الأربعاء، 29 يوليو 2020

ماذا يقدّم المعمار، خدمة ام منتج ؟


ماذا يقدّم المعمار، خدمة ام منتج ؟


اتذكر دائماً صرخة للروائي علاء الاسواني في روايته عمارة يعقوبيان:

"احنا في زمن المسخ"

وبدلاً عنها نفكّر:

"احنا في زمن التسويق"

 

ليس اختصاص او علم التسويق بجديد، فهو قديم قدم الثورة الصناعية وما قبلها، ولكن الجديد هو المنصات الاجتماعية على شبكة الانترنت وكونها اصبحت تمثل الساحة المثالية للتنافس على تسويق ما يريد الجميع بيعه.

نقرأ من ادبيات التسويق المعاصر عن الفرق بين البائعين، فهنالك من يقدّم خدمة وهنالك من يقدّم منتج. ولكل منهما فن او قواعد لتسويقه للمشترين.

ونحن كمعماريين في وسط هذا التنافس المحموم يفترض علينا ان نعرف اولاً هل ان ما نقدمه للمجتمع هو خدمة ام منتج؟ لنعرف بعدها كيف نقوم بتسويق ما نقوم به.

ماهو الفرق اولاً بين الخدمة والمنتج؟

لنبدأ بالمنتج: هو السلعة الملموسة التي يمكن وضعها على رفوف وعارضات المتاجر المتنوعة ومن الممكن تجريبها والتفاعل معها قبل الشراء وبعد الشراء مباشرة. والامثلة كثيرة جداً ومن حياتنا اليومية، المواد الغذائية، الملابس، الاجهزة الالكترونية والكهربائية والسيارات وغيرها.

اما الخدمة: فهي السلعة غير الملموسة، او العمليات التي يتم اجراءها للحصول على القيمة المضافة. والامثلة  عليها خدمات توفير المعلومات، خدمات الادارة المالية، خدمات الرعاية الصحية، الخدمات التعليمية وغيرها ايضاً الكثير.


لننتقل سريعاً الى مهنة العمارة، ياتي المستفيد الى شركات او مكاتب العمارة، وهو يريد بيتاً يلبي حاجاته ومعبراً عن شخصيته، هو يمتلك قطعة ارض محددة، فيجلس مع المعمار ليخبره بما يريده من فضاءات وما يفكر به من تفضيلات على مستوى صفات تلك الفضاءات والعلاقات بينها وشكل تكوينها. اما المعمار فعليه فهم المستفيد ويعدهُ بما يمكن تحقيقه عن طريق خبرته وامكاناته المعمارية.

حتى تلك اللحظة لم يرى المستفيد شيئاً بعينه، وقد يكون عليه ان يدفع جزءاً من الاجور مقدماً للمعمار.

بعدها يبدأ المعمار بتحويل معطيات الحوار مع المستفيد الى مخططات هندسية تصف البيت من الداخل والخارج. هنا يستطيع المستفيد ان يرى التصميم بعينيه وخياله فقط دون امكانية معرفة كيف ستكون تجربة العيش فيه. وعليه بالتاكيد ان يدفع جزءاً آخر من اجور التصميم.

يطالب المستفيد ببعض التعديلات لتنتهي العملية التصميمية باعداد المخططات النهائية والمعروضة على شاشات الاجهزة او على الورق، ويدفع المستفيد جميع ماعليه من اجور التصميم.

اذن ان العملية التصميمية هي خدمة لايمكن للمستفيد ان يلمس ويجرّب نتاجها بجميع حواسه. حتى مع صناعة المجسمات او تجربة الواقع الافتراضي او المعزز. وان نتاج هذه الخدمة يعتمد على تفضيلات ذلك المستفيد بالذات دون غيره من مئات او الاف  الافراد في المجتمع.

بعد مشاركة الكوادر الهندسية الاخرى والكوادر التنفيذية تتحول المخططات الهندسية الى بيت مادي ملموس يجّرب المستفيد العيش فيه ويكتشف الراحة او عدم الراحة في فضاءاته.

هل تحول البيت في ذلك الوقت الى منتج؟

تحول الى حالة ملموسة بالتأكيد ولكنها لا تطابق التعريف الاصطلاحي للمنتج بكونه جاهزاً امام المشتري فهو لا ينفصل عن الخدمة التي سبقته وهو نكرر مرة اخرى يلائم تفضيلات ذلك المستفيد بالذات دون غيره.

والآن نفكّر ماذا لو اراد ذلك المستفيد بيع البيت لسبب معين؟ ويبدأ الراغبين بالشراء زيارته والحركة داخل فضاءاته.

نعم لقد تحول البيت الان الى منتج. ولكنه منفصل عن المعمار واصبح مرتباطاً بسمسار العقارات.


فتصبح المعادلة:

ان المعمار يقدّم (خدمة) تصميمية فتحول الكوادر الهندسي نتائجها الى حالة مادية ملموسة (وهي لا تعتبر منتجاً مطابقاً للتعريف الاصطلاحي) ثم يأتي سمسار العقارات فيحول تلك الحالة المادية الى منتج عقاري صريح.


ولكننا نفكّر بحالة: ماذا لو زار المستفيد تصميم سابق منفذ للمعمار؟ شاهده من الخارج، تجول داخل فضاءاته قبل ان يجلس للاتفاق معه؟ هل سيقدّم المعمار في هذه الحالة منتجاً؟

وكأن المستفيد لمس وجرّب نتيجة العملية التصميمية قبل البدأ بها.

نقول: لو انه يمتلك نفس مساحة وابعاد قطعة الارض وطلب تماماً نفس التصميم فسيقدّم المعمار منتجاً، وهو بالواقع لن يقوم بالعملية التصميمية حتى. اما اي تعديل بالتصميم فهو سيحيلنا الى الحالة السابقة وبنسب متفاوتة بالتأكيد.

لابد ان نتذكر هنا ايضاً قضية المخططات الجاهزة والتي غالباً ما يبتعد المعمار عنها تاركاً اياها لمن يحاول انتهاك المهنة.


ثم نقول اخيراً ان هنالك زاوية اخرى للقضية عندما يشارك المعمار في عمليات التطوير العقاري. وهذا ما ساناقشه مستقبلاً ان شاء الله.   


والآن في خضم هذه التداخلات بين تقديم الخدمة او المنتج في مهنة العمارة ماذا سنسمي ذلك المستفيد؟ هل هو عميل ام زبون؟

انا افكر بتسميات جديدة تعبر عن الحالة، قد تكون (الزبيل) او (العمون) !








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق