنامج Auto CAD  2000 حينها. بعد الحواسم اختفى المختبر وبعد الاستقرار النسبي كان من الممكن لنا نحن الطلبة شراء كومبيوترات شخصية، بدأنا بتعلم برنامج   3d Studio Maxمن دروس مسجلة على سيديات وبلهجة مصرية. أتذكر ثلاثة من زملائي (ظفار، علي، سنان) كان لهم سبق تقديم أعمالهم باستخدام تلك البرامج وطباعة النتائج بالـ Plotter في التقاديم النهائية للمرحلة الثالثة. أما أنا فكان أول تقديم مطبوع لي باستخدام برامج الرسم والإظهار في مشروع التخرج عام 2006، تسارعت الأحداث بعدها وتعددت برامج الرسم والإظهار والتصميم المعماري حتى وصلنا الى استخدامها منذ المرحلة الأولى من دراسة العمارة، أما في المرحلة الثالثة فلم يبق من يستخدم أدوات الرسم الهندسي التقليدية وتقنيات الإظهار باليد في قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية حتى قررت الطالبة (ملاك رعد) إنجاز التقديم النهائي لمشروع فندق 5 نجوم باستخدام الرسم والإظهار بالرصاص (Graphite Pencils)!

قرار العودة (للقتال) بتلك الأدوات المنسية بعد أعوام من هجرانها يستحق البحث والتأمل، لذا تقمصت دور الصحفي وأعددت حواراً مع ملاك وعدد من زملاء مرحلتها لمعرفة مقومات القرار ونتائجه ودروسه المستقبلية:

-       ملاك، ماهي الفكرة التصميمية لمشروعكِ؟ (فندق 5 نجوم في بغداد، الزعفرانية، كجزء من الخطّة المستقبلية لتطوير معسكر الرشيد)

-       انطلقت فكرتي التصميمية من التضاد بين نمط المشروع الترفيهي وتاريخ الموقع العسكري، لذا توجهت نحو مفهوم المادة والمادة المضادة من حقل الفيزياء التطبيقية، ثم بحثت بعدها عن مراجع شكلية لنقل ذلك المفهوم الى المتلقين، فكان اختياري للماء والنار كعناصر متضادة من الطبيعة، الماء ملائماً للتجسيد في الطوابق الافقية لكتلة الفندق، والنار في الطوابق المتكررة للأجنحة والغرف الفندقية.

 

-       كيف جاءت فكرة اظهاركِ للمشروع باليد في مقابل توجّه جميع طلبة المرحلة كما تعلمين لاستخدام البرامج الحاسوبية؟

-       في البداية أنا أحب من الأساس الرسم والإظهار باليد، ولكنّ السبب الآخر حضر بعد أن واجهت مشكلة في التقديم قبل النهائي للمشروع، الساعة الثانية بعد منتصف ليلة التقديم، تضرر ملف العمل على الكومبيوتر وخسرت المخططات الأفقية وأغلب التجسيد ثلاثي الأبعاد وكنت مضطرّة لتقديم مخططات غير مكتملة لعدم خسارة درجة التقديم فقط، لذا لم أرد أن أمر بنفس التجربة في التقديم النهائي، زيادة على السبب الأخير وهو عدم تمكني من تنفيذ العناصر المعمارية المعبرة عن النار في البرامج الحاسوبية كما كنت أتخيلها.

 




-       ماهي إذن البرامج التي تعملين عليها في تنفيذ المشاريع المعمارية؟

-       في المخططات ثنائية الأبعاد أستخدم برنامج Revit أما في التجسيد ثلاثي الأبعاد فأعتمد على برنامج 3ds Max ولتصيير الصور برنامج  Lumion ولتنظيم اللوحات النهائية أستخدم برامج Photoshop  و Illustrator.

 

-       هل استشرتِ أحد قبل أخذ قرار الرسم والإظهار باليد؟

-       نعم استشرت أصدقائي من مراحل أكبر وقد حذروني من المخاطرة خاصّة في التقديم النهائي، قالوا لي إن كنتي مصرّة فعلاً فعليكِ سؤال تدريسيي مادة التصميم، وقد سألتهم وكانوا غير ممانعين أبداً.

 

-       والآن كيف تعلمتِ تقنيات الرسم الإظهار باليد؟ ولم نعد نعلّمها في المناهج الدراسية.

-       أنا أعرف بعضها فقد تعلمت ذاتياً مثلاً الإظهار بالألوان المائية، ولكني تعلمت التقنية الحالية من أحد أصدقائي من جامعة بغداد، بعد أن استخدمها في تقديم مشروع سابق قبل أن يتحول هو لاستخدام البرامج الحاسوبية.

 

-       هل اطلعتِ على مقاطع تعليمية في يوتيوب أو غيره؟

-       كلا، فبعد أن تعلمت التقنية اشتغلت عليها مباشرة.

 

-       وهل كانت جميع المخططات مرسومة باليد فقط أم هنالك مزج بين الرسم باليد والرسم بالكومبيوتر؟

-       نعم هنالك مزج بينهما، فقد طبعت الخطوط الرئيسة للمخططات من الكومبيوتر لتكون دليلاً للرسم فوقها والإظهار باليد.

 


-       ماهي إذن الاشكال التي لم تستطيعي كما قلتي في البداية تنفيذها كما كنت تتخيلين؟

-       الخطوط المنحنية للجدران الخارجية للطوابق المتكررة والتي تعبّر عن النار في الفكرة التصميمية، والتي نفذتها باليد بوضع ورق شفاف على الكتلة لتخطيط أشكالها أولياً وبعد الاستقرار على شكل معين رسمتها على الكتلة بشكل نهائي.

 


-       كيف كانت ردود الأفعال بعد تقديم إظهار مشروعكِ باليد بين المشاريع الحاسوبية للطلبة؟

-       فيما يخص الأساتذة كانت أغلب ردودهم إيجابية، أما زملائي الطلبة فكانت إيجابية أيضاً.

 

-       وكم كانت درجة تقييم المشروع في النهاية؟

-       80 %.

 

-       ما هي الفترة الزمنية التي تطلبها إكمال العمل على التقديم؟

-       تقريباً 14 يوم ومع الموديل تصبح 16 يوم.

 

-       وهل تعرفين الفترة التي تطلبها زملائكِ الكومبيوتريين لإنجاز العمل؟

-       نعم، بعضهم استغرق 6 أيام أو أسبوع في العمل.

 

-       والآن نصل الى السؤال الأهم، هل ستكررين التجربة مرة أخرى؟ هل ستقدّمين مشروع المستشفى القادم باليد أيضاً؟

-       كلّا، لأنني لم التمس تقديراً للجهد الكبير الذي بذلته.

 

-       بعد هذه التجربة الاستثنائية قررت كما تقولين عدم تكرارها مرة أخرى في المشروع القادم، ولكن هل تنصحين طالب آخر بتكرارها؟

-        أنصحه وأقول له: كلا، لا تكررها، بسبب الجهد الكبير والوقت الطويل، فأنا خلال العطلة الربيعية لم يراني أهلي بسبب انشغالي بالعمل، ولم أحصل مع ذلك على النتيجة والتقدير المرضي.

 

-       وأخيراً، هل الإظهار باليد إذن في حرب خاسرة مع الكومبيوتر؟

-       تقريباً!

 

أما أنا فاقتبس للختام "الشمس لا يحجبها الغربال"، نعاني من مشاكل عديدة عند استخدام البرامج الحاسوبية في الرسم والإظهار والتصميم المعماري حتى، ولكن لا مفر، ليست الحلول الأفضل بالابتعاد عنها لأنها المستقبل القريب والبعيد، علماً أن مسؤولية تلك الحلول تقع على جانبي العملية التعليمية المعمارية، الأستاذ والطالب، ولكن لكل منهما مواجع ليس الهدف إثارتها اليوم. 







الخميس، 5 يناير 2023

PUSH PINS CHALLENGE

  PUSH PINS CHALLENGE

"كم PIN  تستطيع تثبيته على اللوح الأزرق خلال 30 ثانية؟"

 

التصميم لجوان حامد عبد الرضا

                                           نستمع كثيراً عن (تحويل التحديات الى فرص)، واحد من مفاتيح النجاح التي نستصعب استخدامها لأنها بحاجة لخروجنا من منطقة الراحة الى منطقة التفكير والتخطيط والتنفيذ الدقيق.

في مراسم وأروقة قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية وعلى مر السنين كان هنالك وسائل متعددة لتثبيت  المشاريع المعمارية على الجدران للعرض والتقييم. من أزعج تلك الوسائل حضوراً لوحات تثبيت زرقاء (Partitions) تقف على رجلين معدنيتين غير قادرتين على المشي. لوحات مصنوعة من الواح خشبية عنيدة لا تستقبل دبابيس التثبيت (Push Pins) بسهولة.

يعاني الطلبة والطالبات من تلك اللوحات عند تثبيت مشاريعهم فهي تستهلك الجهد والوقت وتقطع تدفّق الأفكار في جولات النقد المحتدمة.

بعد محاضرة تصميم زادتها تلك اللوحات ارهاقاً فكّرت: كيف يمكن تحويل تحدي التثبيت على تلك اللوحات فرصاً مفيدة؟

 كانت الفكرة بمحاولة إعداد مسابقة للطلبة وبجوائز معلومة:

 

ينظم قسم هندسة العمارة الجامعة التكنولوجية فعالية

PUSH PINS CHALLENGE

"كم PIN  تستطيع تثبيته على اللوح الأزرق خلال 30 ثانية؟"

S6 والتي ستقام في ستوديو

 يوم الخميس الموافق 22/12/2022

الساعة 1:00 بعد الظهر

الجوائز المخصصة للفائزين:

فئة الطالبات:

الجائزة الأولى: كتاب، عمارة السعادة، آلان دو بوتون

الجائزة الثانية: كتاب، المعمار محمد صالح مكية، تحليل للسيرة والفكر والمنجز، علي ثويني.

فئة الطلبة:

الجائزة الأولى: كتاب عمارة السعادة، آلان دو بوتون

الجائزة الثانية: كتاب، المعمار محمد صالح مكية، تحليل للسيرة والفكر والمنجز، علي ثويني.

 

بعد التخطيط جاء التنفيذ بقدر لا بأس به من النجاح. فاز بالجائزتين لفئة الطلبة (عبد الله عليم من المرحلة الثالثة وطيف معاذ من المرحلة الرابعة) أما فئة الطالبات فذهبت الجوائز لـ (رحمة عبد جهاد من المرحلة الثالثة وعُلا رائد من المرحلة الرابعة).

د.يحيى ابراهيم المحترم مع الفائز الاول

د.يحيى ابراهيم المحترم مع الفائز الثاني

الفائزات بعدد 12 و10 خلال 30 ثانية فقط.


شارك بتنظيم المسابقة طلبة المرحلة الخامسة: منار نزيه، مايا زيدون، نبأ فراس، حمزة خليل، عبد الله رائد ومحمد أسعد ذياب.

تصميم بوستر المسابقة: جوان حامد عبد الرضا.






الاثنين، 7 نوفمبر 2022

بغداد من الطابق 13

 بغداد من الطابق 13

 

"انتقل الخليفة العباسي (أبو جعفر المنصور) الى مدينته الجديد (بغداد المدوّرة) ونقل معه الدواوين وبيت المال من مدينة الكوفة، يوم الاثنين، الأول من شهر محرم عام 146 هجري"

 

يخبرنا المؤرخ (باقر أمين الورد) في كتابه (حوادث بغداد في 12 قرن)، أن يوم (التحوّل) الى بغداد وافق بالأرقام:146/1/1 هـ.

 لنكتشف أن حاصل جمع تلك الأرقام (1+1+6+4+1) يساوي 13.

نعم بغداد مدينة سيئة الحظ.

عندما نكتب كلمة (الجميلات) على محرك البحث Google ستظهر مقترحات البحث: الجميلات قليلات الحظ، الجميلات أقل حظاً، الجميلات لا يقف لهن الحظ إحتراماً.


بغداد منحوسة منذ البداية. بعد أربعة أعوام من الانتقال اليها توفي (جعفر) أكبر أولاد (المنصور) بانيها. قد يكون سبب نحسها جمالها السابق أو سحر أعداد يوم تدشينها.


أحاول بناء علاقات عددية مع برج البنك المركزي العراقي الجديد في الجادرية، أبرز معالم مدينة (بغداد عديمة الشكل). كانت الزيارة (الأولى) يوم السبت 2/7/2022 وببطاقة زائر رقم 24 لنرتقي الى الطابقين 12 و30 بداية من المستوى الأول تحت الارض.

أما الزيارة (الثانية) فيوم الخميس 3/11/2022 وببطاقة زائر رقم 19 والصعود الى الطابق 13. كانت الأولى مع وفد نقابة المهندسين العراقية أما الثانية فمع وفد الطلبة الأوائل على مراحل قسم العمارة في الجامعة التكنولوجية للعام الدراسي 2021-2022.

قد تتذكرون حيرتي في الزيارة الأولى بين الاستمتاع بمشاهدة المبنى وتفاصيله بعيني المجردة أم الانشغال بتصويره بهاتفي المحمول، لقد خلصني المهندس المشرف على زيارتنا هذه المرّة من تلك الحيرة، قال: "ارجو منكم عدم التصوير إلا في الأماكن التي سأخبركم بها".

"من الفضاء الخارجي الفاصل بين البرج وصف المنازل الملاصقة لحدود الموقع، أخذنا منحدر واسع الى فناء داخلي عملاق، أرضيته بمستوى تحت الطابق الأرضي وسقفه مغطى بشبكة معدنية تبرز من بينها السماء."

سلكنا نفس مسار الزيارة السابقة مع اختلاف كون الفناء مليء بالمواد الأولية المستخدمة في التنفيذ، صناديق وحُزم كبيرة وصغيرة وبنسب متنوعة تستلقي على أرضية الفناء الذي يفترض أن يصبح موقفاً لسيارات العملة الداخلة والخارجة من البنك.

في زيارتنا السابقة كان الشركة المنفذة قد أنجزت قبل أشهر قليلة الهيكل الخرساني وبدأت بالتغليف الخارجي وتثبيت الالواح الزجاجية التي تأتي مفصّلة من شركات التصنيع. لذا أحسست هذه المرة بالفرق الواضح في تصاعد وتيرة العمل وزيادة عدد العاملين وانتشار المواد هنا وهناك. فالمرحلة الآن تتضمن البدء بطبقات الانهاءات الداخلية للجدران والخدمات الميكانيكية والكهربائية أسفل السقوف التي يبلغ ارتفاعها 4،25 متر في الطوابق ذات الاستخدام المكتبي. وتيرة العمل جعلت الشركة المنفذة والجهة المشرف تختصر الجولة ووعدونا بالصعود الى الطابق رقم 13 فقط.

كنا على الموعد من ذات المصعد الخدمي المخيف بأصواته وحركاته المفاجئة لنصل الى الطابق المنشود، السقف أصبح مشغولاً بشبكات انابيب الخدمات المتداخلة، بعض القواطع تم تثبيتها لتعريف المساحات المكتبية الخاصة مقابل المساحة المكتبية العامة المفتوحة لبقية مساحة الطابق، أما المساحات الزجاجية التي استمتعنا بالنظر عبرها على المدينة مسبقاً فقد كانت مغلقة بألواح خشبية للحفاظ عليها من الخدش أو الكسر نتيجة للأعمال المستمرة في الطابق.

النافذة الوحيدة المفتوحة كانت باتجاه نهر دجلة والمنطقة الخضراء من خلفه.

توقف أحد العمال عن العمل وهو ينظر الينا من المنصة (السكلّة) التي يعمل عليها منتظراً باحترام أن ينهي المهندس المشرف حديثه عن المشروع وتفاصيله والمواد الانشائية المستخدمة. العزل الحراري من القضايا الواضحة هذه الزيارة، فعبر الزجاج نرى اللوح المعدني (Bracket) المثبت على الجدار الكونكريتي لحمل وحدات الانهاء الخارجية، اللوح مثبت في موقع منخفض عن سطح الجدار المجاور بسبب وجود طبقيتين من مواد العزل الحراري، القلق العلمي من كون ذلك اللوح المعدني يمثل جسراً حرارياً لنقل الحرارة الى مساحة الجدار غير المعزول قدّم الدور لمواد العزل الداخلي، حيث تم تثبيت هيكل معدني على الجدران من الداخل والذي يأخذ نفس اشكالها سطوحها المائلة وما بينهما فراغ يقدر بـ 40 سم تقريباً سيملئ بالصوف الصخري لتحقيق اقصى درجات الراحة الحرارية للمبنى.

بعدسة طالبة العمارة: جوان حامد


بعد نهاية الجولة في الطابق انقسم عددنا الى قسمين، الأول عاد الى الأرض بواسطة المصعد الخدمي الخاص بالعمال والآخرين بواسطة مصعد VIP  لا استطيع وصفه لأنني لم أكن منهم.

عدنا الى الأرض بسلام مروراً بفضاء البهو أو الـ(Foyer)، الفضاء الذي يقع أسفل البرج تماماً لنستمتع بمفصل (استقرار/انبثاق) البرج (على/من) الأرض. وصلنا نهاية الجولة بتجمعنا في الساحة الخارجية الجانبية لالتقاط الصور التذكارية.

ما يثير الانتباه في الفرق بين الزيارتين أيضاً هو قضية (ظل البرج) كانت الزيارة الأولى في تموز الصيف والآن تشرين الثاني، عند وقوفنا في ذات المكان وفي توقيت متقارب جداً فان ارتفاع زاوية الشمس في تموز منعت البرج من حجب اشعتها عنّا، أما زاوية الشمس المنخفضة في هذه الزيارة فقد جعلتنا وسط مساحة واسعة من الظل الناتج عن حجب البرج لأشعتها. هذه قضية مؤثرة على مجاورات البرج بالسلب والايجاب حسب الفصول والحاجة أو عدم الحاجة لأشعة الشمس الدوّارة.

بعدسة طالبة العمارة: جوان حامد

لم نجد المنحنيات (الزهائية) في الفضاءات الداخلية هذه المرة ايضاً ولكننا يجب ألا نفقد الأمل، ففي الصور المعلنة والفلم الوثائقي المعنون "البناية الجديدة للبنك المركزي العراقي في بغداد" على يوتيوب وعود بالكثير من المنحنيات التي لم يحن وقت تنفيذها بعد.

أتمنى أن يسعدنا الحظ بزيارة ثالثة وألا تكون الأخير قبل أن يتم تسليم المشروع للجهة المستفيدة ويبدأ بالعمل وفقاً لما تم التخطيط له.








الثلاثاء، 12 يوليو 2022

بغداد من الطابق 30

 بغداد من الطابق 30

 

أجرت الدكتورة Linda Henkel، أستاذة علم النفس في جامعة Fairfield،USA  تجربة لدراسة أثر التصوير الفوتوغرافي على ذاكرة زوار متحف الفنون في الجامعة. قسّمت المشاركين في التجربة الى مجموعتين، الأولى سمحت لها بتصوير الأعمال الفنية المعروضة، والثانية لم تسمح لها بالتصوير والاكتفاء بالنظر الى الأعمال الفنية والاستماع للمعلومات من المرشد أثناء التجول في المتحف.

تم اختبار ذاكرة المجموعتين فيما يتعلق بما رأوه بعد يوم واحد من الزيارة. تذّكر أفراد المجموعة الأولى معلومات أقل عن الأعمال التي قاموا بتصويرها. بينما تذكر أفراد المجموعة الثانية معلومات أكثر بالاعتماد على تركيز النظر ومعلومات المرشد الفني.

 

وقفت أمام مبنى البنك المركزي العراقي الجديد وأنا في حيرة التشبّه بالمجموعة الأولى أم المجموعة الثانية من التجربة السابقة. هل أجهز كاميرا هاتفي المحمول؟ أم أدع الهاتف يستريح في حقيبتي اليدوية. استغرقني القرار نصف دقيقة تقريباً فتسلّحت بهاتفي متأسفاً على خسارة ذكريات تفصيلية ثمينة.

قرار زيارة المبنى بالأصل لم يستغرقني سوى أجزاء من الثانية. اتصل بي المعمار أحمد سالم المحترم رئيس القسم المعماري في نقابة المهندسين العراقية مستفسراً عن رغبتي بالانضمام الى وفد النقابة لزيارة المبنى يوم الاثنين الموافق 2/7/2022، أجبته : نعم أرغب بكل تأكيد.

كانت استعدادات الصباح كمن يريد حضور حَدَث عظيم، على الرغم من قرب المبنى عن منطقة سكني ومتابعتي شبه اليومية لتطوراته الإنشائية.

أول مفاجأت الزيارة والتي لم أرصدها في متابعتي المزعومة هو استخدام الفريق الهندسي للبنك المركزي لمنزلين في المنطقة لإدارة المشروع. الأول في الجهة المقابلة للمبنى والذي تم استقبالنا فيه لتقديم عرض توضيحي عن تفاصيل المشروع. والثاني في صف المنازل الملاصقة للموقع وهو يستخدم كنقطة تفتيش وسيطرة للدخول الى الموقع.

أعوام وأرقام

بعد حفاوة الاستقبال والتعارف الرسمي على مقاعد طاولة اجتماعات تملئ غرفة ضيوف سابقة، بدأ فريق البنك المركزي بعرض شرائح أنيقة عن منجزهم الفريد. البداية بمتابعة أبنية البنك المركزي العراقي منذ البناية الأولى عام 1959 وحتى الوقت الحاضر، ثم توثيقاً لتواريخ مراحل المفاوضات مع مكتب الراحلة زهاء حديد لقبول العمل على المشروع ثم توقيع العقد في كانون الثاني عام 2012، ثم مراحل إعداد التصاميم والبدأ بالعمل وتطور المراحل الإنشائية الرئيسة للوصول الى النهاية الايكونية المفترضة.

بعد الأعوام جاءت الأرقام، أبعاد الموقع ومساحته، ارتفاع المبنى وعدد طوابقه ومساحاته البنائية، عدد الموظفين المفترض عملهم في المبنى، مواقف السيارات الخاصة بهم، وغيرها الكثير من أرقام عناصر المشروع ومواصفاته. دونت في دفتري الصغير ثلاثة من تلك الارقام فقط:

أبعاد الموقع 100X200 متر.

عدد الموظفين 1700 موظف.

عدد المصاعد 22 مصعد!

الطريق الى القمة

حصلت على بطاقة زائر مع مجموعة بالرقم 24. وحذاء سلامة مهنية بالقياس 41. وخوذة سلامة للرأس ضبطتها على القياس 57.

من الفضاء الخارجي الفاصل بين المبنى وصف المنازل الملاصقة لحدود الموقع، أخذنا منحدر واسع الى فناء داخلي عملاق، أرضيته بمستوى تحت الطابق الأرضي وسقفه مغطى بشبكة معدنية تبرز من بينها السماء. لابد من الإشارة الى أن الجولة كانت برفقة إدارة المشروع وعدد من المهندسين المشرفين على التنفيذ، وعلى الرغم من ذلك فإن انشغالي بالتصوير وانشغالهم بالإجابة عن أسئلة أعضاء الوفد الآخرين ترك الكثير من أسئلتي دون إجابات. ماهي وظيفة الفناء الداخلي سابق الذكر؟ لا أعلم. لكنني من مراجعة مخطط الموقع (Site) المعلن فالفناء يمثل جزء من المنطقة المركزية للكتلة الأفقية للمبنى والمسقفة بجسور موازية للكتلة العمودية (البرج).

من أحد اضلاع الفناء المطابق لمحور حركة عمودي على البرج، انتقلنا الى منطقة المصاعد التي تمثل مركز البرج وإسناده الإنشائي. ملئنا مصعدين للعمال بأبواب تفتح عمودياً وليس أفقياً وبكابينة مليئة بالملصقات الإرشادية والتحذيرية وباللغات الإنكليزية والعربية والتركية. استغرق الصعود الى الطابق 30 وقتاً طويلاً على الرغم من أن حركة المصعد والأصوات التي يصدرها توهمنا بأنه مصعد فائق السرعة.


الدخول الى الفناء

الخروج من الفناء


الطابق 30

استقبلنا عند الخروج من المصعد ممر عرضي ضيّق يقسّم المنطقة المركزية الـ(Core) للبرج الى قسمين، الأول خاص بالحركة العمودية يتضمن المصاعد وزوج من السلالم، والقسم المقابل يتضمن الخدمات الصحية للطابق ومحاور عمودية للخدمات الأخرى.

على أحد الجدران الكونكريتية تم تثبيت مخطط أفقي للطابق، والذي يظهر بوضوح النسبة بين مساحة الـ(Core) ومساحات الفضاءات الوظيفية للطابق. لعل النسبة تقترب من 1:1 أو 1:1.2 ، أي أن المساحتين متساويتين أو مساحة الفضاءات تزيد قليلاً على مساحة الـ(Core). تتضمن الفضاءات الوظيفية حلقة حركية حول الـ(Core) ومكاتب مائلة بزاوية 45 درجة على تلك الحلقة وبحافات منحنية، ثم تطل تلك المكاتب من الجهة الأخرى على الواجهات الأربع للبرج.

تذكرت وأنا أتجول في الطابق وأنظر الى المدينة من ارتفاع شاهق نصوص من الفكرة التصميمية للمبنى والمعلنة على الموقع الرسمي لمكتب المعمارية الراحلة، "ان تصميم البنك المركزي العراقي ينبثق من نهر دجلة الذي شكل المدينة وهو يشكل أيضاً المبنى المسؤول عن مؤسسة وطنية مهمة". "ينفتح البرج على النهر الذي يمثل المرجع الثابت لكل الموظفين والزوار فهو يمثل الماضي والحاضر والمستقبل". ليس الهدف هنا مناقشة الفكرة التصميمية ولكننا بصدق نشاهد نهر دجلة من جميع واجهات البرج والسبب كون المبنى يقع في نهاية إبهام بغداد (شبه جزيرة الكرادة)، فنستطيع رؤية مجرى نهر دجلة المحاذي لمنطقة كرادة مريم ثم المجرى المحاذي لجزيرة ام الخنازير (اللوفة) ثم المجرى المعاكس والمحاذي لمنطقة الدورة.

 

دليل الصعود

الجسر المعلق وكرادة مريم

جزيرة ام الخنازير

جسر الجادرية


الطابق 12

انحشرنا في المصعد مرة أخرى للنزول الى الطابق 12، الطابق الذي وصلت اليه أعمال الإنهاء الخارجي للبرج. قبل أيام كنت اشتري متطلبات المنزل من أسواق قريبة. تخيلت الاضلاع التي تم تثبيتها على المساحات الزجاجية بين الجدران الكونكريتية للبرج كخياشيم سمكة. تشاركت خيالي هذا مع المهندس المشرف على المشروع فقال إننا نسمي جدران البرج المتكررة والمنحية بـ (Fin Wall)!

جُدران زُعنفية.

يرتبط المشروع وثيقاً بالنهر وشارع النهر (ابو نؤاس) كأشهر مكان يرتبط بذاكرة السمك (المسكوف) البغدادي.

تأتي قطع التغليف وقطع الزجاج والاضلاع الزعنفية من المصانع في الخارج مرّمزة برموز خاصة تشير الى مكانها بالضبط. وما على العمال إلا وضعها في المكان المناسب.

الزعانف والخياشيم

تثبيت العمال لقطع الزجاج المؤطّرة

مفصل الاستقرار/ الانبثاق

بعد العودة الى الأرض كانت وجهتنا هذه المرة فضاء البهو أو الـ(Foyer)، الفضاء الذي يقع أسفل البرج تماماً. الممتع في ذلك الفضاء هو التأكيد على مفصل (استقرار/انبثاق) البرج (على/ من) الأرض. يستطيع المستخدم رؤية ذلك المفصل ومن ثم استمرارية رؤية البرج حتى نهايته السماوية. كون ذلك البهو فضاء داخلي مبرّد فهو لايمنع ذلك التواصل البصري بين خط الأرض وخط السماء بتسقيفه بجسور معدنية والواح زجاجية تظهر أيضاً في الـ(Site) الخاص بالمشروع.

البهو اسفل البرج

البرج من البهو

البحث عن زهاء

ملكة المنحنيات، هذا ما عرفنا به الراحلة زهاء حديد بعد أن تحولت عن التفكيك وزواياه المتعددة. تظهر المنحنيات في برج مبنى البنك المركزي وحافات كتلته الأفقية، لكننا عندما ننتقل الى داخل المبنى تختفي المنحنيات تماماً. جدران كونكريتية ومقاطع معدنية متعامدة كتعامدها في أي مشروع آخر. حتى الجدران المنحنية للبرج لا تدرك انحنائاتها بوضوح من داخل الطوابق لأن الارتفاع المتاح لكل طابق يمثل جزء من المنحنيات العمودية.  

لعلنا نجد منحنيات زهاء حديد في الداخل بعد البدأ بأعمال الإنهاءات المختلفة، مع علمنا أن الراحلة قد صممت مجموعة من قطع الاثاث باسلوبها المميز خصيصاً لبعض فضاءات المشروع.

 

الهيكل المعدني لتثبيت انحناءات الكتلة الخارجية


كانت جدّتي تختتم قصصها بــوعد ممتنع "لو بيتنا قريب جان جبتلكم طبكَ حمّص وطبكَ زبيب". نعم أنا بيتي قريب عن مبنى البنك المركزي العراقي ولكنني سأختتم قصتي بتحذير:

"إن جميع الانطباعات والآراء السابقة صالحة لغاية الزيارة القادمة للمبنى فقط".

 






 


الأحد، 3 يوليو 2022

مصادر عن الفكرة التصميمية في العمارة

 مصادر عن الفكرة التصميمية في العمارة

 

Introduction to Architecture

J.C.Snyder, A.J.Catanese. (1979)

CH 9: Concept in Architecture. P :(208-235)

يتحدث الكتاب في الفصل التاسع عن مفهوم الفكرة التصميمية في العمارة والفرق بين مفاهيم  Idea, Notion, Concept وشرح أنواع الفكرة الخمسة وتطبيقاتها.

 


Introduction to Architecture

Francis D. K. Ching, James F. Eckler. (2013)

CH8: The Design Process: tools and techniques for generating ideas. P :(199-230)

يتحدث الكتاب في الفصل الثامن عن مصادر الفكرة التصميمية وكيفية تطويرها.

 


The elements of modern architecture

Understanding contemporary building

Antony Radford, Selena Morkoc, Amit Srivastava. (2014)

يحلل الكتاب الأفكار التصميمية لـ50 مشروع معماري عالمي، وكيفية استجابة تلك الأفكار لمتطلبات الموقع والبرنامج الوظيفي والبيئة وتحديات أخرى.

 


الإلهام المعماري

أ.د. نوبي محمد حسن (2014)

يتحدث الكتاب عن مفهوم الإلهام المعماري ومقوماته ودوره في بناء الفكرة المعمارية، ثم يستعرض منابع الإلهام وتوظيفه في المشاريع المعمارية.

 


محاكاة الطبيعة في العمارة

Michael pawlyn

ترجمة: د.محمد بن سعيد الغامدي (2016)

يتحدث الكتاب كما هو واضح من عنوانه عن كيفية بناء أفكار معمارية تحاكي الطبيعة لتصميم مباني أكثر كفاءة.

 


عبقرية التصميم

قصة مائة مشروع في سطور

أ.د. هشام جريشة. (2016)

يقص الكاتب المعمار في كتابه التحديات والفكرة التصميمية لمئة مشروع عمل على تصميمه في مسيرته المعمارية.