الاثنين، 3 نوفمبر 2014

رؤية هوليودية للجدران الكونكريتية 

لا أتذكر نقطة البداية ولكنها فكرة أمريكية بالتأكيد، الجدران الكونكريتية أو (الصبات الكونكريتية) في بغداد، بدأت بإحاطة مبنى معين ثم فصل ممر السيارات في الشارع عن الرصيف والمحلات وأخيراً إحاطة أحياء كاملة ليقتصر الدخول والخروج على مدخلين فقط أو أكثر بقليل.
وحالها كحال الإجراءات الأمنية الأخرى، لم تستطيع إيقاف التفجيرات الإرهابية في تلك المناطق، ولكنها قد تقلل منها، لأنها تمنع دخول السيارات والاشخاص الى تلك المناطق الا من المداخل المحددة والتي تكمن مشكلة عدم السيطرة فيها.
 وفي الفترة الأخيرة تعرضت مدينة الكاظمية للعديد من التفجيرات خارج نطاق سور الصبات الكونكريتية وداخله أيضاً، وما يلفت النظر هنا أن هنالك فتحة في ذلك السور مخصصة لخروج ودخول السابلة فقط يذهبون من خلالها الى اعمالهم والتزاماتهم خارج مدينة الكاظمية، وهي تؤدي الى الشارع القادم من ساحة عدن، وقد تداول الناس على تسميتها بـ(معبر رفح) !
فكرت بكل ذلك وأنا أخلد للنوم بعد مشاهدة فلم (world z war) للممثل (Brad Pitt)، الفلم تدور أحداثه حول فايروس يصيب الإنسان ليحوله الى (زومبي) (ميت حي) ينقض على كل من يصادفه ليعضه وينقل اليه الفايروس المجهول، ولكون (Brad Pitt)  موظف ميداني سابق في الامم المتحدة يكلف بتتبع حالة ظهور الفايروس الأولى لمحاولة التوصل للعلاج، يسافر اولاً الى كوريا الجنوبية وبعد كمية هائلة من الأكشن يجد شخص مجنون محبوس في زنزانة، يثير عديد من الاسئلة آخرها:
لماذا تربح أسرائيل؟ يسأله براد: كيف تربح أسرائيل؟ فيقول:
لقد أحكموا إغلاق دولتهم بالكامل، قبل أيام من ظهور الوباء، هم أول من يعلم وأول من يتصرف!
يجيبه براد: الاناس هنالك يبنون الجدران منذ أكثر من قرنين؟
نعم ولكن تمكنوا من إنهاء عمل مئات السنين منذ اسبوع! أتريد إجابات؟ يورغن وارمبران، هذا الرجل الذي يجب أن تراه في القدس!


أنا أقول إن الهدف الرئيسي من الفلم هو تشريع بناء جدار الفصل العنصري (حسب الفلسطينيين) أو الحاجز الامني (حسب الاسرائيليين) والذي هو عبارة عن جدار طويل تبنيه اسرائيل في الضفة الغربية، حيث يزرع الفلم فكرة مستقبلية بأن بناء الجدار هو لصالح الإنسانية وقد ينقذها في يوم ما.
قد يستسخف الكثير هذا، من يصنع فلم بمبلغ 190 مليون دولار من أجل هذه الفكرة، الا يجب علينا الكف عن التفكير بنظرية المؤامرة واتخاذها شماعة نعلق عليها الفشل العربي؟



بالنسبة لي اعتمدت على نظرية (الرجل العاشر) في القول أن ذلك هو هدف الفلم غير المعلن، وهي ذات النظرية الاسرائيلية التي يشرحها لنا الفلم.
يذهب براد الى القدس ويقابل يورغن وارمبران ويسأله: كيف جاءتكم فكرة إنشاء جدار كونكريتي عازل يحيط بدولة اسرائيل؟ وكانت الاجابة:
-مشكلة أغلب الناس أنهم لا يصدقون أن شيئاً قد يحدث، حتى يحدث بالفعل، الأمر ليس غباءاً أو ضعفاً، إنها الطبيعة البشرية.
-كيف علمت بالأمر؟ كيف علمت أسرائيل بالأمر؟
-لقد قاطعنا إتصالاً من قائد هندي، قال أنه يقاتل (الراكاشا) وهم الموتى الاحياء.
-يورغن وارمبران ، مسؤول رفيع المستوى في المخابرات الاسرائيلية، يوصف بأنه واقعي فعال وليس خيالياً، هل يعقل أنكم قمتم ببناء جدار لأنكم توصلتم لإتصال استخدم فيه كلمة الموتى الاحياء؟
-نعم، والسبب أننا في شهر اكتوبر عام 1973 رأينا القوات العربية تتحرك وأتفقنا بالاجماع أنهم لن يشكلوا تهديداً لنا.
وبعد شهر، هاجمنا العرب، وكدنا نصل الى البحر لذا قررنا أن نغير الأمر! عن طريق (الرجل العاشر).
الرجل العاشر، إذا رأى تسعة منا نفس المعلومات ووصلنا لنفس الاستنتاج، من واجب الرجل العاشر أن يعرضنا في قرارنا، ومهما كان الأمر غير مناسب، على الرجل العاشر أن يبدأ بالاعتراض ويظهر أن التسعة الأخرين على خطأ.
-وهل كنت أنت الرجل العاشر؟
-تماماً
لأن الجميع إفترض أن الحديث عن الموتى الأحياء، غطاء لشئ آخر، بدأت تحقيقي لأعتقد أنهم حين قالوا الموتى الاحياء فإنهم يقصدون ذلك بالفعل!


إذن كل شخص حول العالم معجب ببراد بيت وزوجته (مثال الانسانية) انجلينا جولي (وأنا أولهم) وهو لم يسمع عن القضية الفلسطينية أو سمع بدون أن يعلم يتفاصيل القضية، فسوف تزرع في رأسه فكره إن الجدار تم بناءه للحماية من خطر غامض وهو حق مشروع لكل دولة وشعب على وجه الأرض.
اما عن الافكار الخفية بعد هذا الحوار فهي أكثر خطراً، حيث يكتشف براد أن الاسرائيليين يسمحون للفلسطينيين الخالين من الفايروس بالدخول الى محميتهم وعندما يسأل: انت تسمح لهم بالدخول؟ تأتي الاجابة:
كل بشري يمكننا إنقاذه هو يقلل من عدد الموتى الاحياء الذين نقاتلهم.
(اذن ليس المهم الجانب الانساني وانما الهدف تقليل عدد العدو) وهي فكرة منطقية في ظل الظروف المفترضة في الفلم.
وأخيراً هل صمد الحصن الاسرائلي في وجه الزومبيز؟ كلا ... يدخل الناجون العرب الى داخل الحصن فيحتفلون بنجاتهم وتختلط الاعلام الاسرائيلية والفلسطينية فتأخذ فتاه محجبة المايكرفون من أحد المسؤولين وتقول له (لا بأس) وتبدأ بالغناء ويغني معها الجميع وتقابلها فتاه يهودية بالغناء... وعندما يرتفع الصوت عالياً تبلغ اثارة الموتى الاحياء قمتها فيجتمعون سوية ليشكلوا برجاً يخترق الجدار الكونكريتي لآخر حصن على وجه الأرض!




إذن العرب هم السبب في خرق الحصن، وأنا سأكون الرجل العاشر.

السبت، 18 أكتوبر 2014

ما لا تجده في كتب العمارة، تجده في "وحدها شجرة الرمان"
(المغيسل)

للمعماريين دستور، أو كتاب مقدس هو كتاب ( (Architect's Dataلـ(Ernst and Peter Neufert) بطبعاته المحدّثة بإستمرار (وهنالك كتب مقدسة أخرى ايضاً)، يرجع اليه المعمار عند كل مشروع ينوي العمل عليه.
فلا يتطلّب من المعمار أن يكون ذو ذاكرة حديدة، هو ليس كمحامي يحفظ نصوص القوانين بحروف جرها وحركاتها، المطلوب أن يتعلم طرق التفكير الصحيح والقابلية على حل المشاكل التصميمية التي لا تعد ولا تحصى بالاضافة الى الذائقة الفنية بالتأكيد.
وبعد تداخل المعلومات والعوالم على الشبكة، قلّت أهمية الذاكرة للمهندس المعماري، في مقابل زيادة أهمية قدرته على معالجة المعلومات بكفاءة، لذا من الطبيعي والضروري أن يعود الى كتاب (  (Architect's Dataدائماً، يتزود بالمعايير التصميمية علاوة على الأبعاد القياسية للعناصر المعمارية، الفضاءات، الهياكل الانشائية والكثير من ضروريات العمارة.


هذا من جانب، ومن جانب آخر أتذكر مُزحة للدكتور عماد الجباري عندما كنت في المرحلة الاولى، ففي حديثه عن أهمية أن يعتمد المعمار على نفسه في الحصول على المعرفة ودوام تحديثها، قال: (شراح تكولون اذا واحد يريد تصممولة مشروع ممصممي قبل؟ والله ممنطينيا بالكلية؟!) لذا فذات الكتاب هو مصدر للمعلومات عن جميع انواع الابنية ومتطلباتها.
واليوم وأنا أقرأ رواية "وحدها شجرة الرمان" لـــسنان أنطوان، تذكرت إني لم آرى في حياتي مكان تغسيل الموتى (المغيسل) ولم أراه من بعيد حتى، وأتمنى أن يبعدني الله عنه ... ولكن ماذا إذا طلب مني زبون معين أن أصمم له (مغيسل) كملحق لفعاليات أخرى مثلا؟ أو حتى كمبنى منفصل يشيده على روح أمواته.


الجواب المفترض بسيط: سوف أعود الى كتاب ( (Architect's Dataللإطلاع على الفضاءات التي يتكون منها ومكوناتها وأبعادها. ولكن بالعودة الى الكتاب تجده يتحدث عن (cemeteries and crematoria ) ولا يتناول من قريب أو بعيد متطلبات مراسيم التغسيل والدفن في الدين الاسلامي، وأعتقد إنني استطيع التأكيد بعدم وجود أي معلومة تخص (المغيسل) في جميع كتب العمارة !
وهنا ياتي الخيار الثاني وهو زيارة مثال مشابه للتعرف على المبنى ... ولكنه خيار صعب الظروف الحالية، بالاضافة الى طبيعة المبنى المخيفة والطاردة للزائرين. وإذا كنا نتحدث عن المعماريين بصورة عامة، فمن الصعب جداً أو المستحيل حتى زيارته والتعرف عليه، فالمهندسة المعمارية اليوم مثلا لا تستطيع الذهاب الى نادي رياضي لدراسة المبنى على أرض الواقع فكيف ستذهب لدراسة (المغيسل)؟!

وهنا يأتي دور الروائي سنان أنطوان في إعطائنا صورة تفصيلية للمبنى، فبطل الرواية (جواد) هو الابن الثاني لمغسّل الاموات (الحاج كاظم) وهو في صراع بين ممارسة مهنة أبيه وبين دراسة الفن، حيث يستذكر البطل أول زيارة له لمحل عمل أبيه ومن ثم زيارته الثانية للتدرب على مزاولة المهنة. وهنا سأنقل لكم النصوص التي يتحدث فيها عن المبنى ومخطط أولي أعددته بالاعتماد على هذه النصوص المتفرقة في متن الرواية:
"وقفت بجانب أمي عند عتبة الباب الخشبي الكبير ... كان الممر الضيق يفضي الى غرفة واسعة بسقف عال وقد وقف ثلاثة أو أربعة رجال عند مدخلها.
سدّ أبي الباب وراءنا وتقدمني الى الداخل، أول ما وقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسية كانت دكة المرمر التي يغسل عليها الموتى والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلاَ، حيث يوضع الرأس، كي يسيل الماء وكيلا يتجمع ... كانت الجدران والسقف مطلية بلون أبيض مائل الى الصفرة ... توسطت السقف مروحة بدات تدور بعد أن كبس الزر على الجدار. نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صفت في الزاوية. وفوقها بمسافة، نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لأشعة الشمس بإضاءة المكان.
لكن النافذة لم تكن بمستوى الناظر وكانت تترك الزوايا معتمة بعض الشئ لكنها تسمح برؤية كِسرة من السماء. تحت النافذة كان هنالك باب يؤدي الى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان أبي يحبها كثيراً وبجانبه مصطبة يجلس عليها أحياناً أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون. في الجهة الشمالية، على بعد مترين من الدكة، كان هنالك حوض أبيض كبير تعلوه حنفية ماء نحاسية اللون ... الى أسفل يسار الحوض كانت هنالك حنفية أخرى وأمامها تخت خشبي صغير مثل الذي كنّا نستخدمه في الحمام للجلوس أثناء الاستحمام. الى يمين الحوض هنالك دولاب كبير بأبواب زجاجية عرفت فيما بعد أنه كان يحوي أكياس السدر والكافور والقمحة والأكفال والليّف والقطن والصابون.
كانت الدكة مستطيلة والأرض حولها محاطة بحفيرة هي ساقية صغيرة مبطنة بالكاشي الابيض تتحول الى مجرى صغير يأخذ الماء الى الحديقة الصغيرة التي تجاور المكان لا الى البالوعة، كي لا يختلط ماء الغسل بمياه المجاري الآسنة. من الزاوية اليسرى يتفرع ممر قصير يؤدي الى الحمام والى مخزن صغير. على الجدار الغربي لوحة بإطار خشبي سميك خط عليها (وكل نفس ذائقة الموت) بالخط الديواني وتحتها باب خشبي يفضي الى غرفة صغيرة مجاورة كان أبي يجلس فيها معظم الوقت.
يجب الاشارة هنا الى أن النص القرآني لا يحتوي على حرف الواو في بداية الآية في المواقع الثلاثة التي ذكرت فيها وهي:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } آل عمران185
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء 35
 {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون} العنكبوت 57
ثم يضيف الكاتب : يتوسط الغرفة كرسيان خشبيان قديمان بينهما طاولة صغيرة. لم يكن فيها الا شباك واحد علقت بجانبه صورة للإمام علي... ثم ذهبنا الى المخزن حيث توضع المناشف وكرتونات الأكفان وكميات إحتياطية من السدر والكافور والصابون وفرن صغير بعين واحد لعمل الشاي وتسخين الطعام. إنتهى.

مخطط أولي للمغيسل

أنا أعتبر إن ما سبق إضافة بسيطة الكم، مهمة النوع ... فهي تمثل تدوين ما لم يدون معمارياً من قبل. ولكن هذه الإضافة يقابلها سلبية مؤثرة في الرواية (من وجه نظري طبعا)، فالكاتب يكتب رواية عن أبطال ومجتمع ذو غالبية مسلمة، ورسالة الرواية موجهة الى العالم (بترجمتها) فتعكس صورة ذلك المجتمع لدى المجتمعات الأخرى، علاوة على المجتمع العراقي الذي سيتقبل تلك الرواية لانها نابعة عنه وبلغته المحلية الجميلة. فهل من المنطقي أن يكتب عن البطل وهو يرتكب ذنب من الكبائر وكأنه أمر طبيعي جداً ؟! ولا يمر الأمر مرور الكرام بل تأخذ تفصيلاته من المساحة ما ترغب به.
قد يقول الرأي الآخر، إن مجتمعنا ليس مجتمع ملائكي وهذا صحيح، فنحن نرتكب الكبائر يومياً وبكافة الانواع، ولكني اؤمن بشدة إن للفن والأدب مسؤولية إصلاحية وتوجيهية.
قد يقرأ القارئ البالغ المستقر فكريا الرواية ويميز بين الخطأ والصواب ولكن ماذا عن الشاب الذي يمر بمرحلة التكوين؟ يقرأ الرواية فيعجب بالبطل ويحاول ان يقلد ويستعير. وقد نوقشت هذه المشكلة كثيرا في المجتمع المصري عندما قلد الشباب أبطال الافلام الهابطة بدقة. لذا اعتقد إن الكاتب يشارك ولو بمقدار ضئيل في الانحدار الاخلاقي الحالي.
وأخيراً مع كم الأدعية والآيات القرانية التي تتضمنها الرواية، اقتبس للدكتور علي الوردي في مقارنته بين إبن خلدون ومكيافيلي ونظرة الناس اليهما:
(لعلني لا اغالي إذا قلت إن أراء ابن خلدون كانت أشد إنحرافاً عن شرعة الاخلاق والاديان من آراء زميله الايطالي، ولكن الناس لم ينتبهوا اليها، فقد إمتاز ابن خلدون بإسلوبه الدبلوماسي الذي يغطي الآراء المنحرفة بغطاء برّاق، فهو يكثر من ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يدعم بها براهينه، ويكثر كذلك من ذكر العبارات الدينية ينهي بها أقواله من قبيل "الله اعلم" و"هو الهادي للصواب" و "عليه التوفيق" وما أشبه) ... (منطق ابن خلدون ص22 )



الخميس، 25 سبتمبر 2014

طاق كسرى: بين العمارة ومفاهيم أخرى

قرأت في أحد المنتديات العراقية بالصدفة مشاركة من صاحبة الصورة الجميلة "روعة الانوثة" ! بعنوان (الجندي المجهول إكرام الأم بمخيلة الزعيم عبد الكريم قاسم)، تقول فيه (قد يكون للنص مصدر آخر) :
" في عام 1959 أستدعى الزعيم عبد الكريم قاسم الفنان رفعة الجادرجي ليشرح له وضع نصب لتمثال الجندي المجهول ومدى ارتباط هذا الجندي ودفاعه عن الارض واستشهاده ويوارى الثرى وكيفية إيصال رسالة للناس على أساس هذا هو الجندي المجهول.. إنطلق الفنان العراقي المبدع رفعة الجادرجي لرسم تخطيطات أولية عن ذلك الجندي فكانت الرمز هي الأم، والأم وحدها تعرف وتشم رائحة إبنها وسط ملايين الجنود والبشر .(الصورة المرفقة معنونة : صورة لمخطط عثر عليها في معهد الفنون انذاك يرمز للأم تحمل ابنها)


بوشر العمل بالرمز الثماني, ألا وهي ألام لابسة ثوبها المحشم الواسع الطويل لايبين منها شيئا كدلالة على أن تلك الحالة تنسي الانسان النظر للمرأة ومن ثم تنحني لترفع إبنها من الارض لتضمه لصدرها فغرست يداها وارجلها بالارض وبقيت هكذا منحنية دلالة على كسر ظهرها بفقد عزيزها, أضيف لما بين وسط القوس الثماني شعلة نار أزلية تنير ليل ساحة الفردوس ويرمز لذلك الجندي المجهول الباسل ..(إنتهى النص)


يجب أن أقول لكم أن جميع ماسبق ليس له أي نصيب من الصحة! وليس للأم علاقة بالتشكيل البتة، والدليل مايقوله المصمم نفسه في كتابه (الإخيضر والقصر البلوري، ص121) :
" بعد الثورة بقليل كلفني ذات يوم مجلس أمانة العاصمة بوضع تصميم لثلاثة أنصاب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز، وهي:
نصب الجندي المجهول.
نصب 14 تموز.
نصب الحرية.
وحدث قبل هذا أن كانت الحكومة العراقية في العهد الملكي تتفاوض مع الحكومة التركية لكي تنشئ الحكومتان ضريحين لشاعرين أحدهما ضريح للشاعر الجاهلي إمرؤ القيس المدفون في أنقرة ويقيمه العراق والآخر ضريح لشاعر تركي مدفون في بغداد تقيمه تركيا. وكان في نية الحكومة العراقية طرح ضريح الشاعر العربي في مسابقة معمارية. فاخذت أتهيأ للإشتراك فيها وأعد في ذهني تصوراً مناسباً للضريح يكون على له شكل ذو طابع عراقي، لذلك بدأت أدرس في ذلك الوقت شكل طاق كسرى واقوم بتجريده وبتحويله من شكل يعتمد أصلاً على البناء بالآجر الى شكل يعتمد على الخرسانة المسلحة. وقد وضعت دراسة أولية لمشروع الضريح هذا ثم تأجلت المسابقة، وحدثت الثورة فطويت الفكرة نهائياً.
وما أن وصلت مكتبي عصر ذلك اليوم الذي وقع فيه التكليف حتى بدأت بوضع تصميم لنصب الجندي المجهول فأكملته خلال فترة وجيزة مستخدماً تصوري السابق عن ضريح إمرؤ القيس، كما إنتفعت من خبرتي السابقة عندما إستخدمت الطاق الخرساني في جامع سراج الدين.


في الموعد المحدد في صباح اليوم التالي ذهبت الى مقر وزارة الدفاع وعرضت التصميمين (التصميم الآخر هو نصب الحرية في ساحة التحرير حاليا) على عبد الكريم قاسم.
عند عرض التصميم الأول إستحسنه وسألني عن موقعه فأخبرته أن مجلس أمانة اعاصمة قرر أمس أن يكون موقع النصب في ساحة الميدان... لكن قاسم لم يقبل بهذا الموقع، وبدأ يتكلم بإسهاب عن احتلال الجيش لبغداد ودخولها ماراً بساحة الفردوس ويجب أن يكون موقع النصب في هذه الساحة بالذات. (إنتهى النص)


والمعلوم أن طاق (إيوان) كسرى، هو الأثر الباقي من أحد قصور كسرى آنوشروان، يقع جنوب مدينة بغداد في موقع مدينة (قطسيفون) الذي يقع في منطقة المدائن وتعرف محلياً بإسم (سلمان باك) على إسم الصحابي الشهير سلمان الفارسي المدفون هناك.
وكسرى الأول (كسرى أنو شروان بن قباذ بن يزدجرد بن بهرام جور) إعتلى العرش بعد أبيه قباذ الأول ووضع الاسس لمدن وقصور وبناء العديد من الجسور والسدود وخلال عهده ازدهرت الفنون والعلوم في بلاد فارس، وكانت الإمبراطورية الساسانية في قمة مجدها، وهو أحد الأباطرة الأكثر شعبية في الثقافة الايرانية والأدب. (وكيبيديا)
وهذا الأثر يمثل أكبر قاعة لإيوان مسقوفة بالآجر على شكل عقد دون إستخدام دعامات أو تسليح ما. ويشيع بين بعض المسلمين أنه عند ولادة الرسول محمد (ص) إنطفأت نار الفرس المجوس التي كانت موقودة دوماً في الإيوان منذ آلاف السنين وإنشق حائطه. (وكيبيديا)



المثير للإنتباه هنا إن رفعة الجادرجي قد تعامل مع الطاق كمنجز إنساني مجرد، في مجال العمارة والبناء، لم ينظر له من منظار ديني مثلاً، فالرويات تشير الى حصول شق في الإيوان عند ولادة النبي محمد (ص)، فقد قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب ‏(‏هواتف الجان‏)‏‏:‏ حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي - حدثني مخزوم بن هاني المخزومي، عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة - قال‏:‏ لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام‏.‏


وقد أستخدم صورته (صورة المرجع المعماري) (طاق كسرى) بصورة إيجابية بدون إزاحة (تغيير في صفات الشكل للتعبير عن معنى معاكس)، فمثلا في العمارة من الممكن أن تستعمل شكل الهرم للتعبير عن الحياة بدلاً عن الموت ولكن بعد أن تقلبه رأساً على عقب أو أن تحوله الى هرم زجاجي!
أو أن تستخدم شكل مشعل نصب الحرية في نيويورك وتطرحه على الأرض للتعبير على الإنتصار على الولايات المتحدة الأمريكية ! (رمزية في أحد المشاريع المقدمة في مسابقة في زمن النظام السابق).

ولعل تعرّف النظام اللاحق لعبد الكريم قاسم على مرجعية شكل النصب هو السبب في إزالته من الساحة وبحضور المصمم نفسه، وقد يكون ذلك سبب تعرض الجادرجي للسجن، حيث يذكر الدكتور خالد السلطاني: إن الجادرجي في نهاية السبعينات إضطر الى إيقاف نشاطه المعماري أثر سجنه، بدواعي تلفيقية كيدية إفتعلها النظام الدكتاتوري التوتاليتاري البغيض (ثمانينية رفعة الجادرجي: الحداثة أولاً ... الحداثة دائماً الدكتور خالد السلطاني).
 ولكني أعتقد إن سبب الحبس هي تهم بالاهمال في أعمال عقود تصاميم تتعلق بدوائر الدولة ولم يذكر الجادرجي سبب حبسه في (الإخيضر والقصر البلوري) وقد يكون ذكره في (جدار بين ظلمتين) الذي لم اطلع عليه بعد.

وهنالك حادثة تأريخية تتعلق بطاق كسرى وبالتهم الكيدية يذكرها إبن خلدون في مقدمته يقول : وهذا ما وقع للعرب في إيوان كسرى لما اعتزم الرشيد على هدمه، وبعث الى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك، فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يُستدل به على عظم مُلك آبائك الذين سلبوا المُلك لأهل ذلك الهيكل. فاتهمه في النصيحة وقال اخذته النعرة للعجم، والله لأصرعنه.. وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه، واتخذ له الفؤوس وحمَّاه بالنار وصب عليه الخل. حتى اذا أدركه العجز بعد ذلك وخاف الفضيحة، بعث الى يحيى يستشيره ثانيا في التجافي عن الهدم. فقال لا تفعل واستمر على ذلك لئلا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم فعرفها الرشيد وأقصر عن هدمه.

وبعيداً عن طاق كسرى، أتساءل اليوم هل من الممكن أن نستخدم كمعماريين رموزاً معمارية ومصادر شكلية تعود الى حضارات والأمم تخالفنا بالدين والقومية وجميع مسميات الخلاف الأخرى؟؟
وإذا كان الخلاف الديني هو العقبة الأولى أحببت أن أسمع رأي المختصين في ذلك، فأرسلت سؤالاً هذا نصه الى أحد علماء الدين المعروفين اليوم بفكرهم المعاصر :
سؤال: تمتلك الحضارات الماضية في وادي الرافدين مباني مميزة جداً (مدينة أور، الزقورة، مدينة بابل بقصورها وشوارعها ومعابدها، برج بابل، المدن الآشورية)، ويذكر التأريخ إن من بنوا تلك المباني وإستخدموها لم يكونوا من الموحدين ولديهم آلهة متعددة.
في الهندسة المعمارية هنالك نظرية تدعوا الى أن تكون المباني المصممة ترتبط بتأريخ المكان وتمتلك عناصر معمارية تميزها عن غيرها من المباني في دول العالم من خلال الاستلهام من تلك المباني التأريخية. واليوم إذا صمم المعمار مبنى يمتلك عناصر وتفاصيل معمارية مقتبسة من عمارة تلك المباني هل هنالك أي إشكال في ذلك ؟
وكانت الإجابة:
ج/ لا مانع من التصميم بطريقة مشابهة للحضارات السابقة.

إذن كل الخبرات والتجارب الانسانية السابقة في العمارة هي متاحة للمعماريين اليوم لإنجاز أعمال تعبر عن المجتمع أولاً وعن المعمار المصمم ثانياً، ولكن بنفس الوقت هنالك رأي  يكرره الاكاديميون دائماً عند نقدهم لمشروع معين يحتوي على رموز ومصادر من عمائر تنتمي جغرافياً الى دول اخرى : ماعلاقة تلك الرموز بالعراق، ما علاقتها بالبيئة التي نعيش فيها؟

لذا على المعماري أن يجد قصة ملائمة تربط بين تلك الرموز وبين الفكرة التي يريد إيصالها للمجتمع الذي سيشاهد ويستعمل المبنى الذي يصممه، هذه القصة يجب أن تكون مقبولة وممتعة ومثيرة للإهتمام.








السبت، 13 سبتمبر 2014

بكدادو ... ستوديو للعمارة



بعد تجربة في الكتابة عن هموم العمارة والتصميم في واقعنا الحالي، وما تضمنته من إنتقادات لأشخاص وممارسات معمارية، ومحاولة وضع حلول إفتراضية للمشاكل التي تواجه المصمم أثناء عمله مع الزبون كفرد أو مع المجتمع ككل، قد يقول قائل:إن تلك التجربة (مجرد كلام حجيتة ومشيت....)، هل تستطيع أنت تطبيق تلك الافكار في المشاريع التي عملت عليها ؟

الإجابة: (أكيد لا).

أغلب المشاريع التي صممتها (بمفردي) تبدأ بداية مقنعة (بالنسبة لي على الأقل) ثم أفشل في إقناع الزبون بعدم التحوير والتغيير خصوصاً إذا كان جهة رسمية، بالإضافة الى بضع مساكن تسلم مخططاتها الى المقاول ونتيجة لعدم الاتفاق على الإشراف، يتعلق التصميم (بشارب) المقاول وإجتهاداته.

قد أبرر لنفسي الفشل بأمرين:

الأول: المعمار رفعة الجادرجي بجلالة قدره، يذكر إن هنالك عدد من المشاريع التي صممها لم يكن مقتنعاً بنتيجتها النهائية أبداً، فلم تظهر كما أراد لأسباب متعددة، حتى أنه كان يتحاشى المرور بالشارع الذي يقع فيه ذلك المبنى لكي لايراه امامه، فكيف الحال بي!

والثاني وهو الأهم: يقول البروفيسور الامريكي  douglas crimp يخوض المعماريون في جداليات جمالية أكاديمية مجردة، بينما هم في حقيقة الأمر رقيق في مملكة كبار المستثمرين العقاريين!

إذن ماهي (الجارة)، (مع نقطتين إضافية تحت الجيم)؟

أعتقد وبسبب إمتلاكي لمورد رزق ثابت (الراتب الوظيفي)، الحل هو بفصل العمارة عن المال (مؤقتاً).

والفكرة تتمثل بتأسيس ستوديو يعنى بالعمارة وبكافة الفنون المرتبطة بها، الهدف الأول منه، الخروج من مرحلة النص المكتوب الى مرحلة النتاج المعماري والفني المادي، أما الهدف الثاني فهو السير على خطا من سبقنا ونجحوا في إنتاج عمارة عراقية يفتخر بها الجميع، ويصفهم رفعة الجادرجي فيقول: كان لكل معمار من غرار أحمد مختار ابراهيم، ومدحت علي مظلوم، ونزار علي جودت، وقحطان عوني بالذات (شمرة) في طراز المعيشة، بما في ذلك الملبس والمأكل، فضلاً عن التمتع بمفهوم الترابط، بين مختلف الفنون، إذ أخذ المعمار العراقي آنذاك، موقعاً قيادياً في ترويج الفن العراقي المعاصر ورعايته، كالرسم والنحت، حتى اخذ يستقبل الفنان في داره ويقيم له المعارض، وينظم من أجله اللقاءات الدورية، وغير ذلك من النشاطات الهادفة الى تعريف المجتمع بالمفاهيم المعاصرة، لقد أضحت العمارة تسير في مسار وئامي مع الفنون الأخرى، وصار المعمار العراقي يرتبط بالفنان من مثل جواد سليم وفائق حسن وزيد صالح ومحمد غني.

يشاركني الفكرة عدد من الاصدقاء الداعمين لفعاليات الاستوديو المستقبلية (مادياً ومعنوياً)، التي قد تأتي قريبا أو تتأخر لأن همي الأول الآن هو الإعلان عن الفكرة وتوثيقها، علاوة على إنشغالي بالدراسة الأكاديمية.

أما فيما يخص التسمية فأعتقد هي مشكلة يقع فيها الجميع عند محاولتهم إختيار إسم لمشروعهم، الإسم الذي اخترته: (بكدادو) حيث هنالك دلائل موثوقة اوردتها النصوص المسمارية تشير الى ان اسم بغداد ورد بصيغتين هما "بكدادو" و "بكدادا bagdada “، bagdado وقد ذكر الاسمان في وثيقة بابلية ترجع الى عهد حمورابي الملك العظيم "1792 - 1750 ق. م." وكذلك من رقم اخرى جاءتنا من فترات متعاقبة كالعهد الكاشي - البابلي "1590 - 1107 ق. م ) ".أصول مدينة بغداد ومسمّياتها، فؤاد يوسف قزانجي).

  

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

عمارة مدبلجة
نصوص بين أمرين


التقديم
سوزان بويل ... إبنة عامل المناجم الفقير... المدرسون كانوا يعتقدون أنها متخلفة عقلياً، فهي تعاني من إعاقة ذهنية، وهي ترهل في الدماغ بسبب نقص الاوكسجين عند الولادة، خرجت من المدرسة بتقديرات ضعيفة لتكون الوظيفة الوحيدة التي حصلت عليها في حياتها هي (مساعد طباخ) ولم تستطع الاستمرار فيها! عندما بلغت الثانية والخمسين ... وقفت أمام لجنة تحكيم برنامج Britains got talent  لينبهر الجميع بصوتها الاوبرالي وهي تغني أغنية I dreamed a dream والتي قد إختارتها من مسرحية موسيقية عن رواية البؤساء!
في عام 2009 أصدرت سوزان البومها الأول والذي حطم الأرقام القياسية في المبيعات على مر العصور، وجنت ثروة تقدر بخمسة ملايين جنيه إسترليني. إكتشفت أخيراً إنها مصابة بمتلازمة (إسبراجير) وهو نوع من أنواع التوحد وليس بعطب في الدماغ جراء الولادة!
 ومربط الفرس هنا هو إنها بعد هذه التجربة أصدرت كتاب:
(The woman I was born to be) ليدخل ضمن قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الامريكية! ومع معرفة إن للأمر جانب تجاري وربحي فإنه كذلك مؤشر على الفرق بين (هم) و(نحن).
الفرق بين أن يحلم شاب إنكليزي بالغناء والشهرة فيذهب ليقرأ عن تجربة سوزان وأسرار شهرتها العالمية، وبين شاب عراقي يبحث عن سيرة مكتوبة للمطربين العراقيين الرواد قد لا يجدها أبداً!
وقد أطلق الدكتور صلاح نيازي على هذا الفرق (الصراع بين العقلية الشفاهية والعقلية التدوينية)، عقلية تعتمد على النقل الشفهي للتجارب والمعارف الناتجة عنها، يرافقها النسيان والإضافة والتحوير (نحن)، وعقلية تعتمد على الكتابة لتبقى التجارب والأفكار، مثبتة يمكن تداولها بين الناس بإختلاف الأماكن والأزمنة (هم).
بالمقابل ونحن في عصر السرعة أصبحنا وأنا الأول، لا نمتلك قابلية الإستماع طويلاً لمتكلم يحدثنا عن تجاربه ومغامراته وماذا قال وماذا قيل، أصبحنا نبحث عن (الزبدة)، وكتبت سابقاً (عندما أصبح شيخاً، لن أتكلم، بل سأكتب أفكاري ليختار الأخرون قراءتها بدلاً عن مجاملتي بسماعها، وقد أربي كلباً ).
لذا أعرض بين أيديكم محاولة أولى مني في تدوين ما يدور في رأسي من أسئلة أولاً ومن ثم محاولة إيجاد علاقات بين مفاهيم متعددة للوصول الى أجوبة مقترحة تصيب مرة وتخطا أخرى، كل ذلك كان في سياق عام هو هندسة العمارة، ومن ثم أحداث داخل هذا السياق تتمثل في تعرضي لقراءات ومواقف مع بدايتي لدراسة الدكتوراه في قسم الهندسة المعمارية، الجامعة التكنولوجية وتدريسي لمادة الحاسبات في نفس القسم، لطلبة المرحلة الأولى للعام الدراسي 2013-2014، علاوة على طبيعة الحياة في مدينة بغداد ومآسيها !
الخطوة الأولى كانت في إنشاء مدونة ألكترونية بعنوان (إناء من بحر العمارة) دونت فيها تلك النصوص، وإخترت لها عنوان ثانوي يقول (الهندسة المعمارية بحر عميق الأغوار، مترامي الأطراف، ولكل معمار إناء يغرف به من الماء ما إستطاع، وهذا إنائي) قد تكون التسمية مبالغ فيها لأني حين قلتها لأحد الاصدقاء قال: (بلكت تنطيني مجعة!).
وبعد أن إقترب موعد ذكرى ميلادي الـ31 قررت أن أكمل عدد النصوص الى نفس الرقم، وإخراجها من الفضاء الإفتراضي الى نسخة ورقية ذات وجود مادي، وهنا جاء دور إختيار عنوان للمجموعة، ومن قراءة أخيرة وجدت أن أغلب المحفزات، مصادر النصوص، الشخصيات، الأمثلة هي تدور في ثنائيات الـ(هم - نحن)، (العالمية - المحلية)، (الحضارة الغربية- الحضارة العربية الاسلامية)، ومن الواقع الذي نعيشه يومياً نجد تفوق الطرف الأول في تفاصيل حياتنا الشخصية بصورة عامة والهندسة المعمارية بصورة خاصة، لذا جاء العنوان الرئيس معبراً عن التبعية التي نعيشها في تلك الثنائيات، أما العنوان الثانوي فيعبر عن المحاولة في الجمع أو المقارنة أو التقريب بين أمري الثنائيات في أغلب الموضوعات.
وبما إن جميع النصوص الـ31 تمتلك كما قلت عامل مشترك واحد فقط هو حديثها عن هندسة العمارة، لذا جاء ترتيبها بحسب التسلسل الزمني لكتابتها، ولأنها في الغالب كانت تأتي نتيجة لقراءة معينة في كتاب أو المواقع الالكترونية المتعددة، فقد حاولت أن اثبّت مصادر تلك النصوص دائماً ولكن في بعض الأحيان تختلط فكرة الكاتب مع النص الذي أكتبه، لذا لا أدّعي لنفسي سوى جمع النصوص والأفكار لمن سبق ممن نظّر وفكّر ودوّن في العمارة ومحاولة إيجاد العلاقات بينها.
وفيما يخص الشكر والتقدير فهو موجه بالتأكيد الى أمي، أكثر من أي وقت مضى، بعدها لجميع من كتب كلمة أو جملة لأقرأها في يومٍ ما، ولكل من علمني حرفاً في قسم الهندسة المعمارية وبالتحديد الدكتورة أنوار المحترمة لتفضلها بقراءة وتقديم النصوص، ومن ساهم في تأسيس وتطوير شبكة المعلومات العالمية التي أضافت لنا الكثير وسلبتنا الكثير، وطلبة المرحلة الأولى لكونهم السبب في فكرة أو مشاركتهم في إنجاح فكرة، وأخيراً لطائر الكناري الذي كان رفيقي في أغلب أوقات كتابتي.

بلال