الخميس، 25 سبتمبر 2014

طاق كسرى: بين العمارة ومفاهيم أخرى

قرأت في أحد المنتديات العراقية بالصدفة مشاركة من صاحبة الصورة الجميلة "روعة الانوثة" ! بعنوان (الجندي المجهول إكرام الأم بمخيلة الزعيم عبد الكريم قاسم)، تقول فيه (قد يكون للنص مصدر آخر) :
" في عام 1959 أستدعى الزعيم عبد الكريم قاسم الفنان رفعة الجادرجي ليشرح له وضع نصب لتمثال الجندي المجهول ومدى ارتباط هذا الجندي ودفاعه عن الارض واستشهاده ويوارى الثرى وكيفية إيصال رسالة للناس على أساس هذا هو الجندي المجهول.. إنطلق الفنان العراقي المبدع رفعة الجادرجي لرسم تخطيطات أولية عن ذلك الجندي فكانت الرمز هي الأم، والأم وحدها تعرف وتشم رائحة إبنها وسط ملايين الجنود والبشر .(الصورة المرفقة معنونة : صورة لمخطط عثر عليها في معهد الفنون انذاك يرمز للأم تحمل ابنها)


بوشر العمل بالرمز الثماني, ألا وهي ألام لابسة ثوبها المحشم الواسع الطويل لايبين منها شيئا كدلالة على أن تلك الحالة تنسي الانسان النظر للمرأة ومن ثم تنحني لترفع إبنها من الارض لتضمه لصدرها فغرست يداها وارجلها بالارض وبقيت هكذا منحنية دلالة على كسر ظهرها بفقد عزيزها, أضيف لما بين وسط القوس الثماني شعلة نار أزلية تنير ليل ساحة الفردوس ويرمز لذلك الجندي المجهول الباسل ..(إنتهى النص)


يجب أن أقول لكم أن جميع ماسبق ليس له أي نصيب من الصحة! وليس للأم علاقة بالتشكيل البتة، والدليل مايقوله المصمم نفسه في كتابه (الإخيضر والقصر البلوري، ص121) :
" بعد الثورة بقليل كلفني ذات يوم مجلس أمانة العاصمة بوضع تصميم لثلاثة أنصاب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز، وهي:
نصب الجندي المجهول.
نصب 14 تموز.
نصب الحرية.
وحدث قبل هذا أن كانت الحكومة العراقية في العهد الملكي تتفاوض مع الحكومة التركية لكي تنشئ الحكومتان ضريحين لشاعرين أحدهما ضريح للشاعر الجاهلي إمرؤ القيس المدفون في أنقرة ويقيمه العراق والآخر ضريح لشاعر تركي مدفون في بغداد تقيمه تركيا. وكان في نية الحكومة العراقية طرح ضريح الشاعر العربي في مسابقة معمارية. فاخذت أتهيأ للإشتراك فيها وأعد في ذهني تصوراً مناسباً للضريح يكون على له شكل ذو طابع عراقي، لذلك بدأت أدرس في ذلك الوقت شكل طاق كسرى واقوم بتجريده وبتحويله من شكل يعتمد أصلاً على البناء بالآجر الى شكل يعتمد على الخرسانة المسلحة. وقد وضعت دراسة أولية لمشروع الضريح هذا ثم تأجلت المسابقة، وحدثت الثورة فطويت الفكرة نهائياً.
وما أن وصلت مكتبي عصر ذلك اليوم الذي وقع فيه التكليف حتى بدأت بوضع تصميم لنصب الجندي المجهول فأكملته خلال فترة وجيزة مستخدماً تصوري السابق عن ضريح إمرؤ القيس، كما إنتفعت من خبرتي السابقة عندما إستخدمت الطاق الخرساني في جامع سراج الدين.


في الموعد المحدد في صباح اليوم التالي ذهبت الى مقر وزارة الدفاع وعرضت التصميمين (التصميم الآخر هو نصب الحرية في ساحة التحرير حاليا) على عبد الكريم قاسم.
عند عرض التصميم الأول إستحسنه وسألني عن موقعه فأخبرته أن مجلس أمانة اعاصمة قرر أمس أن يكون موقع النصب في ساحة الميدان... لكن قاسم لم يقبل بهذا الموقع، وبدأ يتكلم بإسهاب عن احتلال الجيش لبغداد ودخولها ماراً بساحة الفردوس ويجب أن يكون موقع النصب في هذه الساحة بالذات. (إنتهى النص)


والمعلوم أن طاق (إيوان) كسرى، هو الأثر الباقي من أحد قصور كسرى آنوشروان، يقع جنوب مدينة بغداد في موقع مدينة (قطسيفون) الذي يقع في منطقة المدائن وتعرف محلياً بإسم (سلمان باك) على إسم الصحابي الشهير سلمان الفارسي المدفون هناك.
وكسرى الأول (كسرى أنو شروان بن قباذ بن يزدجرد بن بهرام جور) إعتلى العرش بعد أبيه قباذ الأول ووضع الاسس لمدن وقصور وبناء العديد من الجسور والسدود وخلال عهده ازدهرت الفنون والعلوم في بلاد فارس، وكانت الإمبراطورية الساسانية في قمة مجدها، وهو أحد الأباطرة الأكثر شعبية في الثقافة الايرانية والأدب. (وكيبيديا)
وهذا الأثر يمثل أكبر قاعة لإيوان مسقوفة بالآجر على شكل عقد دون إستخدام دعامات أو تسليح ما. ويشيع بين بعض المسلمين أنه عند ولادة الرسول محمد (ص) إنطفأت نار الفرس المجوس التي كانت موقودة دوماً في الإيوان منذ آلاف السنين وإنشق حائطه. (وكيبيديا)



المثير للإنتباه هنا إن رفعة الجادرجي قد تعامل مع الطاق كمنجز إنساني مجرد، في مجال العمارة والبناء، لم ينظر له من منظار ديني مثلاً، فالرويات تشير الى حصول شق في الإيوان عند ولادة النبي محمد (ص)، فقد قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب ‏(‏هواتف الجان‏)‏‏:‏ حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي - حدثني مخزوم بن هاني المخزومي، عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة - قال‏:‏ لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام‏.‏


وقد أستخدم صورته (صورة المرجع المعماري) (طاق كسرى) بصورة إيجابية بدون إزاحة (تغيير في صفات الشكل للتعبير عن معنى معاكس)، فمثلا في العمارة من الممكن أن تستعمل شكل الهرم للتعبير عن الحياة بدلاً عن الموت ولكن بعد أن تقلبه رأساً على عقب أو أن تحوله الى هرم زجاجي!
أو أن تستخدم شكل مشعل نصب الحرية في نيويورك وتطرحه على الأرض للتعبير على الإنتصار على الولايات المتحدة الأمريكية ! (رمزية في أحد المشاريع المقدمة في مسابقة في زمن النظام السابق).

ولعل تعرّف النظام اللاحق لعبد الكريم قاسم على مرجعية شكل النصب هو السبب في إزالته من الساحة وبحضور المصمم نفسه، وقد يكون ذلك سبب تعرض الجادرجي للسجن، حيث يذكر الدكتور خالد السلطاني: إن الجادرجي في نهاية السبعينات إضطر الى إيقاف نشاطه المعماري أثر سجنه، بدواعي تلفيقية كيدية إفتعلها النظام الدكتاتوري التوتاليتاري البغيض (ثمانينية رفعة الجادرجي: الحداثة أولاً ... الحداثة دائماً الدكتور خالد السلطاني).
 ولكني أعتقد إن سبب الحبس هي تهم بالاهمال في أعمال عقود تصاميم تتعلق بدوائر الدولة ولم يذكر الجادرجي سبب حبسه في (الإخيضر والقصر البلوري) وقد يكون ذكره في (جدار بين ظلمتين) الذي لم اطلع عليه بعد.

وهنالك حادثة تأريخية تتعلق بطاق كسرى وبالتهم الكيدية يذكرها إبن خلدون في مقدمته يقول : وهذا ما وقع للعرب في إيوان كسرى لما اعتزم الرشيد على هدمه، وبعث الى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك، فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يُستدل به على عظم مُلك آبائك الذين سلبوا المُلك لأهل ذلك الهيكل. فاتهمه في النصيحة وقال اخذته النعرة للعجم، والله لأصرعنه.. وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه، واتخذ له الفؤوس وحمَّاه بالنار وصب عليه الخل. حتى اذا أدركه العجز بعد ذلك وخاف الفضيحة، بعث الى يحيى يستشيره ثانيا في التجافي عن الهدم. فقال لا تفعل واستمر على ذلك لئلا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم فعرفها الرشيد وأقصر عن هدمه.

وبعيداً عن طاق كسرى، أتساءل اليوم هل من الممكن أن نستخدم كمعماريين رموزاً معمارية ومصادر شكلية تعود الى حضارات والأمم تخالفنا بالدين والقومية وجميع مسميات الخلاف الأخرى؟؟
وإذا كان الخلاف الديني هو العقبة الأولى أحببت أن أسمع رأي المختصين في ذلك، فأرسلت سؤالاً هذا نصه الى أحد علماء الدين المعروفين اليوم بفكرهم المعاصر :
سؤال: تمتلك الحضارات الماضية في وادي الرافدين مباني مميزة جداً (مدينة أور، الزقورة، مدينة بابل بقصورها وشوارعها ومعابدها، برج بابل، المدن الآشورية)، ويذكر التأريخ إن من بنوا تلك المباني وإستخدموها لم يكونوا من الموحدين ولديهم آلهة متعددة.
في الهندسة المعمارية هنالك نظرية تدعوا الى أن تكون المباني المصممة ترتبط بتأريخ المكان وتمتلك عناصر معمارية تميزها عن غيرها من المباني في دول العالم من خلال الاستلهام من تلك المباني التأريخية. واليوم إذا صمم المعمار مبنى يمتلك عناصر وتفاصيل معمارية مقتبسة من عمارة تلك المباني هل هنالك أي إشكال في ذلك ؟
وكانت الإجابة:
ج/ لا مانع من التصميم بطريقة مشابهة للحضارات السابقة.

إذن كل الخبرات والتجارب الانسانية السابقة في العمارة هي متاحة للمعماريين اليوم لإنجاز أعمال تعبر عن المجتمع أولاً وعن المعمار المصمم ثانياً، ولكن بنفس الوقت هنالك رأي  يكرره الاكاديميون دائماً عند نقدهم لمشروع معين يحتوي على رموز ومصادر من عمائر تنتمي جغرافياً الى دول اخرى : ماعلاقة تلك الرموز بالعراق، ما علاقتها بالبيئة التي نعيش فيها؟

لذا على المعماري أن يجد قصة ملائمة تربط بين تلك الرموز وبين الفكرة التي يريد إيصالها للمجتمع الذي سيشاهد ويستعمل المبنى الذي يصممه، هذه القصة يجب أن تكون مقبولة وممتعة ومثيرة للإهتمام.








السبت، 13 سبتمبر 2014

بكدادو ... ستوديو للعمارة



بعد تجربة في الكتابة عن هموم العمارة والتصميم في واقعنا الحالي، وما تضمنته من إنتقادات لأشخاص وممارسات معمارية، ومحاولة وضع حلول إفتراضية للمشاكل التي تواجه المصمم أثناء عمله مع الزبون كفرد أو مع المجتمع ككل، قد يقول قائل:إن تلك التجربة (مجرد كلام حجيتة ومشيت....)، هل تستطيع أنت تطبيق تلك الافكار في المشاريع التي عملت عليها ؟

الإجابة: (أكيد لا).

أغلب المشاريع التي صممتها (بمفردي) تبدأ بداية مقنعة (بالنسبة لي على الأقل) ثم أفشل في إقناع الزبون بعدم التحوير والتغيير خصوصاً إذا كان جهة رسمية، بالإضافة الى بضع مساكن تسلم مخططاتها الى المقاول ونتيجة لعدم الاتفاق على الإشراف، يتعلق التصميم (بشارب) المقاول وإجتهاداته.

قد أبرر لنفسي الفشل بأمرين:

الأول: المعمار رفعة الجادرجي بجلالة قدره، يذكر إن هنالك عدد من المشاريع التي صممها لم يكن مقتنعاً بنتيجتها النهائية أبداً، فلم تظهر كما أراد لأسباب متعددة، حتى أنه كان يتحاشى المرور بالشارع الذي يقع فيه ذلك المبنى لكي لايراه امامه، فكيف الحال بي!

والثاني وهو الأهم: يقول البروفيسور الامريكي  douglas crimp يخوض المعماريون في جداليات جمالية أكاديمية مجردة، بينما هم في حقيقة الأمر رقيق في مملكة كبار المستثمرين العقاريين!

إذن ماهي (الجارة)، (مع نقطتين إضافية تحت الجيم)؟

أعتقد وبسبب إمتلاكي لمورد رزق ثابت (الراتب الوظيفي)، الحل هو بفصل العمارة عن المال (مؤقتاً).

والفكرة تتمثل بتأسيس ستوديو يعنى بالعمارة وبكافة الفنون المرتبطة بها، الهدف الأول منه، الخروج من مرحلة النص المكتوب الى مرحلة النتاج المعماري والفني المادي، أما الهدف الثاني فهو السير على خطا من سبقنا ونجحوا في إنتاج عمارة عراقية يفتخر بها الجميع، ويصفهم رفعة الجادرجي فيقول: كان لكل معمار من غرار أحمد مختار ابراهيم، ومدحت علي مظلوم، ونزار علي جودت، وقحطان عوني بالذات (شمرة) في طراز المعيشة، بما في ذلك الملبس والمأكل، فضلاً عن التمتع بمفهوم الترابط، بين مختلف الفنون، إذ أخذ المعمار العراقي آنذاك، موقعاً قيادياً في ترويج الفن العراقي المعاصر ورعايته، كالرسم والنحت، حتى اخذ يستقبل الفنان في داره ويقيم له المعارض، وينظم من أجله اللقاءات الدورية، وغير ذلك من النشاطات الهادفة الى تعريف المجتمع بالمفاهيم المعاصرة، لقد أضحت العمارة تسير في مسار وئامي مع الفنون الأخرى، وصار المعمار العراقي يرتبط بالفنان من مثل جواد سليم وفائق حسن وزيد صالح ومحمد غني.

يشاركني الفكرة عدد من الاصدقاء الداعمين لفعاليات الاستوديو المستقبلية (مادياً ومعنوياً)، التي قد تأتي قريبا أو تتأخر لأن همي الأول الآن هو الإعلان عن الفكرة وتوثيقها، علاوة على إنشغالي بالدراسة الأكاديمية.

أما فيما يخص التسمية فأعتقد هي مشكلة يقع فيها الجميع عند محاولتهم إختيار إسم لمشروعهم، الإسم الذي اخترته: (بكدادو) حيث هنالك دلائل موثوقة اوردتها النصوص المسمارية تشير الى ان اسم بغداد ورد بصيغتين هما "بكدادو" و "بكدادا bagdada “، bagdado وقد ذكر الاسمان في وثيقة بابلية ترجع الى عهد حمورابي الملك العظيم "1792 - 1750 ق. م." وكذلك من رقم اخرى جاءتنا من فترات متعاقبة كالعهد الكاشي - البابلي "1590 - 1107 ق. م ) ".أصول مدينة بغداد ومسمّياتها، فؤاد يوسف قزانجي).

  

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

عمارة مدبلجة
نصوص بين أمرين


التقديم
سوزان بويل ... إبنة عامل المناجم الفقير... المدرسون كانوا يعتقدون أنها متخلفة عقلياً، فهي تعاني من إعاقة ذهنية، وهي ترهل في الدماغ بسبب نقص الاوكسجين عند الولادة، خرجت من المدرسة بتقديرات ضعيفة لتكون الوظيفة الوحيدة التي حصلت عليها في حياتها هي (مساعد طباخ) ولم تستطع الاستمرار فيها! عندما بلغت الثانية والخمسين ... وقفت أمام لجنة تحكيم برنامج Britains got talent  لينبهر الجميع بصوتها الاوبرالي وهي تغني أغنية I dreamed a dream والتي قد إختارتها من مسرحية موسيقية عن رواية البؤساء!
في عام 2009 أصدرت سوزان البومها الأول والذي حطم الأرقام القياسية في المبيعات على مر العصور، وجنت ثروة تقدر بخمسة ملايين جنيه إسترليني. إكتشفت أخيراً إنها مصابة بمتلازمة (إسبراجير) وهو نوع من أنواع التوحد وليس بعطب في الدماغ جراء الولادة!
 ومربط الفرس هنا هو إنها بعد هذه التجربة أصدرت كتاب:
(The woman I was born to be) ليدخل ضمن قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الامريكية! ومع معرفة إن للأمر جانب تجاري وربحي فإنه كذلك مؤشر على الفرق بين (هم) و(نحن).
الفرق بين أن يحلم شاب إنكليزي بالغناء والشهرة فيذهب ليقرأ عن تجربة سوزان وأسرار شهرتها العالمية، وبين شاب عراقي يبحث عن سيرة مكتوبة للمطربين العراقيين الرواد قد لا يجدها أبداً!
وقد أطلق الدكتور صلاح نيازي على هذا الفرق (الصراع بين العقلية الشفاهية والعقلية التدوينية)، عقلية تعتمد على النقل الشفهي للتجارب والمعارف الناتجة عنها، يرافقها النسيان والإضافة والتحوير (نحن)، وعقلية تعتمد على الكتابة لتبقى التجارب والأفكار، مثبتة يمكن تداولها بين الناس بإختلاف الأماكن والأزمنة (هم).
بالمقابل ونحن في عصر السرعة أصبحنا وأنا الأول، لا نمتلك قابلية الإستماع طويلاً لمتكلم يحدثنا عن تجاربه ومغامراته وماذا قال وماذا قيل، أصبحنا نبحث عن (الزبدة)، وكتبت سابقاً (عندما أصبح شيخاً، لن أتكلم، بل سأكتب أفكاري ليختار الأخرون قراءتها بدلاً عن مجاملتي بسماعها، وقد أربي كلباً ).
لذا أعرض بين أيديكم محاولة أولى مني في تدوين ما يدور في رأسي من أسئلة أولاً ومن ثم محاولة إيجاد علاقات بين مفاهيم متعددة للوصول الى أجوبة مقترحة تصيب مرة وتخطا أخرى، كل ذلك كان في سياق عام هو هندسة العمارة، ومن ثم أحداث داخل هذا السياق تتمثل في تعرضي لقراءات ومواقف مع بدايتي لدراسة الدكتوراه في قسم الهندسة المعمارية، الجامعة التكنولوجية وتدريسي لمادة الحاسبات في نفس القسم، لطلبة المرحلة الأولى للعام الدراسي 2013-2014، علاوة على طبيعة الحياة في مدينة بغداد ومآسيها !
الخطوة الأولى كانت في إنشاء مدونة ألكترونية بعنوان (إناء من بحر العمارة) دونت فيها تلك النصوص، وإخترت لها عنوان ثانوي يقول (الهندسة المعمارية بحر عميق الأغوار، مترامي الأطراف، ولكل معمار إناء يغرف به من الماء ما إستطاع، وهذا إنائي) قد تكون التسمية مبالغ فيها لأني حين قلتها لأحد الاصدقاء قال: (بلكت تنطيني مجعة!).
وبعد أن إقترب موعد ذكرى ميلادي الـ31 قررت أن أكمل عدد النصوص الى نفس الرقم، وإخراجها من الفضاء الإفتراضي الى نسخة ورقية ذات وجود مادي، وهنا جاء دور إختيار عنوان للمجموعة، ومن قراءة أخيرة وجدت أن أغلب المحفزات، مصادر النصوص، الشخصيات، الأمثلة هي تدور في ثنائيات الـ(هم - نحن)، (العالمية - المحلية)، (الحضارة الغربية- الحضارة العربية الاسلامية)، ومن الواقع الذي نعيشه يومياً نجد تفوق الطرف الأول في تفاصيل حياتنا الشخصية بصورة عامة والهندسة المعمارية بصورة خاصة، لذا جاء العنوان الرئيس معبراً عن التبعية التي نعيشها في تلك الثنائيات، أما العنوان الثانوي فيعبر عن المحاولة في الجمع أو المقارنة أو التقريب بين أمري الثنائيات في أغلب الموضوعات.
وبما إن جميع النصوص الـ31 تمتلك كما قلت عامل مشترك واحد فقط هو حديثها عن هندسة العمارة، لذا جاء ترتيبها بحسب التسلسل الزمني لكتابتها، ولأنها في الغالب كانت تأتي نتيجة لقراءة معينة في كتاب أو المواقع الالكترونية المتعددة، فقد حاولت أن اثبّت مصادر تلك النصوص دائماً ولكن في بعض الأحيان تختلط فكرة الكاتب مع النص الذي أكتبه، لذا لا أدّعي لنفسي سوى جمع النصوص والأفكار لمن سبق ممن نظّر وفكّر ودوّن في العمارة ومحاولة إيجاد العلاقات بينها.
وفيما يخص الشكر والتقدير فهو موجه بالتأكيد الى أمي، أكثر من أي وقت مضى، بعدها لجميع من كتب كلمة أو جملة لأقرأها في يومٍ ما، ولكل من علمني حرفاً في قسم الهندسة المعمارية وبالتحديد الدكتورة أنوار المحترمة لتفضلها بقراءة وتقديم النصوص، ومن ساهم في تأسيس وتطوير شبكة المعلومات العالمية التي أضافت لنا الكثير وسلبتنا الكثير، وطلبة المرحلة الأولى لكونهم السبب في فكرة أو مشاركتهم في إنجاح فكرة، وأخيراً لطائر الكناري الذي كان رفيقي في أغلب أوقات كتابتي.

بلال

الأربعاء، 23 يوليو 2014

نسبة عدد المهندسين المعماريين الى عدد السكان الكلي في العراق لعام 2013

نَشر حساب Monditalia :
 (one of the three exhibitions currently being prepared for this year’s Venice Architecture Biennale ) على موقع التواصل الإجتماعي (twitter) تغريدة تتضمن مخططاً توضيحياً يمثل نسبة عدد المعماريين الى عدد السكان الكلي، في 36 دولة حول العالم، صاحبة النسبة الأعلى في المخطط هي إيطاليا حيث يقابل كل مهندس معماري (414) شخص فقط، في الطرف الآخر تقع الصين الشعبية، حيث يقابل كل مهندس معماري (40،000) شخص. وبين الطرفين تقع دول البرتغال، الدنمارك، المانيا، بلجيكا، إسبانيا واليونان والتي تمتلك نسبة أقل من (1:1000) ، علاوة على الدول الباقية التي تمتلك نسب مختلفة.


وبعيداً عن النسبة الأمثل التي يتساءل عنها موقع (archdaily) في سياق إستعراضه للمخطط، جاءت الفكرة لحساب هذه النسبة في العراق، فكم شخص من المجتمع يقابل المهندس المعماري العراقي الواحد ؟
الآلية ببساطة هي قسمة عدد السكان الكلي للعراق على عدد المهندسين المعماريين الذين خرّجتهم الجامعات العراقية منذ تأسيس قسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد وحتى العام الدراسي 2012-2013، وتتمثل خطوات الحساب بالتالي:
أولاً: تشير آخر إحصائية لوزارة التخطيط العراقية إن عدد سكان العراق التقريبي بلغ 33 مليون نسمة لعام 2012 بمن فيهم سكان إقليم كردستان، وإن معدل النمو السكاني في العراق يبلغ (2،8) بالمائة سنوياً. فيكون عدد السكان لعام 2013 هو (33924000) مليون نسمة.
ثانياً: حساب عدد خريجي أقسام الهندسة المعمارية في الجامعات العراقية بالإعتماد على الأعداد المنشورة في المواقع الألكترونية الخاصة بها، وتم تحديد الإحصائية لعام 2013 لكون أعداد الخريجين هذا العام لم تنشر بعد، وبسبب عدم وجود الإحصائيات في بعض المواقع تم الإتصال بالأساتذة المحترمين في تلك الأقسام للحصول على أرقام تقريبية منهم.  
ومن الضروري القول هنا إن ما يؤثر على دقة حسابات عدد المهندسين المعماريين على الأرض هو الأعداد الكبيرة التي هاجرت الى خارج العراق خلال الأزمات السابقة والحالية، وفي المقابل لم تحتسب أعداد الحاصلين على شهاداتهم من الجامعات خارج العراق، لذا نرجوا أن يكون الأمر متوازناً.
والجدول يمثل أسماء الجامعات وأعداد خريجيها:

الجامعة
سنة التأسيس
تخرج أول دورة
عدد الدورات المتخرجة حتى عام 2012-2013
عدد الخريجين الكلي حتى عام 2012-2013
المصدر

جامعة بغداد
1959-1960
1963-1964
49
2508
الجامعة التكنولوجية
1977-1978
1981-1982
32
1887
جامعة الموصل
1978-1979
1982-1983
31
920
جامعة صلاح الدين (أربيل)
1993-1994
1997-1998
16
400
الموقع الرسمي يتضمن سنة التأسيس فقط وعدد الخريجين تقريبي
جامعة السليمانية
1999-2000
2003-2004
10
300
الموقع الرسمي يتضمن سنة التأسيس فقط وعدد الخريجين تقريبي من مصادر داخل القسم
جامعة البصرة
2002-2003
2006-2007
7
195
جامعة النهرين
2002-2003
2006-2007
7
140
جامعة دهوك
   -2004         2005
2008-2009
5
90
الموقع الرسمي يتضمن سنة التأسيس فقط وعدد الخريجين تقريبي من مصادر داخل القسم
جامعة كوية
2004-2005
2008-2009
5
90
الموقع الرسمي يتضمن سنة التأسيس فقط وعدد الخريجين تقريبي من مصادر داخل القسم
جامعة بابل
2008-2009
2012-2013
1
40

العدد الكلي
6570



ومن تقسيم عدد السكان(33924000) على عدد المعماريين الكلي (6570)، تكون النسبة (1:5163) أي كل مهندس معماري يقابله (5163) شخص في العراق. وبهذا فنحن نقع في المخطط المذكور بين الصين ورومانيا التي تمتلك نسبة (1:3827).


وفي الختام نرجو أن يساهم حساب هذه النسبة في المساعدة على إتخاذ القرارات المتعلقة بالهندسة المعمارية في الجانب الأكاديمي والعملي، وفي ظل تطورات التعليم العالي اليوم، ستتغير النسبة بالتأكيد في السنين القادمة نتيجة لإفتتاح العديد من أقسام الهندسة المعمارية في الجامعات الحكومية والأهلية في عموم محافظات العراق، ونتمنى أن تكون هذه المحاولة هي الخطوة الأولى في سبيل أجراء الحسابات بعد خمس سنوات مثلاً. والشكر الجزيل للأساتذة المحترمين الذين زودونا بالمعلومات من أجل الوصول الى عدد الخريجين الكلي.


شارك في إعداد الاحصائية، طلبة قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية: أحمد يونس، زهراء أحمد، سرى سعد، ماريا حسين ومصطفى فؤاد .