السبت، 11 يوليو 2020

الحرية ومسؤوليتها في التصميم المعماري



الحرية ومسؤوليتها في التصميم المعماري

نسمع للكاتب والاعلامي المصري ابراهيم عيسى حواراً خطيراً كتبه لاحدى شخصياته السينمائية تقول فيه:
-         انا مش طايقة حمل الحرية الي انتوا مديهالي، "شوفي عقلك بيقولك اي يافريدة"، "شغلي مخك يافريدة"، انا بقا مش عايزة اشغل مخي. عايزة ابقة مع حد شخصيتو قوية.
-         مين قال ان الانسان لما يعيش حر حيبقة مرتاح؟!
-         دي مسؤولية بتخنق.
ثم نقرأ الكثير من الاراء عن العلاقة بين الحرية والمسؤولية منها:
ان المسؤولية هي ثمن للحرية، وان البطل هو الشخص الذي يدرك المسؤولية التي تأتي مع حريته.
وفي مهنة تعليم العمارة نفكر دائماً في صناعة (المعمار البطل)، لذا فنحن بحاجة الى تشخيص طبيعة تلك المسؤولية.

ولكن.. من قال اولاً ان المعمار يجب ان يكون حراً؟

ننطلق غالبا من تعريف ما نتحدث عنه، حتى ان لم يكن تعريفاً دقيقاً فهو افضل من الاعتماد على المعنى المتداول للمفهوم والذي يعاني من الضبابية والشواش في استخدامنا اليومي له.

"الحرية هي القوة او الحق للفعل او الكلام او التفكير كما يريد الانسان"، و"هي الانفلات من القيود والعبودية".
نعم ان مفهوم الحرية اوسع واعمق من ان يعرّف بسطر واحد، لكن لا عزاء لمن لا يحاول.

ولان جوهر العمارة هو فعل التصميم فلنستذكر سوية ما قرأناه سابقاً عن مفهوم التصميم المعماري:

هو ان يقوم الفاعل (المعمار المصمم) باتخاذ مجموعة من القرارات (اختيار شيء محدد من بين بدائل متوفرة) تخص طبيعة العناصر الاولية التي يستخدمها لانتاج منتج معماري جديد، وقرارات تخص صفات تلك العناصر وطبيعة تجميعها سوية، والكثير من القرارات الاخرى ليحقق المنتج الهدف الذي يطمح اليه.

لننظر الآن الى التعريفين ( الحرية – التصميم المعماري)، هل يحق للمعمار ان يختار ما يريده هو ذاته من اختيارات تصميمية؟ ان ينفلت من متطلبات العميل (مالك المشروع المعماري) ومواصفات قطعة الارض والمجاورات ومناخ المدينة وخصوصياتها؟
وهنا نصل الى النقطة نفسها التي وصل اليها الكثير ممن سبقنا في هذا السياق والذي صاغوا منها ثنائية (الذات- الموضوع).
متى ينتمي التصميم الى (ذات) المصمم اي شخصيته المتفردة ومتى ينتمي الى الظروف (الموضوعية) الواقعية التي تحيط بالتصميم المطلوب.

والحق ان فهم هذه الثنائية اعتبره من الاساسيات لتفسير الكثير من القضايا المعمارية الاكاديمية والواقعية. وقد كتب عنها وفيها الكثير من المؤلفات والبحوث العلمية. واذكر دائما ان ما استمتعت بقراءته وفهمه هو كتاب :
Sources of Architectural Form: A Critical History of Western Design Theory


ان خلاصة متى يكون المعمار حراّ ومتى يكون مقيّداً:
هي اننا سنستمر بالحركة في مساحة اللون الرمادي (الرصاصي) بدرجاته المختلفة. فلا حرية بيضاء ناصعة ولا عبودية سوداء قاتمة في العمارة.

فالمعمار مقيّد بالكثير من القواعد والظروف المكانية والزمانية للتصميم وحر في اتخاذ قرارات اخرى نابعة من ذاته الشخصية. وان الاقتراب من الابيض جدا او من الاسود جدا هي حالة غير سليمة غالباً.

لذا وربطاً بنقطة انطلاقنا بالبحث عن طبيعة (مسؤولية الحرية المعمارية)، فان المعمار البطل يجب ان يميّز متى يمكنه ان يكون حراً ومتى يلتزم بالقيود المفروضة عليه، ثم عليه ان يدرك المسؤولية التي تاتي مع حريته النسبية تلك.

بالعودة دائماً الى ثلاثية فتروفيوس لاركان العمارة الناجحة (المتانة والمفعة والجمال) فاننا نجد وقد يكون ذلك من البديهي ان ركن (الجمال) تتحقق فيه اعلى نسبة لحرية المعمار.
فـ(المتانة) تقع تحت قيود صفات المواد وعلوم الانشاء، و(المنفعة) تقع تحت قيود راحة المستخدمين.
لكن للجمال علم ايضاً، هو (علم الجمال) والذي يدرس كيفية الشعور بالجمال عند الانسان وكيفية تحقيق الجمال في العمل الفني، ويناقش صياغة قواعد اساسية لابتكار الاعمال الفنية الجيدة.
وبحضور القواعد حضر الالتزام بها وانتقصت حريّة الفنان او المعمار الكاملة.
قد نسمع من يقول: كلا ان الفن مجرّد تماماً من اي قاعدة، او هو يثور على القواعد، قواعد العلوم وقواعد الواقع عامة.
فنقول في حالة وجود قواعد للجمال او عدم وجودها فاننا يجب علينا ان نتعلمها اولاً ثم نلتزم بها او نثور عليها.

ونسأل مرة اخرى حتى لا نفقد مسار تفكيرنا: اين اصبحت الحرية؟
تكمن حرية المعمار جمالياً في ترجمة تلك القواعد العامة الى تكوينات معمارية محددة.
فالقاعدة هي قاعدة عامة مجردة، وتحتمل تطبيقها بعدد لا يحصى من الاحتمالات الشكلية.

ماذا عن مسؤولية تلك الحرية؟
هي ان نتحمل نتائج ترجمتنا لتلك القواعد او نتائج الاختيارات التي نقررها في فعل التصميم المعماري. وتلك النتائج يجب ان تصب في او تحقق الجمال قطعاً، الجمال الذي يراه الاخرين ايضاً وليس الذي نراه نحن فقط.

وبذلك نجيب اخيراً عن: هل ان المعمار حر في فعل التصميم؟ فنقول هو حر نسبياً وتظهر اعلى نسبة في ركن جمال التصميم.
ونجيب عن: ما هي مسؤولية المعمار في حرية خلق الجمال؟ فنقول ان يتحمل نتائج اختياره لاحد الاحتمالات اللانهائية لترجمة قواعد الجمال العامة.

لكننا نرى احيانا ان هنالك من يسلب حرية من يتعلم العمارة بطريقة واعية او غير واعية، وذلك عن طريق التوجيه لاختيار احتمالات معينة من بين ملايين الاحتمالات التي قد يختارها المتعلّم بنفسه لتحقيق قواعد الجمال.

وبالمقابل فان اغلب طلبة العمارة يجدون السهولة في التخلص من مسؤولية حريتهم في الاختيار ويتبعون طريق العبودية للآخرين.
وبذلك تظهر نتاجات مجموعة منهم متشابهة جداً لانها لا تعبّر عن شخصياتهم وعن خياراتهم الشخصية. وانما تعبر عن شخصيات من حرمهم حرية التعبير.
لقد تخلوا عن حريتهم للحصول على الراحة من مسؤوليتها.

وهو بالتأكيد ليس طريق الابطال.

















هناك تعليق واحد:

  1. بالتالي هالحاله تم تشخيصها من قبل حضرتك دكتور بلال و انت دتشوف انه نتاجات الطلاب متشابهة الى حد كبير و قد يصل الموضوع الى اختلاف اختياراتهم بتقدم المراحل الخمسة ففي كل مرحلة يلجأ الطالب لحلول معينة ترضي المقيم المسؤول عن اعطاء الدرجة و بالتالي قتل الحرية في شخص الطالب المعماري حاليا و المعمار مستقبلا في اهم مراحل حياته و هي مراحل الجامعة ... التشخيص جيد جدا و مطلوب و لكن الاهم كيفية الوصول لحل لهذه المشكلة و هل الطالب هو المسؤول الوحيد ام يشترك معه شركاء في هذه المشكله و كيفيه تغيير التفكير و التوجيه العام لدراسة العمارة ...

    ردحذف