السبت، 26 سبتمبر 2015

الكوستر والكيس الأسود


كل الظواهر معكوسة في العراق !
نعرف أن فصل السبات هو الشتاء، ولكننا نعيشه في فصل الصيف !

بعد إنتهاء السبات الصيفي وبنفس العلاقة الإنسوحيوانية إجتمعت هذه الجمعة مع من ينظرون للحيوانات بطريقة إنسانية حقاً، رواد سوق الغزل اللذين يعرفون عن الحيوانات أكثر من طعمها وكونها (مشوية أو مسلوكَة).

جمعتني مع بعضهم (كوستر) تنطلق من باب المعظم الى باب الشرجي تخترق مناطق الفضل، الصدرية، النهضة والشيخ عمر.

أحدهم يحمل قفص خشبي بداخله بلبل وهو (يتحارش به) بـ(250) دينار يحملها بيده، والآخر وضع أمامه القفص وهو يحتوي زوج من طائر الـ   cocktail وينظر للطائرين راكب آخر بإبتسامة  مريحة ليسأله عن سعرهما بأدب.

وأخيراً ركب (وحش الشاشة) لم يجد مكاناً في الجزء الخلفي من الكوستر، فجلس بالمقعد الذي يقع  خلف الباب، ولهذا المقعد خصوصية حتى أن شركة تويوتا رفعته في الموديلات الحديثة من السيارة.

جذب عيني الكيس الاسود الذي يحمله، والحقيقة ليس الكيس وإنما ما يوجد داخله! إسطواني ويمتلك عنق مسكها منه (صاحبنة). ولأنه أشبه بالمصارع، رأس كروي بشعر رمادي قصير، أكتاف عريضة، بطن كروية بارزة، إقترح عليه من يجلس بجواري أن يجلس على الكراسي المتحركة في مقدمة الكوستر.

فقال له: لا شكراً أني متوب من هاي الكراسي من أيام الجامعة، جنت أني والتيسكوير والاوراق دائما أكعد بيهة وكلش تعبتني.
وبسبب هيئته وهيئة ما يحمله بيده، قلت بداخلي: بدة الكذب !
إنتبهت أكثر لأكتشف مدى براعته في تأليف قصة دوامه في الجامعة.
ولعل من يجلس بجواري حصل على نفس الإنطباع فسأله: بيا جامعة جنت تداوم ؟
-       بالجامعة التكنولوجية، قسم إنتاج ومعادن!
    إبتسمت ... لماذا إختار الجامعة التكنولوجية لرواية قصته المشكوك بأمرها ؟ 
ناول السائق 250 دينار وقال له : أنزل بالصدرية.
تمسك بعنق الشئ الملفوف بالكيس الأسود وأكمل حديثه: كملت دراستي بس متعينت.
فأجابه الآخر : إي أحسنلك.
-      جان مشروع تخرجي السبائك (المدري شنو) (نسيت الأسم طبعاً) وجان المشرف دكتور (فلان الفلاني) وصار رئيس الجامعة !
إنتبهت للحوار أكثر!
-       وبعدين تحولت على دكتور (فلان الفلاني) وساعدني بالمشروع مالتي بحيث خلصته بإسبوع واحد.
-       بإسبوع واحد ؟!
-       أي بإسبوع لأن علمني طريقة إنه أشتغل وأطلع النتائج وإذا طلعت غلط فأبقيهة وأجيب حالات قياسية نتائجها صحيحة وأقارن بين الحالتين وأكول ليش طلعت نتائجي غلط.
كنت مستمراً بالابتسام وعيني متسمرة على الكيس الأسود وقد بدء بالانحسار عما يحتويه، كما أنحسرت فكرة كونه كاذباً يحاول أن يبين للأخرين إنه مكانه ليس هنا بهذا الكوستر الثمانيني.
إستمر بالحديث عن مشرفه وكيف انه كان استاذ مساعد لذا فقد كانت الست (فلانة) تساعده في الإشراف على مشاريع الطلبة وأن الست فلانة أصبحت دكتورة اليوم وهي مستمرة بالتدريس.
وقبل ان نصل للصدرية، أراد إنهاء حديثة فقال: يمعود الحمد لله هسة عندي محلات ثنين وخير من الله.
أما الكيس الأسود فقد كشف أخيراً عن بطل من الماء المثلج يشرب منه الرجل طوال اليوم!

ومن النظر لكل أمر من أكثر من جهة، أستطيع أن أقول أن خلاصة الحادثة هو أن الشباب العراقي في ورطة، فهو لا يحصل على الفرص المناسبة بعد الحصول على الشهادة الأكاديمية، والفرص هنا تتمثل بالتعيين في أحد دوائر الدولة الموقرة، وهي المكان المناسب لمن يكمل تعليمه الجامعي.

أما القول الآخر، فهو النقيض تماماً فإذا إفترضنا أن جميع من تخرج من أقسام الإنتاج والمعادن قد تعين في دوائر الدولة فمن سيعمل في مهنة الحدادة ؟
أما من توارث المهنة عن أبيه.
 أو من فشل في أعمال أخرى وقادته الصدفة ليعمل حداد ليس الا.
وبهذا تحصل القطيعة بين العلم وممارسة أي مهنة في الأسواق العراقية، وهذه القطيعة بين الجانب الاكاديمي والجانب العملي، هي أحد أسباب تخلفنا الأبدي، ولن (ادوخكم) بالحلول المفترضة والحالات المثالية وغيرها.


ولكنني أريد أن أقول إن رؤية الحياة الحقيقية لمدينة بغداد لا تتم الا من خلال ركوب الكوستر والكيا بين المناطق المختلفة، ولكنك تكتشف أن هذه الحياة في قمة الفوضى، وقد تكون هي الفوضى الخلاقة ـأو قد تكون تجسيداً للمثل القائل: إحنة عايشين بالصلوات !   











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق