الجمعة، 12 يوليو 2019

عمارة معمرة


عمارة معمرة

كيف نستطيع تصميم مبنى ونتأكد بانه سيحتفظ بقيمته المعمارية لمئة عام قادمة؟
اي ان نصمم مبنى يمتلك من الصفات ماتجعله مرغوباً من الناس ويجذب اهتمامهم، وهذه الصفات نستطيع ان نعيدها الى ثلاثية فيتروفيوس، فيجب ان يكون ذو صفات تؤدي وظيفة معينة بنجاح وان يمتلك صفات جمالية مستمرة وان يحتفظ بقوته الانشائية حتى بعد مئة عام كاملة.

هل بالامكان تحقيق ذلك؟

للاجابة نستمع اولاً لما يخبرنا به الباحث والمؤلف (Nassim Nicholas Taleb) عن العمر الافتراضي للاشياء التي لاتهرم ولاتموت حيث يقول:
" ان هنالك قاعدة مجربّة لمعرفة العمر المتوقع للاجهزة والمباني والافكار، وهي معرفة كم تبلغ من العمر حالياً وكلما كانت اقدم، كانت فرصها اقوى في البقاء".

Nassim Nicholas Taleb

ان المبنى الذي نريده تصميمه خارج هذه القاعدة اذن، لانه لم يبنى بعد، اي ان عمره (صفر) سنة، لذا وجب علينا دراسة المباني المعمرة حالياً ونتعلم من صفاتها ونضمنها فيه، لانها هي المباني التي سوف تبقى لوقت اطول في المستقبل حسب ما تقوله القاعدة.

يعلّق (Tom Chatfield) على القاعدة السابقة في مقاله:
( The Simple Rule That Can Help You Predict The Future)
" اذا اردنا ان نتنبأ بالمباني التي ستبقى لقرون من الآن تقترح القاعدة بأن نبدأ باقدم المباني الموجودة في المدينة. فالزمن هو المعيار الاهم عند تقدير العمر المتوقع، فاذا اردنا معرفة المعالم التي ستبقى مستقبلاً علينا النظر الى المباني التي صمدت بالفعل في وجه صروف الدهر وضرباته لعقود او قرون او آلاف السنين".

هذه القاعدة كان قد اطلق عليها نسيم طالب اسم (Lindy's Effect)، نسبة الى (Lindy's Law) الذي اقترحه المؤلف الامريكي (Albert Goldman) عام 1964 ولكن مع بعض التعديلات.


(Lindy's Effect) كما يعتقده نسيم طالب ينص على " ان الاشياء التي ظلت صامدة لفترة طويلة، لا تشيخ كالبشر، بل تتقادم عكسياً اي ان كل عام تصمد فيه امام التقلبات يضاعف عمرها المتوقع". اي ان استمرارها سابقاً يزيد من عمرها مستقبلاً.

لنحاول تطبيق (Lindy's Effect) على مباني مدينة بغداد، ولنأخذ المنطقة التي نتفاعل مع ابنيتها القديمة ونزورها وهي الممتدة من المدرسة المستنصرية وساحة الرصافي وحتى ساحة الميدان ووزارة الدفاع القديمة.


ننتبه الى ان هنالك ثلاث حالات لتلك المباني المعمرة:
-       مباني استطاعت المحافظة على قيمتها الجمالية والانشائية ولكنها لا تلبي وظيفة فعلية حالية، كالمدرسة المستنصرية والقصر العباسي.
-       مباني استطاعت الحفاظ على قيمتها الجمالية والانشائية وتم توظيفها بوظائف جديدة غير التي صممت لاجلها، كالقشلة وبناية المحاكم (المركز الثقافي البغدادي).
-       مباني استطاعت الحفاظ على قيمتها الجمالية والانشائية وبنفس الوظيفة التي صممت لها وهي المساجد والجوامع المتعددة في المنطقة، كجامع السراي وجامع الوزير وجامع الحيدرخانة.

جميع تلك الامثلة السابقة تفوق اعمارها المئة عام وبعضها تفوقه بكثير، وهي لاتزال محتفظة بقيمتها المعمارية بصورة عامة وسنأتي الى تفصيل تلك القيمة والتعلّم منها.

لنبدأ بالصفات الوظيفية اولاً والتي كانت مؤثرة في التصنيف السابق:
المباني الوحيدة التي حافظت على نفس وظيفتها بنجاح هي المباني الدينية، لاننا نعرف ان متطلبات الجانب العبادي من الدين لم تتطور او تتغير، كالصلاة تحديداً. زيادة على هذا الثبات النسبي هنالك الجانب القدسي لكل ما يتعلق بالدين في مجتمعنا، مما يجعل المبنى محترماً سالماً من التجاوزات ومعتنى به من الجميع، ثم يأتي الجانب القانوني المتمثل بنظام (الوقف) الاسلامي الذي يمنع التصرف بالمبنى لغير هدفه الموقوف له وتخصيص موارد لصيانته.


جامع الحيدرخانة سابقاً وحالياً
اما المباني التي استطاعت استيعاب وظائف جديدة، فهي ذات مخططات مرنة، والتي تتضمن غرف منفصلة مفتوحة على فضاء عام واسع، حيث يمكن استخدامها لوظائف متنوعة، فمخططاتها لاتحتوي على خصوصيات تصميمية وظيفية من الممكن ان تصبح غير ملائمة بعد خمسين او مئة عام.
مع الانتباه لمتطلب مؤثر وهو تكنولوجيا التكييف والتبريد غالباً او التكنولوجيا بصورة عامة، فمبنى المركز الثقافي او حتى القشلة قد استوعب اجهزة التبريد دون حصول تشوهات جمالية شديدة. ولكن لنتخيل مبنى المدرسة المستنصرية او القصر العباسي مع وحدات تبريد منتشرة في اروقته او على جدرانه الخارجية!

