الجمعة، 23 يناير 2015

بعيداً عن العمارة، لماذا نطلق العيارات النارية؟

من المحتمل أننا يجب أن نسأل أولاً:
لماذا نصرخ من الألم؟ لماذا نصرخ عندما ترتطم أقدامنا بحافة مدببة؟
والإجابة من Google هي: السبب أن الدماغ يتعرض لضغط كبير عند وجود أي حدث غير مفهوم أو مفاجىء له، ولتحرير هذا الضغط هناك أساليب عدة منها الصراخ الذي يخفف من الضغط على الأعصاب حتى يستطيع الجسم التعامل مع الظرف الجديد الذي تعرض له.
ولكن هل تصلح هذه الإجابة لسؤال آخر؟ لماذا نصرخ عندما نسمع خبر محزن؟ ولماذا نصرخ عندما نسمع خبر مفرح؟ مع عدم وجود عامل مادي مؤثر على الجسد الانساني.
أعتقد أن الضغط الناتج عن نقل الإحساس بالألم عن طريق الأعصاب الحسية، مشابه للضغط الناتج عن نقل المعلومات بواسطة الأعصاب السمعية أو البصرية، لذا فالصراخ في كل الاحوال هو للتخفيف عن ذلك الضغط المفاجئ.
ودعونا نتكلم عن الفرح فقط ... هل رأيتم يوماً لاعب كرة قدم سجل هدفاً ولم يصرخ بفرح؟ وماذا عن المشاهدين؟ وتزداد شدة الصراخ مع أهمية الهدف بالتأكيد، فلو كان الفريق فائز ب4 أهداف لصفر مثلاً وسجل اللاعب هدفاً خامساً هل سيصرخ بكل قوته؟
لذلك أرى أن هنالك إنساناً في التأريخ، فرح فرحا شديداً ووجد أن صوته وبكل طاقته لا يعبر عن شدة ذلك الفرح، فتلفت (يمنة ويسرة) فرأى حجراً وآنية طعام معدنية، فطرق بالحجر على المعدن ليصدر صوتاً أعلى من صوته المجرد!
حقيقة لا أعرف بعدها كيف وصل الأمر بالانسان الى إختراع الطبل والدف لإصدار أعلى الاصوات، ولكنها بديل لصوت الانسان للتعبير عن الفرح أولاً، لتتطور بعدها وتستخدم لأنتاج الالحان الموسيقية.
وهنا نصل الى مرحلة تأريخية مهمة بدأت باللحظة التي ردد فيها الثوارالعراقيين " الطوب أحسن لو مكواري"، هذه اللحظة تتمثل بدخول الأسلحة النارية الى العراق بكافة أنواعها، قد تكون دخلت لأول مرة مع العثمانيين ومن ثم مع الصراع بين العثمانيين والانكليز على إحتلال العراق ...
ويروي لنا التأريخ على لسان جدتي، أن الثوار العراقيين كانوا يخربون سكة القطار الناقل للأسلحة والعتاد ليستولوا على ما تحتويه وإستخدامه ضد المحتلين. وبذلك أصبح لدى الناس أداة تصدر صوتاً أعلى من الطبل والدف! صوت مدوّي وقاتل في نفس الوقت، وهنا بالذات (نفترض) وجود حادثة تأريخية إستعمل فيها الثوار تلك الاسلحة لقتل المحتلين وأنتصروا عليهم، فأصابتهم فرحة هستيرية عبروا عنها بإستمرار إطلاق الأصوات التي كانت سبباً في إنتصارهم!
وإستمرت هذه الظاهرة حتى يومنا هذا، والدليل على كون إطلاق الرصاص بديل للصراخ، هو عدم رؤيتنا لشخص يعبر عن فرحه بالرمي من سلاح كاتم للصوت!
وبما أننا نمتلك حرية وضع الحلول النظرية والتطبيق (الله كريم)، فالحل المفترض يتضمن ثلاث فقرات مترابطة:
الأولى: تطبيق صارم لقانون يمنع إطلاق النار لأي سبب كان غير (الدفاع عن النفس)، وهذا ماكان عليه الأمر في النظام السابق، فحتى هذه اللحظة أتذكر توبيخ جدي بسبب الصوت الذي اصدره مسدسي البلاستيكي وإطلاقات تحتوي نوعاً من البارود، فكان السؤال العظيم: هل يُعقل أن يخاف رجل راشد من إستخدام حفيده للعبة أطفال!
والثانية: نقل وسائل الإعلام لطرق واساليب إحتفال الشعوب المتطورة لنتعلم منها ونتأثر بها بوعي أو غير وعي، فنحن نتعلم من الآخرين بسرعة، ولكن الخوف أننا نتعلم السلبيات فقط.
الثالثة: توفير بدائل صوتية آمنة للتعبير عن الفرح، فأغلب علماء التربية المختصين بالتعامل مع الطفل، يوصون الأهالي بتوفير بديل للعادة السيئة لطفلهم حتى ينشغل عنها بلعبة أو فعالية جديدة تنسيه الأولى، ونفس هؤلاء المختصين يقولون: إننا أطفال كبار!
كل ذلك لنتجنب الدعوات الكثيرة التي تقول : "إن شاء الله يخسر المنتخب العراقي حتى محد يضرب طلقات!"


الخميس، 11 ديسمبر 2014

هاتولي مقاوِلة!

بعد الحرب العالمية الثانية، كان هنالك مجموعة من العلماء (النساء)، جاءتهم فكرة عظيمة (من وجهة نظرهن طبعاً)، حيث وجدوا أن أضمن طريقة لتعيش بلادهم بأمان وسلام، هي أنهم يتوقفوا عن إنجاب الذكور، لأن الانثى كائن مسالم بطبيعته، وبدوأ بعمل أبحاث وتجارب لتحقيق هذه الفكرة، وبعد فترة، إكتشفوا هرمون من الممكن أن يوقف إنجاب الذكور، إستخلصوا هذا الهرمون ووضعوه في المياه، ليضمنوا وصوله الى كل بيت في البلاد، وبدأ الهرمون ينتشر من دولة الى أخرى حتى وصل الى مصر عام 1945.
وبعد أن إنتشر الخبر، كل الأزواج المتخاصمين تصالحوا، وكل المخطوبين تزوجوا، وكل النساء بدأوا بالزواج من أول رجل يتقدم لخطبتهم، وكل تلك الزيجات طبعاً أنتجت أطفالاً إناث فقط، ومع بداية السبعينيات أصبح الرجل عملة نادرة جداً، وبدأت المرأة تحل محل الرجل في المجتمع، بدأت بالأعمال الصغيرة، وكان الموضوع مأساة في البداية، ولكن مع مرور الوقت أصبحت قادرة على عمل كل ما يعمله الرجال وأكثر (كمان)، وأصبحت المرأة مسيطرة على كل شئ !


هذه هي الفرضية التي يبدأ بها الفلم المصري (هاتولي راكل) من تأليف الكاتب كريم فهمي وإخراج محمد شاكر خضير، ولكن ماذا لو وصل الهرمون الى العراق في ذلك الوقت؟ ماذا لو أصبحت المرأة مسيطرة على كل شئ؟ ماذا لو أصبحت المرأة مسيطرة على مهنة العمارة؟

لسنا بحاجة الى تخيل أداء المرأة في الاختصاصات التي تمارسها على أرض الواقع: التعليم المعماري، التصميم المعماري والإشراف على تنفيذ المشاريع الهندسية، ولكن ماذا لو سيطرت على مهن التنفيذ الهندسي نفسها؟ ماذا لو؟ أصبحت المرأة مقاولة، أسطة، خلفة أوعاملة بناء؟

الأغلب يشتكي من تقصير أو عدم كفاءة الرجال في تلك المهن، وليس الأمر بالجديد، فمنذ القدم صيغت أمثال شعبية تلخص تجارب الناس مع (البنّة)، فهنالك مثل يقول: "طبب لبيتك حرامي ولتطبب بنّة" وعن إنجاز المهام البسيطة بوقت طويل جداً يضرب المثل بقضاء البنّة لحاجته!

وبالاعتماد على المقارنة بين عقل الرجل والمرأة للمحاضر الأمريكي (Mark Gungor) نستطيع أن نقيّم مَن الأفضل لممارسة تلك المهن :
فيما يخص عقل الرجل فهو(مكون من صناديق مُحكمة الإغلاق، وغير مختلطة، هنالك صندوق البيت وصندوق العمل وصندوق الأولاد، وإذا أراد الرجل شيئاً فإنه يذهب إلى هذا الصندوق ويفتحه ويركز فيه وعندما يكون داخل هذا الصندوق فإنه لا يرى شيئاً خارجه، وإذا إنتهى أغلقه بإحكام ثم شرع في فتح صندوق آخر وهكذا. وهذا هو ما يفسر أن الرجل عندما يكون في عمله، فإنه لا ينشغل كثيراً بما تقوله زوجته عما حدث للأولاد وغيرها).
أما عقل المرأة(فهو مجموعة من النقاط الشبكية المتقاطعة والمتصلة جميعاً في نفس الوقت والنشطة دائماً، كل نقطه متصلة بجميع النقاط الأخرى مثل صفحة مليئة بالروابط على شبكة الإنترنت، وبالتالي فهي يمكن أن تطبخ وهى تُرضع صغيرها وتتحدث في التليفون وتشاهد المسلسل في وقت واحد، ويستحيل على الرجل - في العادة - أن يفعل ذلك، كما أنها يمكن أن تنتقل من حالة إلى حالة بسرعة ودقة ودون خسائر كبيرة).
إذن من الأنسب في متابعة جميع فقرات البناء؟ من الأنسب في إدارة التداخل بين إنجاز تلك الاعمال؟ إذا كان الرجل لا يستطيع أن يفكر بأكثر من صندوق في نفس الوقت فمن الممكن أن يوقف التداخل بين الأعمال: ينتهي الكهربائي من كافة أعمال التأسيسات الكهربائية ويخرج من الموقع ليتم بعدها العمل بإنهاء الجدران وبعد إنتهائها يتم إنهاء الارضيات وهكذا، ولكن التداخل هو العامل الاساسي في إختصار الوقت، ويصبح قضاء البنّة لحاجته لا تتجاوز 5 دقائق!


وهنالك قضية أخرى ترتبط بالوقت(إحتياجات الرجل الصندوقي محددة وبسيطة وممكنة، أما إحتياجات المرأة الشبكية فهي صعبة التحديد وهى مُركبة ومُتغيرة، قد ترضيها كلمة واحدة، ولا تقنع بأقل من عقد ثمين في مرة أخرى، وفى الحالتين فإن ما أرضاها ليس الكلمة ولا العقد وإنما الحالة التي تم فيها صياغة الكلمة وتقديم العقد)، إذن هل من الممكن القول أن العمل مع الرجل البنّة أسهل؟ فهو يتبع الطرق البسيطة في حل المشاكل في الموقع، ومن يعمل معه سيعرف ماذا يريد (إستاده) وهو سيتبع نفس الحل في المشاكل المشابهة القادمة، وبذلك فأن العمل سينجز بوقت أقصر.

و(الرجل الصندوقي لا يحتفظ إلا بأقل التفاصيل في صناديقه، وإذا حدثته عن شئ سابق فهو يبحث عنه في الصناديق، فإن لم يعثر عليه فإنه لن يعثر عليه أبداً، أما المرأة الشبكية فأغلب ما يمر على شبكتها فإن ذاكرتها تحتفظ بنسخة منه ويتم استدعائها بسهوله لأنها على السطح وليس في الصناديق)
وهنا، كم من مهندس أوصى المقاول أو الأخرين بإنجاز أعمال معينة أو إنهاء تفصيل بطريقة معينة ويأتي ليرى العكس تماماّ، ويكون العذر : (نسيت/نسينا إستادي!)؟

و(الرجل الصندوقي مُصمم على الأخذ، والمرأة الشبكية مُصممه على العطاء، ولذلك فعندما تطلب المرأة من الرجل شيئاً فإنه ينساه، لأنه لم يتعود أن يُعطى وإنما تعود أن يأخذ، يأخذ في العمل، يأخذ في المطعم، بينما إعتادت المرأة على العطاء، ولولا هذه الفطرة لما تمكنت من العناية بأبنائها). ولهذا قد يكون همّ المقاول الأول هو الربح على حساب الأمور الأخرى ولكن ( قد ) تفكر المقاولة بتشييد مبنى مثالي لأم مثلها تسهر على راحة أبنائها فيه!
وكذلك لأن (المرأة غالباً ما تستخدم عاطفتها قبل عقلها وذلك من خلال الإحساس بالآخرين والتعاطف معهم )، فأنها سوف تتعاطف مع الزبون عندما يضطر لاستئجار مسكن أو يسكن مع أقاربه حتى انتهاء بيته، لذا قد تعمل ليل نهار لتخليصه من هذه الأزمة!


و(عادة ما يهتم الرجل في عمله بالترقيات والمناصب العليا وكيفية الوصول إليها، على عكس المرأة التي لا تهتم كثيراً بذلك بقدر ما تهتم بتكوين الصداقات بينها وبين زميلاتها في العمل مما يقوي بينهن روح التعاون ومن ثم تقديم نتائج أفضل) ومع الشك بهذا الفرق ! ففي حالة وجوده، سوف تتخلص مهنة المقاولات من (الاستعراض) و(البوزات) ويصبح الهمّ الأول إنجاز العمل بافضل صورة وأسرع وقت!

و(إن معظم نساء العالم لا يتقبلن الانتقادات أبداً، بل إن لديهن حساسية مفرطة من أي تعليق أو أي انتقاد يوجّه إليهن، على عكس الرجل الذي غالباً ما تكون ( روحه رياضية ) نظراً لأنه يعد أكثر تقبلاً للنقد من المرأة) قد يشكل هذا الفرق مشكلة في مهن البناء، تخيلوا أن يأتي المهندس المشرف فلا يعجبه العمل المنجز ويطلب من المقاولة أو (البنّاية)(مؤنث بنّة) بهدمه، في هذه الحالة يجب على المهندس الالتزام بإرتداء الخوذة الواقية لأنها سوف ترميه بأقرب طابوقة أو (ثليثية)!

وأخيراً فمع كل هذه الأفضليات للمرأة لماذا لم تفكر بالعمل في مجال البناء؟
أعتقد أن الإجابة واضحة، وهي عدم قدرتها البدنية على حمل الاثقال والعمل من السادسة أو السابعة صباحاً حتى الرابعة عصراً، ولكن من الممكن تجاوز هذه المشكلة في الوقت المعاصر عن طريق التكنولوجيا، فقد دخلت الآلات في جميع الاعمال، هنالك آلة تحمل الطابوق، تنقل الخرسانة الى الطوابق العليا، وهنالك آلة (تلبخ) الجدران وحدها!


ولكن إذا كان الحديث عن العراق فبالتأكيد أن التكنولوجيا لا تزال بدائية في الاعمال البنائية ولا أعتقد أنها ستدخل قريباً ايضاًُ، لذا من الممكن أن تصبح المقاولة أو البنّة مرأة ويعمل الرجل معها لإنجاز كافة الاعمال التي تتطلب الجهد البدني وما عليها سوى أن تكون الرئيسة وتستغل فروقها عن الرجل ومهاراتها في إدارة وتنظيم العمل.


ولكن (مرة أخرى) من سيقبل من الرجال العمل (جوة أيديهة)؟ سألت نفسي أولاً كرجل، فأجاب جانبي الشرقي: طبعا لا ما أقبل، شيكولون علية الناس!



ملاحظة: النصوص بين قوسين من موقع مجلة العراق الدوائية وللكاتب والمدرب هشام بن أحمد آل طعيمة.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

(حديث الشباب)
حديث في العمارة 

التجربة الأولى مميزة دائماً، وسر تميزها هو متعة الإستكشاف التي نعيشها، الترقب والقلق، بالاضافة الى الاخطاء التي نرتكبها نتيجة للارتجال، فيبرز تأثير عقلنا الباطن على حساب التفكير المنطقي والمحددات الواعية.
التجربة الثانية تكتسب نكهة مختلفة كلياً، الأمر مشابه لمراجعة الفرد لدائرة رسمية عراقية لأول مرة، عن نفسي سوف أبحث أولاً في الانترنت عن أي معلومة تخص موقع الدائرة الجغرافي، بعدها يبدء التفكير بوسيلة للوصول الى ذلك الموقع، والخطوة الأهم بعد الوصول التعرف على المدخل من بين الكم الهائل من الإجراءات الأمنية، لتدخل أخيراً. تتطلع الى الكتابات الارشادية إن وجدت، تسال المراجعين، تذهب الى الموظف الخاطئ، فيرسلك الى استاذ فلان أو ست فلانة لتصل أخيراً الى الموظف المطلوب.
أما في التجربة الثانية فأنك تذهب الى الموظف مباشرة وتتجاوز جميع أخطاء الماضي.
وفي حياتنا اليومية الحالية نعتمد بصورة كبيرة على تجارب الآخرين من خلال شبكة الانترنت، أي مشكلة تواجهنا وفي أي مجال، بعملية بحث بسيطة نجد إن هنالك من عانى منها قبلنا، ولكنه إتخذ خطوة جميلة ... لقد شارك الآخرين الحل.
وبعد تجربة المشاركة في برنامج تلفزوني قصير وجدت من المناسب مشاركة التجربة وأخطائها لأرد قليلاً من ديون الآخرين عليّ في انجازاتي المهنية والعلمية البسيطة.

نقطة البدأ هي الاعتراف بفضل من يتيح لك فرصة المشاركة بتجربة جديدة، الدكتور مصطفى كامل المحترم، علمني سابقاً حروفاً في الفن والعمارة وعن العلاقة الوثيقة بين علم النفس والعمارة، ليرشحني اخيراً لهذه التجربة.
بعدها إتصل بي معد البرنامج لنتفق على الموعد وموضوع الحلقة، ولكوني مطلع على عدد من حلقات البرنامج (حديث الشباب) فهو يتحدث عن القضايا التي تخصهم بالتحديد وبكافة المجالات. الحلقة كانت عن العمارة العراقية بصورها السابقة والحالية (التراث-المعاصرة) أو(التراث-الحداثة) بعيداً عن تسمية (عمارة الحداثة)، ودور المعماريين الشباب في انتاج الصورة الحالية، هذه كانت المعلومات الوحيدة المتوفرة حينها.


وللاستعداد هنالك خطوتين إتخذتهما، الأولى: الإطلاع على أكثر من حلقة سابقة للبرنامج للتعرف على سيناريو الحلقة، طبيعة الحوار، إسلوب ومظهر المشاركين في الحلقات، أما الخطوة الثانية فهي التفكير بصورة سريعة وعامة بإشكاليات العمارة العراقية ومحاولة وضع اسئلة او سيناريوهات محتملة، ولأن تدوين المعلومة يخفف من ضغط القلق من النسيان، حاولت تلخيص الخطوط العامة للأفكار التي أثارها موضوع الحلقة وهي على شكل ثنائيات وثلاثيات:

(عمارة – تراث): نحن لم نعيش في بيت بغدادي ولم نلعب في زقاق بغدادي، لم نمشي في شارع الرشيد لم نزر الحضر والأخيضر وزقورة أور والأهوار وكل هذه الانجازات الحضارية، تعرفنا عليها عن طريق الصور فقط، وبالتأكيد أن قيمة الصورة أقل من القيمة الحقيقية بكثير، لذا فنحن معماريين صوريين وأقل تفاعل وتجانس مع البيئة المحلية.
(المعماريون الرواد – التراث): المعماريون الرواد ولأنهم كانوا يمتلكون ذكريات وعاشوا في بيئة تراثية لذا فهم أكثر ارتباطاً بالتراث ولكل منهم عنصر أثير معجب به ويحاول إبرازه في تصاميمه المتنوعة.
(عمارة – مواد): الإنبهار بالعمارة العالمية المعاصرة عن طريق الانترنت بالتحديد، جعل المعماريين الشباب يميلون الى إستخدام الزجاج في الواجهات على الرغم من عدم ملائمته للبيئة العراقية، وإذا كان هنالك من يقول أن الزجاج اليوم مقاوم للحرارة وعاكس لها، فهذا صحيح ولكن على الأقل هو غير ملائم جمالياً لانه سوف يجمع الأتربة والغبار ويشوه شكل المبنى نتيجة لعدم الاهتمام بالتنظيف والصيانة المستمرة لواجهات المباني، بينما الطابوق المحلي مثلا لا يؤثر الغبار على شكله كثيراً.
(عمارة – مقاول – البيئة المبنية الحالية): إن البيئة التي نشئنا فيها ونشئ فيها الجيل الحالي هي من صناعة المقاول! (ليس تقليل من مكانة المقاول طبعا)، ولكنه يفتقر الى المعلومات العلمية ويعتمد على الخبرة المتناقلة والتجربة والخطأ، حيث أن الدراسة المعمارية تقلل من زمن التجربة وتقلل من الأخطاء البنائية المرتكبة. والسبب في كون المقاولين اكثرانجازاً من المعماريين في تلك البيئة هو مادي بحت،حيث يمنح المقاول المخططات مجاناً للزبون ويجني أرباحاً هائلة من أعمال البناء، بينما المعماري يطالب بمبلغ كبير نسبياً على المخططات فقط.
(عمارة – إمكانيات الشباب): يمتلك الشباب إمكانات عالية، وهم مستعدين دائماً لتعلم آخر البرمجيات المعمارية التي تطلقها الشركات العالمية وسوق العمل بأمس الحاجة لها. ولكنهم مرتبطين برأس المال الحالي وهو قسمين: الأول قادم من خارج العراق ويحمل معه صور العمارة العالمية الجميلة ويريد عن حسن نيه بناء مثلها في العراق.
والقسم الثاني لم يغادر العراق ولكنه ضحية للبرامج التلفزونية والانترنت ويطلب ما يشابه تلك الأعمال المبهرة بالنسبة له.
(عمارة - الحل المقترح): أعتقد أن الحل سهل الكتابة صعب التطبيق، وهو قراءة سيرة المعماريين الرواد، والسير على خطاهم كمنهج مع الأخذ بنظر الإعتبار جميع المتغيرات السابقة والحالية.
وبعد تدوين هذه الملاحظات حان الموعد في اليوم التالي، ومع ضغوط شوارع مدينة بغداد وصلت في الموعد المحدد، تلتقي بمعد البرنامج يرحب بك وتدور أحاديث سريعة للتعارف أكثر ثم يجهز إستوديو التصوير، تغلق الهاتف، تثبت لاقطات الصوت، ثم تطرح عليك الاسئلة مباشرة دون معرفة سابقة أو أي مناقشة وتوجيه، لذا كانت الأفكار المسبقة هي الأقرب الى اللسان مع بعض التعديلات الطفيفة وبما يلائم الأسئلة المطروحة.

وأخيراً هل سمعتم يوماً عن شخصية عامة تعرضت لإنتقاد بسبب رأي معين نقلته أحدى الفضائيات وهو يقول: إنه لم يكن يقصد هذا المعنى وإن الكلام وضع في غير موضعه وقد يذهب بعيداً ليقول: تم التلاعب بكلامي لتوجهه الفضائية حسب رغبتها.
الحقيقة لهم القليل من الحق، لأنك تترك كلامك لمعد البرنامج ليختار ما يناسبه، لإعتبارات الموضوع او وقت البرنامج ويترك مالا يناسبه حتى لو كان ذو علاقة وثيقة بالكلام السابق أو موضح له.



الاثنين، 3 نوفمبر 2014

رؤية هوليودية للجدران الكونكريتية 

لا أتذكر نقطة البداية ولكنها فكرة أمريكية بالتأكيد، الجدران الكونكريتية أو (الصبات الكونكريتية) في بغداد، بدأت بإحاطة مبنى معين ثم فصل ممر السيارات في الشارع عن الرصيف والمحلات وأخيراً إحاطة أحياء كاملة ليقتصر الدخول والخروج على مدخلين فقط أو أكثر بقليل.
وحالها كحال الإجراءات الأمنية الأخرى، لم تستطيع إيقاف التفجيرات الإرهابية في تلك المناطق، ولكنها قد تقلل منها، لأنها تمنع دخول السيارات والاشخاص الى تلك المناطق الا من المداخل المحددة والتي تكمن مشكلة عدم السيطرة فيها.
 وفي الفترة الأخيرة تعرضت مدينة الكاظمية للعديد من التفجيرات خارج نطاق سور الصبات الكونكريتية وداخله أيضاً، وما يلفت النظر هنا أن هنالك فتحة في ذلك السور مخصصة لخروج ودخول السابلة فقط يذهبون من خلالها الى اعمالهم والتزاماتهم خارج مدينة الكاظمية، وهي تؤدي الى الشارع القادم من ساحة عدن، وقد تداول الناس على تسميتها بـ(معبر رفح) !
فكرت بكل ذلك وأنا أخلد للنوم بعد مشاهدة فلم (world z war) للممثل (Brad Pitt)، الفلم تدور أحداثه حول فايروس يصيب الإنسان ليحوله الى (زومبي) (ميت حي) ينقض على كل من يصادفه ليعضه وينقل اليه الفايروس المجهول، ولكون (Brad Pitt)  موظف ميداني سابق في الامم المتحدة يكلف بتتبع حالة ظهور الفايروس الأولى لمحاولة التوصل للعلاج، يسافر اولاً الى كوريا الجنوبية وبعد كمية هائلة من الأكشن يجد شخص مجنون محبوس في زنزانة، يثير عديد من الاسئلة آخرها:
لماذا تربح أسرائيل؟ يسأله براد: كيف تربح أسرائيل؟ فيقول:
لقد أحكموا إغلاق دولتهم بالكامل، قبل أيام من ظهور الوباء، هم أول من يعلم وأول من يتصرف!
يجيبه براد: الاناس هنالك يبنون الجدران منذ أكثر من قرنين؟
نعم ولكن تمكنوا من إنهاء عمل مئات السنين منذ اسبوع! أتريد إجابات؟ يورغن وارمبران، هذا الرجل الذي يجب أن تراه في القدس!


أنا أقول إن الهدف الرئيسي من الفلم هو تشريع بناء جدار الفصل العنصري (حسب الفلسطينيين) أو الحاجز الامني (حسب الاسرائيليين) والذي هو عبارة عن جدار طويل تبنيه اسرائيل في الضفة الغربية، حيث يزرع الفلم فكرة مستقبلية بأن بناء الجدار هو لصالح الإنسانية وقد ينقذها في يوم ما.
قد يستسخف الكثير هذا، من يصنع فلم بمبلغ 190 مليون دولار من أجل هذه الفكرة، الا يجب علينا الكف عن التفكير بنظرية المؤامرة واتخاذها شماعة نعلق عليها الفشل العربي؟



بالنسبة لي اعتمدت على نظرية (الرجل العاشر) في القول أن ذلك هو هدف الفلم غير المعلن، وهي ذات النظرية الاسرائيلية التي يشرحها لنا الفلم.
يذهب براد الى القدس ويقابل يورغن وارمبران ويسأله: كيف جاءتكم فكرة إنشاء جدار كونكريتي عازل يحيط بدولة اسرائيل؟ وكانت الاجابة:
-مشكلة أغلب الناس أنهم لا يصدقون أن شيئاً قد يحدث، حتى يحدث بالفعل، الأمر ليس غباءاً أو ضعفاً، إنها الطبيعة البشرية.
-كيف علمت بالأمر؟ كيف علمت أسرائيل بالأمر؟
-لقد قاطعنا إتصالاً من قائد هندي، قال أنه يقاتل (الراكاشا) وهم الموتى الاحياء.
-يورغن وارمبران ، مسؤول رفيع المستوى في المخابرات الاسرائيلية، يوصف بأنه واقعي فعال وليس خيالياً، هل يعقل أنكم قمتم ببناء جدار لأنكم توصلتم لإتصال استخدم فيه كلمة الموتى الاحياء؟
-نعم، والسبب أننا في شهر اكتوبر عام 1973 رأينا القوات العربية تتحرك وأتفقنا بالاجماع أنهم لن يشكلوا تهديداً لنا.
وبعد شهر، هاجمنا العرب، وكدنا نصل الى البحر لذا قررنا أن نغير الأمر! عن طريق (الرجل العاشر).
الرجل العاشر، إذا رأى تسعة منا نفس المعلومات ووصلنا لنفس الاستنتاج، من واجب الرجل العاشر أن يعرضنا في قرارنا، ومهما كان الأمر غير مناسب، على الرجل العاشر أن يبدأ بالاعتراض ويظهر أن التسعة الأخرين على خطأ.
-وهل كنت أنت الرجل العاشر؟
-تماماً
لأن الجميع إفترض أن الحديث عن الموتى الأحياء، غطاء لشئ آخر، بدأت تحقيقي لأعتقد أنهم حين قالوا الموتى الاحياء فإنهم يقصدون ذلك بالفعل!


إذن كل شخص حول العالم معجب ببراد بيت وزوجته (مثال الانسانية) انجلينا جولي (وأنا أولهم) وهو لم يسمع عن القضية الفلسطينية أو سمع بدون أن يعلم يتفاصيل القضية، فسوف تزرع في رأسه فكره إن الجدار تم بناءه للحماية من خطر غامض وهو حق مشروع لكل دولة وشعب على وجه الأرض.
اما عن الافكار الخفية بعد هذا الحوار فهي أكثر خطراً، حيث يكتشف براد أن الاسرائيليين يسمحون للفلسطينيين الخالين من الفايروس بالدخول الى محميتهم وعندما يسأل: انت تسمح لهم بالدخول؟ تأتي الاجابة:
كل بشري يمكننا إنقاذه هو يقلل من عدد الموتى الاحياء الذين نقاتلهم.
(اذن ليس المهم الجانب الانساني وانما الهدف تقليل عدد العدو) وهي فكرة منطقية في ظل الظروف المفترضة في الفلم.
وأخيراً هل صمد الحصن الاسرائلي في وجه الزومبيز؟ كلا ... يدخل الناجون العرب الى داخل الحصن فيحتفلون بنجاتهم وتختلط الاعلام الاسرائيلية والفلسطينية فتأخذ فتاه محجبة المايكرفون من أحد المسؤولين وتقول له (لا بأس) وتبدأ بالغناء ويغني معها الجميع وتقابلها فتاه يهودية بالغناء... وعندما يرتفع الصوت عالياً تبلغ اثارة الموتى الاحياء قمتها فيجتمعون سوية ليشكلوا برجاً يخترق الجدار الكونكريتي لآخر حصن على وجه الأرض!




إذن العرب هم السبب في خرق الحصن، وأنا سأكون الرجل العاشر.

السبت، 18 أكتوبر 2014

ما لا تجده في كتب العمارة، تجده في "وحدها شجرة الرمان"
(المغيسل)

للمعماريين دستور، أو كتاب مقدس هو كتاب ( (Architect's Dataلـ(Ernst and Peter Neufert) بطبعاته المحدّثة بإستمرار (وهنالك كتب مقدسة أخرى ايضاً)، يرجع اليه المعمار عند كل مشروع ينوي العمل عليه.
فلا يتطلّب من المعمار أن يكون ذو ذاكرة حديدة، هو ليس كمحامي يحفظ نصوص القوانين بحروف جرها وحركاتها، المطلوب أن يتعلم طرق التفكير الصحيح والقابلية على حل المشاكل التصميمية التي لا تعد ولا تحصى بالاضافة الى الذائقة الفنية بالتأكيد.
وبعد تداخل المعلومات والعوالم على الشبكة، قلّت أهمية الذاكرة للمهندس المعماري، في مقابل زيادة أهمية قدرته على معالجة المعلومات بكفاءة، لذا من الطبيعي والضروري أن يعود الى كتاب (  (Architect's Dataدائماً، يتزود بالمعايير التصميمية علاوة على الأبعاد القياسية للعناصر المعمارية، الفضاءات، الهياكل الانشائية والكثير من ضروريات العمارة.


هذا من جانب، ومن جانب آخر أتذكر مُزحة للدكتور عماد الجباري عندما كنت في المرحلة الاولى، ففي حديثه عن أهمية أن يعتمد المعمار على نفسه في الحصول على المعرفة ودوام تحديثها، قال: (شراح تكولون اذا واحد يريد تصممولة مشروع ممصممي قبل؟ والله ممنطينيا بالكلية؟!) لذا فذات الكتاب هو مصدر للمعلومات عن جميع انواع الابنية ومتطلباتها.
واليوم وأنا أقرأ رواية "وحدها شجرة الرمان" لـــسنان أنطوان، تذكرت إني لم آرى في حياتي مكان تغسيل الموتى (المغيسل) ولم أراه من بعيد حتى، وأتمنى أن يبعدني الله عنه ... ولكن ماذا إذا طلب مني زبون معين أن أصمم له (مغيسل) كملحق لفعاليات أخرى مثلا؟ أو حتى كمبنى منفصل يشيده على روح أمواته.


الجواب المفترض بسيط: سوف أعود الى كتاب ( (Architect's Dataللإطلاع على الفضاءات التي يتكون منها ومكوناتها وأبعادها. ولكن بالعودة الى الكتاب تجده يتحدث عن (cemeteries and crematoria ) ولا يتناول من قريب أو بعيد متطلبات مراسيم التغسيل والدفن في الدين الاسلامي، وأعتقد إنني استطيع التأكيد بعدم وجود أي معلومة تخص (المغيسل) في جميع كتب العمارة !
وهنا ياتي الخيار الثاني وهو زيارة مثال مشابه للتعرف على المبنى ... ولكنه خيار صعب الظروف الحالية، بالاضافة الى طبيعة المبنى المخيفة والطاردة للزائرين. وإذا كنا نتحدث عن المعماريين بصورة عامة، فمن الصعب جداً أو المستحيل حتى زيارته والتعرف عليه، فالمهندسة المعمارية اليوم مثلا لا تستطيع الذهاب الى نادي رياضي لدراسة المبنى على أرض الواقع فكيف ستذهب لدراسة (المغيسل)؟!

وهنا يأتي دور الروائي سنان أنطوان في إعطائنا صورة تفصيلية للمبنى، فبطل الرواية (جواد) هو الابن الثاني لمغسّل الاموات (الحاج كاظم) وهو في صراع بين ممارسة مهنة أبيه وبين دراسة الفن، حيث يستذكر البطل أول زيارة له لمحل عمل أبيه ومن ثم زيارته الثانية للتدرب على مزاولة المهنة. وهنا سأنقل لكم النصوص التي يتحدث فيها عن المبنى ومخطط أولي أعددته بالاعتماد على هذه النصوص المتفرقة في متن الرواية:
"وقفت بجانب أمي عند عتبة الباب الخشبي الكبير ... كان الممر الضيق يفضي الى غرفة واسعة بسقف عال وقد وقف ثلاثة أو أربعة رجال عند مدخلها.
سدّ أبي الباب وراءنا وتقدمني الى الداخل، أول ما وقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسية كانت دكة المرمر التي يغسل عليها الموتى والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلاَ، حيث يوضع الرأس، كي يسيل الماء وكيلا يتجمع ... كانت الجدران والسقف مطلية بلون أبيض مائل الى الصفرة ... توسطت السقف مروحة بدات تدور بعد أن كبس الزر على الجدار. نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صفت في الزاوية. وفوقها بمسافة، نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لأشعة الشمس بإضاءة المكان.
لكن النافذة لم تكن بمستوى الناظر وكانت تترك الزوايا معتمة بعض الشئ لكنها تسمح برؤية كِسرة من السماء. تحت النافذة كان هنالك باب يؤدي الى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان أبي يحبها كثيراً وبجانبه مصطبة يجلس عليها أحياناً أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون. في الجهة الشمالية، على بعد مترين من الدكة، كان هنالك حوض أبيض كبير تعلوه حنفية ماء نحاسية اللون ... الى أسفل يسار الحوض كانت هنالك حنفية أخرى وأمامها تخت خشبي صغير مثل الذي كنّا نستخدمه في الحمام للجلوس أثناء الاستحمام. الى يمين الحوض هنالك دولاب كبير بأبواب زجاجية عرفت فيما بعد أنه كان يحوي أكياس السدر والكافور والقمحة والأكفال والليّف والقطن والصابون.
كانت الدكة مستطيلة والأرض حولها محاطة بحفيرة هي ساقية صغيرة مبطنة بالكاشي الابيض تتحول الى مجرى صغير يأخذ الماء الى الحديقة الصغيرة التي تجاور المكان لا الى البالوعة، كي لا يختلط ماء الغسل بمياه المجاري الآسنة. من الزاوية اليسرى يتفرع ممر قصير يؤدي الى الحمام والى مخزن صغير. على الجدار الغربي لوحة بإطار خشبي سميك خط عليها (وكل نفس ذائقة الموت) بالخط الديواني وتحتها باب خشبي يفضي الى غرفة صغيرة مجاورة كان أبي يجلس فيها معظم الوقت.
يجب الاشارة هنا الى أن النص القرآني لا يحتوي على حرف الواو في بداية الآية في المواقع الثلاثة التي ذكرت فيها وهي:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } آل عمران185
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء 35
 {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون} العنكبوت 57
ثم يضيف الكاتب : يتوسط الغرفة كرسيان خشبيان قديمان بينهما طاولة صغيرة. لم يكن فيها الا شباك واحد علقت بجانبه صورة للإمام علي... ثم ذهبنا الى المخزن حيث توضع المناشف وكرتونات الأكفان وكميات إحتياطية من السدر والكافور والصابون وفرن صغير بعين واحد لعمل الشاي وتسخين الطعام. إنتهى.

مخطط أولي للمغيسل

أنا أعتبر إن ما سبق إضافة بسيطة الكم، مهمة النوع ... فهي تمثل تدوين ما لم يدون معمارياً من قبل. ولكن هذه الإضافة يقابلها سلبية مؤثرة في الرواية (من وجه نظري طبعا)، فالكاتب يكتب رواية عن أبطال ومجتمع ذو غالبية مسلمة، ورسالة الرواية موجهة الى العالم (بترجمتها) فتعكس صورة ذلك المجتمع لدى المجتمعات الأخرى، علاوة على المجتمع العراقي الذي سيتقبل تلك الرواية لانها نابعة عنه وبلغته المحلية الجميلة. فهل من المنطقي أن يكتب عن البطل وهو يرتكب ذنب من الكبائر وكأنه أمر طبيعي جداً ؟! ولا يمر الأمر مرور الكرام بل تأخذ تفصيلاته من المساحة ما ترغب به.
قد يقول الرأي الآخر، إن مجتمعنا ليس مجتمع ملائكي وهذا صحيح، فنحن نرتكب الكبائر يومياً وبكافة الانواع، ولكني اؤمن بشدة إن للفن والأدب مسؤولية إصلاحية وتوجيهية.
قد يقرأ القارئ البالغ المستقر فكريا الرواية ويميز بين الخطأ والصواب ولكن ماذا عن الشاب الذي يمر بمرحلة التكوين؟ يقرأ الرواية فيعجب بالبطل ويحاول ان يقلد ويستعير. وقد نوقشت هذه المشكلة كثيرا في المجتمع المصري عندما قلد الشباب أبطال الافلام الهابطة بدقة. لذا اعتقد إن الكاتب يشارك ولو بمقدار ضئيل في الانحدار الاخلاقي الحالي.
وأخيراً مع كم الأدعية والآيات القرانية التي تتضمنها الرواية، اقتبس للدكتور علي الوردي في مقارنته بين إبن خلدون ومكيافيلي ونظرة الناس اليهما:
(لعلني لا اغالي إذا قلت إن أراء ابن خلدون كانت أشد إنحرافاً عن شرعة الاخلاق والاديان من آراء زميله الايطالي، ولكن الناس لم ينتبهوا اليها، فقد إمتاز ابن خلدون بإسلوبه الدبلوماسي الذي يغطي الآراء المنحرفة بغطاء برّاق، فهو يكثر من ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يدعم بها براهينه، ويكثر كذلك من ذكر العبارات الدينية ينهي بها أقواله من قبيل "الله اعلم" و"هو الهادي للصواب" و "عليه التوفيق" وما أشبه) ... (منطق ابن خلدون ص22 )