المركز الثقافي البغدادي
مجسم للقشلة على Google Earth وعلى اليسار جامع السراي والى الاعلى جامع الحيدرخانة

وهذا ياخذنا الى القيم الجمالية التي تمتلكها تلك المباني، فلا احد منا يستطيع ان يقول ان المدرسة المستنصرية قبيحة.
والسبب هو نظم التناسب المتنوعة التي اعتمدتها عمائر الحضارات السابقة ومن ضمنها العمارة الاسلامية التي من الممكن تصنيف عمارتنا او ارثنا المعماري المحلي ضمنها.
لنظم التناسب تفاصيل عديدة يمكن دراستها في كتاب (الهندسة والرياضيات في العمارة-دراسة في التناسب والمنظمات والمنظومات التناسبية) للدكتورة قبيلة المالكي، وفهمها اساس لكل معمار يطمح لانتاج اعمال مميزة، مع وجود الكثير من الادوات المساعدة لاستخدام تلك النظم كالمواقع الالكترونية وخيارات برامج التصميم والاظهار الحاسوبية.


بالاضافة الى النسب الجميلة هنالك عنصر القوس، هذا العنصر الذي استطاع ان يحافظ على جماله لاكثر من مئة عام فسوف يستطيع الاستمرار لمئة قادمة حسب قاعدة (Lindy's Effect)، الا يدفعنا هذا التنبؤ الى استخدام القوس والاعتماد على نجاحه السابق؟

المدرسة المستنصرية
القصر العباسي

نصل الى الصفات الانشائية المطلوبة للمبنى المعمر، لقد كان التحدي في السابق اصعب بكثير مع مواد الانشاء الطينية والخشبية، اما اليوم فلدينا الخرسانة المسلحة التي يتراوح عمرها الافتراضي بين(50-100) عام وحسب دقة المواصفات والتنفيذ والبيئة المحيطة.
ثم ستمر سنوات قليلة لنحصل على تكنولوجيا بنائية اكثر متانة واسهل تحكم كالمواد المضافة للخرسانة بانوعها ومن ثم المواد النانوية المستقبلية.
الا ان تلك الابنية الطابوقية المعمرة لم تستمر هياكلها الانشائية كما هي دون اعمار واصلاح بين فترة وأخرى، ولكن ما يدفع الانسان الى اعمارها دون غيرها هو قيمها الرمزية والوظيفية والجمالية سابقة الذكر.

واخيراً علينا كتابة الوصفة التي تعلمناها ويفضل ان نتبعها لجعل تصاميمنا معمرة ايضاً:
-       صمم جامع او مسجد او حاول ان تضيف بُعد ديني للمبنى الذي تصممه مهما كان نوعه، استأجر جماعة من الناس لتمثيل حصول معجزة في المبنى! حاول ان تدفن فيه شيخاً او ولي من اولياء الله الصالحين.

-       حاول ان يكون المخطط الافقي مرناً وقابل للاستخدام باكثر من وظيفة. من الممكن ان تتضمن دراسة الجدوى للمبنى قبل البدء بالتصميم الوظائف المستقبلية التي من الممكن ان يتحول اليها.
لنتخيل تمريناً لمادة التصميم المعماري يطلب من الطالب ان يصمم مبنى واحد ولكنه ملائم لوظيفتين مختلفتين:
صمم مستوصفاً طبياً في منطقة معينة للحاجة الماسة اليه، ثم بعد خمس او عشر سنوات يخطط لاستخدامه كمدرسة ابتدائية نتيجة لزيادة عدد سكان تلك المنطقة ودون اجراء تغييرات جوهرية على المبنى.

-       يجب ان نقوم بدراسة نظم التناسب وفهمها والتصميم بموجبها لانها وسيلة لضمان قاعدة للجمال لا تتبدل بتبدل الاذواق و(المودات) ومن ثم استعمال عناصر جمالية اخرى من الممكن ان يتم تغييرها او استبدالها عند الضرورة.

-       ان اغلب الوظائف الانسانية تتغير متطلباتها نتيجة للتطور التكنولوجي، والتكنولوجيا هي سمة العصر الحالي وسنعيش طفرات عظيمة كما نقرأ في الدراسات المستقبلية ونشاهد في افلام الخيال العلمي، لذا اهم ما يجب ان يتصف به المبنى الذي نصممه هو كونه هيكلاً انشائياً يستطيع استيعاب وسائل التكنولوجيا والخاصة بتوليد الطاقة والتكييف غالباً في بيئتنا العراقية، ثم تأتي اهمية استيعاب تكنولوجيا الانارة والأمن والترفيه.

-       الاهتمام بشروط التنفيذ الانشائية وهي مهمة المهندس المدني والمقاول وفريقه، ولكن من الممكن للمعمار الاشراف على عملية التنفيذ والعناية بها.

ولكن كل المتطلبات السابقة بحاجة الى عميل (الجهة المستفيدة من المبنى) مثقف ومتفتح ينظر بعيداً الى المستقبل لا الى المبالغ التي سيدفعها اليوم فقط  دون حساب عوائدها المستقبلية، وهو المتطلب الاصعب تحقيقاً بين جميع ما سبق.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق