السبت، 14 فبراير 2015

هل رأى الحبُ عَمارة ...

يتسآءل كريم العراقي : ماذا جرى لي؟ نحولٌ، غيرةٌ، قلقٌ، سهرٌ، عذابٌ ... جنونٌ هزَّ أفكاري ...
أعزائي المعماريين هل تعرفون ماذا جرى له؟
لديه تقديم نهائي لمشروع معماري ؟!
كلا، إنه يعاني من حرفين سلباه وقاره ...
حاءٌ : حريق.
باءٌ: بات في ناره.
وبعيداً عن عناوين المسلسلات التركية: الحب المستحيل، الحب والحرب، قصر الحب، تنويه الحب، العشق الممنوع، أليس من المفترض أن نعرف حقيقة الحب قبل أن نحتفل به؟

لنتخيل أن هنالك ولدان (نزار) و(بدر) منذ الطفولة كانا يُحبان لعب كرة القدم، دخلا سوية المدرسة الابتدائية ليكتشف الأصدقاء في درس الرياضة أن (نزار) يجيد لعب كرة القدم ويمتلك كل الصفات التي تؤهله لكي يكون الطالب الذي يريد الفريقان أن يلعب معهما، و(بدر) لا يجيد اللعب وهو إما يكون حارس مرمى أو لاعب زائد بعد تقسيم الفريقين، فيلعب مع الأضعف كزيادة للعدد فقط.
ولكن كلاهما يحبان لعب كرة القدم! ويستمر هذا الحال حتى يكبرا، ليتعرفا سوية على (دانة) شابة رياضية، وعداءة في ألعاب الساحة والميدان.
وهنا ياتي دور الحب ... هو أن تنبهر بصفة معينة في إنسان آخر (صفة واحدة فقط) وأنت تبحث دائما عن هذه الصفة في الآخرين لإنها موجودة داخلك أساساً. ولكنها قد تكون موجودة وظاهرة (نزار) أو تكون موجودة ولكنها غير ظاهرة (مخفية)(بدر) لأنك لم تنجح في إظهارها بصورة مناسبة.
 فنزار جذبته صفة (الرياضية) في دانة فقط، لانه رياضي ناجح منذ الصغر، وبدر جذبته نفس الصفة في دانة فقط، لانه يحب الرياضة منذ الصغر أيضاً ولكنه غير ناجح في ممارستها. أما بقية صفات دانة فهنا يأتي قول (الحب أعمى) لأن كل منهم لا ينظر الى الصفات الأخرى فيها، وحتى إذا كانت هناك صفات سلبية، سيغض النظر عنها بكل تأكيد.
وإذا كانت نهاية الحب المفترضة هي الزواج ... فماذا لو أبدلنا (دانة) بهندسة العمارة؟
سيكون معظمنا قد تزوج العمارة زواج تقليدي (زواج صالونات)، بدون حب ولا غرام!
أعطينا الخاطبة (وزارة التعليم) صورنا ومقدار الثروة التي نمتلكها (معدلنا)، لتختار هي بمعرفتها العروس المناسبة!
ولا يبقى لدينا سوى مقولة الآباء والأمهات: إن الحب يأتي بعد الزواج.
فكيف نحب العمارة بعد أن تزوجناها؟


حالنا كحال (بدر) الذي تزوج فتاة أخرى غير دانة، فتاة إختارتها والدته (الوزارة)!
الحل هو أن نبحث في أعماقنا عن صفة، صفة واحدة فقط، موجودة في دراسة العمارة ونحاول أن ننظر للعمارة من خلالها، أما بقية الصفات فنعتمد على نصائح الآباء أيضاً بأن الزواج الناجح يعتمد على مدى تفهم وليونة موقف الطرفين، في موقف تتنازل عن مطالبك وتحترم رأي الآخر وفي موقف ثاني يتنازل المقابل ويفسح لك المجال، والهدف هو وصول المركب الى بر الأمان.
أنت تحب الرسم منذ الطفولة، ركز عليه الآن وتقبّل صفات زوجتك العمارة في الأمور الأخرى.
أنت تحب إتخاذ القرارات والتعبير عن خياراتك الشخصية، ركز على هذه الصفة وتقبّل مادونها برحابة صدر.
تحب التحدي والخروج عن المألوف والتجديد؟
ولكن مع كل هذا المجهود الذي تبذلة هل ستبادلك زوجتك العمارة الحب؟
الأمر معقد نوعاً ما، وكأنك متزوج من شخص غريب الأطوار، (ساعاتة مو سوة)! وسبب غرابة أطواره أنه يعيش في العراق، فعدم الثبات في كل شئ يجعله غير ثابت السلوك والتصرفات أيضاً.
فقد تبادك العمارة الحب وتصبح أعمالك حديث الجماهير وتتخرج بترتيب مميز لتنفتح أمامك أبواب المستقبل، وتستمع بفخر لام كلثوم وهي تقول:

                                                هل رأى الحب سكارى مثلنا .. كم بنينا من خيالٍ حولنا
ومشينا فى طريقٍ مقمرٍ .. تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معاً .. وعدوّنا فسبقنا ظلنا...

 وقد تحدث أمور أخرى ليست في الحسبان.

ولكن هل يوجد حل آخر بدل (جهاد الحب) هذا ؟
نعم بالتاكيد ... إنه الطلاق، الطلاق بالثلاثة.


الثلاثاء، 10 فبراير 2015

التراث المعماري وخيبة أمل المتلقي

في ظل خيبة الأمل التي نعيشها يومياً، تجتمع الأسباب التي تدعونا للكتابة، ولكن ما الفائدة من الكتابة في وضعنا الحالي؟!
هنالك الكثير من التفسيرات الحالمة والمثالية لفوائد الكتابة والتي يتداولها الكتّاب حول العالم، ولكن الأكثر منطقية في العراق هو أن تُخرج مافي صدرك من همْ ... وإلا (تموت ناقص عمر).
تستمع قبل يوم لحديث سابق للدكتور إحسان فتحي عن إهمالنا للتراث المعماري وخسارتنا لـ80% من المنجزات المعمارية الماضية (التي من المفترض أن تكون مكتبتنا التي نرجع اليها عند إنجازنا لمشاريعنا المعاصرة، بعد أن نطورها مع ما يناسب كل متطلبات العصر الفكرية والمادية)، ثم تقرأ بعد ذلك خبراً في وسائل الاعلام، عن ترشيح بغداد ضمن شبكة المدن الإبداعية في منظمة اليونسكو والتي تعد المدينة المرشحة الأولى عربياً! لما تمتلكه من إرث ثقافي وحضاري وأدبي وما تمتلكه من علاقات متميزة مع المحيط الخارجي الثقافي!
فتسب وتشتم من يحلو لك شتمهم دائماً، وتتساءل: عن أي إبداع يتحدثون ؟

هل يوجد على الأرض مشروع معماري مبدع؟ يوجد واحد أو إثنين؟ هل هي كافية لتسمية بغداد مدينة إبداعية؟
وبعد أن تبحث عن تفاصيل الخبر في وسائل أخرى، تكتشف أن الترشيح هو في مجال (الأدب) فقط بإعتبار مدينة بغداد منبعاً للأدب والثقافة منذ العهد العباسي!
ولعل من الأدلة على إبداعها أدبياً هو فوز رواية (فرانكشتاين في بغداد) للكاتب أحمد سعداوي بجائزة بوكر العربية في دورتها السابعة لعام 2014 بإعتبارها أفضل عمل روائي نشر في ذلك العام، ولكني لم اقراها حتى هذه اللحظة لأسبابي الخاصة، والجزء الثاني من دليل الابداع هذا هو ترشيح رواية (ريام وكفى) للروائية هدية حسين ضمن قائمة الـ(16) لنفس الجائزة هذا العام من بين 180 رواية عربية.


وفي المقابل فأن أصحاب المدينة (بغداد) ليسوا مهتمين بتراثها المعماري (ليس من الضرورة هنا ذكر حال المعالم المعمارية التراثية السيء) وليس لديهم نية بترشيحها كمدينة إبداعية معمارياً.  
إذن كيف سنضمن وجود أجيال من المعماريين الشباب مرتبطين إيجابياً بمدينة بغداد؟ وهم لا يرون نتاجات ماضية مبدعة ولا نتاجات معاصرة مبدعة!  ونحن نطلب من الشباب دائماً أن يحبوا مدينتهم، ويصمموا ما يناسبها ويناسب أهلها!
أن الحل لهذه الاشكالية هو أن نبحث عن التراث المعماري والإبداع المعاصر في النتاجات الأدبية التي تفتخر بها المدينة وتعتبرها سفرائها في منظمة اليونسكو.

أعتقد أن هذا هو أضعف الإيمان بل شبح إيمان.

بعد سماعي بترشح رواية (ريام وكفى) بدأت بقرائتها معمارياً، لأجدها تتضمن إشارة لمعلم مهم في مدينة بغداد كنت قد سمعت به إسماً فقط، والرواية بصورة عامة تتحدث عن فتاة صغيرة يسميها أبيها (كفى) لأنها البنت الثالثة وهو يبحث عما يبحث عنه الآباء منذ قبل الاسلام. تكتب (كفى) قصة حياتها من سبب تسميتها حتى مغادرتها وحيدة مسكن العائلة، عندما وضعت حقيبتها في صندوق السيارة وخرجت " راودني شعور بأن قصتي لم تبدأ بعد، ها أنا أضع قدمي على طريق البداية بعيداً عن بيت العائلة وأشباح الموتى، وأحس كما لو أنني أتجدد مثل شجرة في أول الربيع، وأن أعماقي تنفض عن عروقها كل ما يمكن أن يوقف جريان الدم في جسدي، وبرغم أن الوقت كان ضحى إلا أن السماء كانت تمطر نجوماً".

أما المعلم التراثي فهو مقبرة الانكليز (North Gate) في بغداد.
المقبرة كانت محل لقاء (كفى) بـ(ريحان) الشاب الجنوبي الذي وعدها بالزواج " دخلنا المقبرة الانكليزية أكثر من مرة وصارت موعداً ثابتاً للقاء بيننا.. وبرغم ان هذه المقبرة قريبة من بيتنا إلا انني لم أدخلها يوماً إلا مع ريحان، وكم دهشت حين تجولت بين قبورها المنظمة التي لا تشبه قبور موتانا، وريحان يقرأ لي أسماء الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى ودفنوا في هذه المقبرة، أسماء غريبة على مسامعي مكتوبة بالانكليزية التي يجيدها ريحان، وجلسنا تحت فيء أشجارها وارقة الظلال، وأحياناً يأتي ريحان ومعه كتاب في التأريخ المعاصر ويقرأ لي عن شخصيات تأريخية أثرت في الحياة البغدادية وفي عموم العراق، وكم مشينا على عشبها الناعم الطري، ومن ريحان سمعت للمرة الأولى بإسم المس بيل، وقفنا بالقرب من قبرها وقال ريحان هذا قبر المس بيل عالمة الآثار البريطانية والسياسية المشهورة التي عاشت في العراق وكان لها دور كبير في سياسته ويقال بانها هي من إختارت الأمير فيصل ليكون ملكاً على العراق... ثم رايت قبر الجنرال ستانلي مود قائد الحملة البريطانية على العراق في بداية القرن العشرين، وله تمثال في كرخ بغداد ازالته الجماهير الغاضبة بعد ثورة تموز العام 1958 كدلالة لإزالة عصر الاستعمار ... وكنا حين نتواعد في المقبرة تكون نجية اخت ريحان التي تصغره بأربع سنوات جالسة على السياج الواطئ للمقبرة بالقرب من مدخلها تراقب الطريق، فإذا رات أحداً من الذين يعرفوننا تنزل من على السياج الى داخل المقبرة وتصيح بأعلى صوتها: ريحان جاءنا ضيوف .. عندها نهرب من السياج البعيد.. وفي أحد اللقاءات تلك أخبرني ريحان بأنه يعتزم إذا ما دخل الجامعة أن يدرس تاريخ العراق في تلك الفترة .. هل كان ذلك سبباً كامناً في أعماقي لكي أتخصص بعد سنوات بدراسة التأريخ؟ "
وتنتهي أخيراً تلك اللقاءات حينما سمع خالها بالأمر فكسر لريحان ذراعه وهدده بكسر أنفه إذا إقترب منها مرة أخرى.



وكما قال النعمان بن منذر وذهب قوله مثلاً : "لأن تسمع بالمعیدی خیر من أنَّ تراه"، لان رؤية المقبرة اليوم يصيب بخيبة أمل إضافية، لا تصلح للقاء عفريتين حتى،  فالعشب الطري تحول الى عاكول ولا توجد أشجار تظلل وتخفي أحد خلفها، فمن سيارة مارة سريعاً تستطيع أن تلمح أي (بزونة) تتسكع في المكان وهي ليست بحاجة لنجية لكي تحذرها وتهرب من السياج.




ولكن أليست هي مقبرة لجنود الاحتلال الانكليزي ؟ فلماذا نحافظ عليها؟ ولماذا نعتبرها معلماً تراثياً حتى؟ ما فائدة التأريخ؟ لماذا لا نستفيد من مساحتها لانشاء مشروع استثماري؟ وهذا مانقلته (Iraq tradelink news agency) بتأريخ 9/1/2015 من مطالبة صادرة من العراق لبريطانيا بنقل جثامين جنودهم ودفنهم في بلدهم وبين عوائلهم لأن ليس لهم مكان في أرضنا!!



الجمعة، 6 فبراير 2015

                                                 نتاجات رفعة الجادرجي      

يُكتب إسم (رفعة) بالتاء المربوطة، وهو من أبرز المعماريين العراقيين حتى اليوم. وعلى الرغم من تصميمه لقطع الأثاث وقطع فنية أخرى الا أنني أرى من غير المناسب وصفه بالفنان التشكيلي، فنتاجاته المميزة والتي أسست لأسمه في عالم الشهرة هي نتاجات معمارية قد تمتاز بالتشكيل أو التجريد ولكنها عمارة صرفة.
وقد تكون الاجابة، أن هذه المعلومات مدونة في الموسوعة الحرة وكيبيديا، وهذا ما يدعونا الى النظر بعين الشك لأغلب المعلومات الموجودة على الشبكة في المستقبل. فرفعة مثلاً لم يصمم نصب الحرية في ساحة التحرير وإنما كما ذُكر في تقديم الطالبة غصون طالب، صمم القاعدة أو اللوحة الكونكريتية فقط والتي ثبت عليها الفنان الراحل جواد سليم منحوتاته عليها.   

تحليل عناصر التصميم :
عندما نستكشف العناصر التصميمية التي إستخدمها المصمم في المخططات الافقية لمبانيه، يجب أن ننظر بعمق أكثر، وأن نفكر بنفس الوقت بالعناصر الأنشائية المستخدمة، فهل أستخدم المصمم العمود كنقطة؟ وهل أستخدم الجدار كخط؟ من مراجعة مخططات انحصار التبوغ والمصرفين، نجد أن هنالك نقاط وخطوط هي التي تؤلف المستطيلات (السطوح) التي يتحدث عنها التحليل الحالي، ومن الضروري أن نميز أيضاً بين الدائرة وبين القوس (نصف الدائرة) فهل استخدم المصمم الدوائر الكاملة؟
كذلك الأمر بالنسبة لواجهات المشاريع الثلاثة، يجب أن ننظر للتفاصيل المؤلفة للمستطيلات (السطوح) التي تتميز بها واجهات رفعة الجادرجي وتسمية العناصر باسمائها الصحيحة.

تحليل مبادئ التصميم :
فيما يخص المخطط الافقي لمبنى إنحصار التبوغ، هل يتحقق التوازن في التكوين؟ وهل يوجد عنصر يلعب دور الـdatum  في التكوين؟
والاسئلة نفسها فيما يخص الواجهات الأمامية وهل يوجد إيقاع فيها؟ ماذا نجد خلف التكرارات؟
علماً إن إستخدام الجادرجي للتكرار بأنواعه (في الواجهات بالتحديد) لتحقيق فكرة معينة ألا وهي تحقيق التوازن بين تلبية البناية لحاجات الانسان ومقدار الطاقة المصروفة لفهم وإدراك الناس لتلك البناية.
فهو يقسم الحاجات الانسانية الى حاجات الجسد (النفعية) والحاجات الرمزية (أرتباط المبنى برموز معروفة لأفراد المجتمع الذي يستخدم البناية) والحاجات الجمالية (المتعة البصرية) وفيما يخص واجهات المبنى فهي تتعامل مع الحاجات الرمزية والجمالية بصورة مباشرة، وهنا هو يفترض إن تكرار العناصر تسهل على الشخص الناظر إدراك التكوين الكلي فهو يصرف طاقة فكرية أقل بعد أن تعرف على العنصر سابقاً.

تحليل العلاقات التكوينية :
قد يكون لاكتظاظ مدينة بغداد وقطع الاراضي المحددة دور في اختيار الجادرجي للعلاقات التركيبية في مخططاته الافقية ولكن هل يوجد تداخل في مخطط مبنى إنحصار التبوغ ؟
وفيما يخص واجهات المباني، هل توجد علاقات شد فراغي بين الكتل العمودية من خلال خلق الفراغات أو المستطيلات المتراجعة في الواجهة ؟ والتي تكون باللون الاسود نتيجة لسقوط ظل الشمس عليها.



ملاحظات تنظيمية:
هنالك مهم وهنالك أهم، وتحليل المشاريع هو الأهم لذا يجب أن يأخذ المساحة الاكبر في العرض وتقل مساحة صورة وسيرة المعمار المصمم، فيما يخص صور المنظور هي لتوضيح المخططات ثنائية الابعاد (الواجهات) لذا ليس من المناسب أن نستنتج منها الاحكام كأن نقول هنالك تدرج وفي الحقيقة العناصر متطابقة ولكنها تبدأ بالتلاشي نتيجة للقطة الكاميرا المجسمة، علاوة على أن جميع الصور يجب أن تحافظ على نسبها عن العمل فلا يقلل الطول على حساب العرض وبالعكس مما يؤدي الى تشوه الصورة.

وفيما يخص لغة العرض من الضروري أن تكون لغة سليمة سواء العربية أم الانكليزية. ويجب أخذ ملاحظات الكادر التدريسي على المشاريع الباقية بعين الاعتبار أيضاً.

الجمعة، 23 يناير 2015

بعيداً عن العمارة، لماذا نطلق العيارات النارية؟

من المحتمل أننا يجب أن نسأل أولاً:
لماذا نصرخ من الألم؟ لماذا نصرخ عندما ترتطم أقدامنا بحافة مدببة؟
والإجابة من Google هي: السبب أن الدماغ يتعرض لضغط كبير عند وجود أي حدث غير مفهوم أو مفاجىء له، ولتحرير هذا الضغط هناك أساليب عدة منها الصراخ الذي يخفف من الضغط على الأعصاب حتى يستطيع الجسم التعامل مع الظرف الجديد الذي تعرض له.
ولكن هل تصلح هذه الإجابة لسؤال آخر؟ لماذا نصرخ عندما نسمع خبر محزن؟ ولماذا نصرخ عندما نسمع خبر مفرح؟ مع عدم وجود عامل مادي مؤثر على الجسد الانساني.
أعتقد أن الضغط الناتج عن نقل الإحساس بالألم عن طريق الأعصاب الحسية، مشابه للضغط الناتج عن نقل المعلومات بواسطة الأعصاب السمعية أو البصرية، لذا فالصراخ في كل الاحوال هو للتخفيف عن ذلك الضغط المفاجئ.
ودعونا نتكلم عن الفرح فقط ... هل رأيتم يوماً لاعب كرة قدم سجل هدفاً ولم يصرخ بفرح؟ وماذا عن المشاهدين؟ وتزداد شدة الصراخ مع أهمية الهدف بالتأكيد، فلو كان الفريق فائز ب4 أهداف لصفر مثلاً وسجل اللاعب هدفاً خامساً هل سيصرخ بكل قوته؟
لذلك أرى أن هنالك إنساناً في التأريخ، فرح فرحا شديداً ووجد أن صوته وبكل طاقته لا يعبر عن شدة ذلك الفرح، فتلفت (يمنة ويسرة) فرأى حجراً وآنية طعام معدنية، فطرق بالحجر على المعدن ليصدر صوتاً أعلى من صوته المجرد!
حقيقة لا أعرف بعدها كيف وصل الأمر بالانسان الى إختراع الطبل والدف لإصدار أعلى الاصوات، ولكنها بديل لصوت الانسان للتعبير عن الفرح أولاً، لتتطور بعدها وتستخدم لأنتاج الالحان الموسيقية.
وهنا نصل الى مرحلة تأريخية مهمة بدأت باللحظة التي ردد فيها الثوارالعراقيين " الطوب أحسن لو مكواري"، هذه اللحظة تتمثل بدخول الأسلحة النارية الى العراق بكافة أنواعها، قد تكون دخلت لأول مرة مع العثمانيين ومن ثم مع الصراع بين العثمانيين والانكليز على إحتلال العراق ...
ويروي لنا التأريخ على لسان جدتي، أن الثوار العراقيين كانوا يخربون سكة القطار الناقل للأسلحة والعتاد ليستولوا على ما تحتويه وإستخدامه ضد المحتلين. وبذلك أصبح لدى الناس أداة تصدر صوتاً أعلى من الطبل والدف! صوت مدوّي وقاتل في نفس الوقت، وهنا بالذات (نفترض) وجود حادثة تأريخية إستعمل فيها الثوار تلك الاسلحة لقتل المحتلين وأنتصروا عليهم، فأصابتهم فرحة هستيرية عبروا عنها بإستمرار إطلاق الأصوات التي كانت سبباً في إنتصارهم!
وإستمرت هذه الظاهرة حتى يومنا هذا، والدليل على كون إطلاق الرصاص بديل للصراخ، هو عدم رؤيتنا لشخص يعبر عن فرحه بالرمي من سلاح كاتم للصوت!
وبما أننا نمتلك حرية وضع الحلول النظرية والتطبيق (الله كريم)، فالحل المفترض يتضمن ثلاث فقرات مترابطة:
الأولى: تطبيق صارم لقانون يمنع إطلاق النار لأي سبب كان غير (الدفاع عن النفس)، وهذا ماكان عليه الأمر في النظام السابق، فحتى هذه اللحظة أتذكر توبيخ جدي بسبب الصوت الذي اصدره مسدسي البلاستيكي وإطلاقات تحتوي نوعاً من البارود، فكان السؤال العظيم: هل يُعقل أن يخاف رجل راشد من إستخدام حفيده للعبة أطفال!
والثانية: نقل وسائل الإعلام لطرق واساليب إحتفال الشعوب المتطورة لنتعلم منها ونتأثر بها بوعي أو غير وعي، فنحن نتعلم من الآخرين بسرعة، ولكن الخوف أننا نتعلم السلبيات فقط.
الثالثة: توفير بدائل صوتية آمنة للتعبير عن الفرح، فأغلب علماء التربية المختصين بالتعامل مع الطفل، يوصون الأهالي بتوفير بديل للعادة السيئة لطفلهم حتى ينشغل عنها بلعبة أو فعالية جديدة تنسيه الأولى، ونفس هؤلاء المختصين يقولون: إننا أطفال كبار!
كل ذلك لنتجنب الدعوات الكثيرة التي تقول : "إن شاء الله يخسر المنتخب العراقي حتى محد يضرب طلقات!"


الخميس، 11 ديسمبر 2014

هاتولي مقاوِلة!

بعد الحرب العالمية الثانية، كان هنالك مجموعة من العلماء (النساء)، جاءتهم فكرة عظيمة (من وجهة نظرهن طبعاً)، حيث وجدوا أن أضمن طريقة لتعيش بلادهم بأمان وسلام، هي أنهم يتوقفوا عن إنجاب الذكور، لأن الانثى كائن مسالم بطبيعته، وبدوأ بعمل أبحاث وتجارب لتحقيق هذه الفكرة، وبعد فترة، إكتشفوا هرمون من الممكن أن يوقف إنجاب الذكور، إستخلصوا هذا الهرمون ووضعوه في المياه، ليضمنوا وصوله الى كل بيت في البلاد، وبدأ الهرمون ينتشر من دولة الى أخرى حتى وصل الى مصر عام 1945.
وبعد أن إنتشر الخبر، كل الأزواج المتخاصمين تصالحوا، وكل المخطوبين تزوجوا، وكل النساء بدأوا بالزواج من أول رجل يتقدم لخطبتهم، وكل تلك الزيجات طبعاً أنتجت أطفالاً إناث فقط، ومع بداية السبعينيات أصبح الرجل عملة نادرة جداً، وبدأت المرأة تحل محل الرجل في المجتمع، بدأت بالأعمال الصغيرة، وكان الموضوع مأساة في البداية، ولكن مع مرور الوقت أصبحت قادرة على عمل كل ما يعمله الرجال وأكثر (كمان)، وأصبحت المرأة مسيطرة على كل شئ !


هذه هي الفرضية التي يبدأ بها الفلم المصري (هاتولي راكل) من تأليف الكاتب كريم فهمي وإخراج محمد شاكر خضير، ولكن ماذا لو وصل الهرمون الى العراق في ذلك الوقت؟ ماذا لو أصبحت المرأة مسيطرة على كل شئ؟ ماذا لو أصبحت المرأة مسيطرة على مهنة العمارة؟

لسنا بحاجة الى تخيل أداء المرأة في الاختصاصات التي تمارسها على أرض الواقع: التعليم المعماري، التصميم المعماري والإشراف على تنفيذ المشاريع الهندسية، ولكن ماذا لو سيطرت على مهن التنفيذ الهندسي نفسها؟ ماذا لو؟ أصبحت المرأة مقاولة، أسطة، خلفة أوعاملة بناء؟

الأغلب يشتكي من تقصير أو عدم كفاءة الرجال في تلك المهن، وليس الأمر بالجديد، فمنذ القدم صيغت أمثال شعبية تلخص تجارب الناس مع (البنّة)، فهنالك مثل يقول: "طبب لبيتك حرامي ولتطبب بنّة" وعن إنجاز المهام البسيطة بوقت طويل جداً يضرب المثل بقضاء البنّة لحاجته!

وبالاعتماد على المقارنة بين عقل الرجل والمرأة للمحاضر الأمريكي (Mark Gungor) نستطيع أن نقيّم مَن الأفضل لممارسة تلك المهن :
فيما يخص عقل الرجل فهو(مكون من صناديق مُحكمة الإغلاق، وغير مختلطة، هنالك صندوق البيت وصندوق العمل وصندوق الأولاد، وإذا أراد الرجل شيئاً فإنه يذهب إلى هذا الصندوق ويفتحه ويركز فيه وعندما يكون داخل هذا الصندوق فإنه لا يرى شيئاً خارجه، وإذا إنتهى أغلقه بإحكام ثم شرع في فتح صندوق آخر وهكذا. وهذا هو ما يفسر أن الرجل عندما يكون في عمله، فإنه لا ينشغل كثيراً بما تقوله زوجته عما حدث للأولاد وغيرها).
أما عقل المرأة(فهو مجموعة من النقاط الشبكية المتقاطعة والمتصلة جميعاً في نفس الوقت والنشطة دائماً، كل نقطه متصلة بجميع النقاط الأخرى مثل صفحة مليئة بالروابط على شبكة الإنترنت، وبالتالي فهي يمكن أن تطبخ وهى تُرضع صغيرها وتتحدث في التليفون وتشاهد المسلسل في وقت واحد، ويستحيل على الرجل - في العادة - أن يفعل ذلك، كما أنها يمكن أن تنتقل من حالة إلى حالة بسرعة ودقة ودون خسائر كبيرة).
إذن من الأنسب في متابعة جميع فقرات البناء؟ من الأنسب في إدارة التداخل بين إنجاز تلك الاعمال؟ إذا كان الرجل لا يستطيع أن يفكر بأكثر من صندوق في نفس الوقت فمن الممكن أن يوقف التداخل بين الأعمال: ينتهي الكهربائي من كافة أعمال التأسيسات الكهربائية ويخرج من الموقع ليتم بعدها العمل بإنهاء الجدران وبعد إنتهائها يتم إنهاء الارضيات وهكذا، ولكن التداخل هو العامل الاساسي في إختصار الوقت، ويصبح قضاء البنّة لحاجته لا تتجاوز 5 دقائق!


وهنالك قضية أخرى ترتبط بالوقت(إحتياجات الرجل الصندوقي محددة وبسيطة وممكنة، أما إحتياجات المرأة الشبكية فهي صعبة التحديد وهى مُركبة ومُتغيرة، قد ترضيها كلمة واحدة، ولا تقنع بأقل من عقد ثمين في مرة أخرى، وفى الحالتين فإن ما أرضاها ليس الكلمة ولا العقد وإنما الحالة التي تم فيها صياغة الكلمة وتقديم العقد)، إذن هل من الممكن القول أن العمل مع الرجل البنّة أسهل؟ فهو يتبع الطرق البسيطة في حل المشاكل في الموقع، ومن يعمل معه سيعرف ماذا يريد (إستاده) وهو سيتبع نفس الحل في المشاكل المشابهة القادمة، وبذلك فأن العمل سينجز بوقت أقصر.

و(الرجل الصندوقي لا يحتفظ إلا بأقل التفاصيل في صناديقه، وإذا حدثته عن شئ سابق فهو يبحث عنه في الصناديق، فإن لم يعثر عليه فإنه لن يعثر عليه أبداً، أما المرأة الشبكية فأغلب ما يمر على شبكتها فإن ذاكرتها تحتفظ بنسخة منه ويتم استدعائها بسهوله لأنها على السطح وليس في الصناديق)
وهنا، كم من مهندس أوصى المقاول أو الأخرين بإنجاز أعمال معينة أو إنهاء تفصيل بطريقة معينة ويأتي ليرى العكس تماماّ، ويكون العذر : (نسيت/نسينا إستادي!)؟

و(الرجل الصندوقي مُصمم على الأخذ، والمرأة الشبكية مُصممه على العطاء، ولذلك فعندما تطلب المرأة من الرجل شيئاً فإنه ينساه، لأنه لم يتعود أن يُعطى وإنما تعود أن يأخذ، يأخذ في العمل، يأخذ في المطعم، بينما إعتادت المرأة على العطاء، ولولا هذه الفطرة لما تمكنت من العناية بأبنائها). ولهذا قد يكون همّ المقاول الأول هو الربح على حساب الأمور الأخرى ولكن ( قد ) تفكر المقاولة بتشييد مبنى مثالي لأم مثلها تسهر على راحة أبنائها فيه!
وكذلك لأن (المرأة غالباً ما تستخدم عاطفتها قبل عقلها وذلك من خلال الإحساس بالآخرين والتعاطف معهم )، فأنها سوف تتعاطف مع الزبون عندما يضطر لاستئجار مسكن أو يسكن مع أقاربه حتى انتهاء بيته، لذا قد تعمل ليل نهار لتخليصه من هذه الأزمة!


و(عادة ما يهتم الرجل في عمله بالترقيات والمناصب العليا وكيفية الوصول إليها، على عكس المرأة التي لا تهتم كثيراً بذلك بقدر ما تهتم بتكوين الصداقات بينها وبين زميلاتها في العمل مما يقوي بينهن روح التعاون ومن ثم تقديم نتائج أفضل) ومع الشك بهذا الفرق ! ففي حالة وجوده، سوف تتخلص مهنة المقاولات من (الاستعراض) و(البوزات) ويصبح الهمّ الأول إنجاز العمل بافضل صورة وأسرع وقت!

و(إن معظم نساء العالم لا يتقبلن الانتقادات أبداً، بل إن لديهن حساسية مفرطة من أي تعليق أو أي انتقاد يوجّه إليهن، على عكس الرجل الذي غالباً ما تكون ( روحه رياضية ) نظراً لأنه يعد أكثر تقبلاً للنقد من المرأة) قد يشكل هذا الفرق مشكلة في مهن البناء، تخيلوا أن يأتي المهندس المشرف فلا يعجبه العمل المنجز ويطلب من المقاولة أو (البنّاية)(مؤنث بنّة) بهدمه، في هذه الحالة يجب على المهندس الالتزام بإرتداء الخوذة الواقية لأنها سوف ترميه بأقرب طابوقة أو (ثليثية)!

وأخيراً فمع كل هذه الأفضليات للمرأة لماذا لم تفكر بالعمل في مجال البناء؟
أعتقد أن الإجابة واضحة، وهي عدم قدرتها البدنية على حمل الاثقال والعمل من السادسة أو السابعة صباحاً حتى الرابعة عصراً، ولكن من الممكن تجاوز هذه المشكلة في الوقت المعاصر عن طريق التكنولوجيا، فقد دخلت الآلات في جميع الاعمال، هنالك آلة تحمل الطابوق، تنقل الخرسانة الى الطوابق العليا، وهنالك آلة (تلبخ) الجدران وحدها!


ولكن إذا كان الحديث عن العراق فبالتأكيد أن التكنولوجيا لا تزال بدائية في الاعمال البنائية ولا أعتقد أنها ستدخل قريباً ايضاًُ، لذا من الممكن أن تصبح المقاولة أو البنّة مرأة ويعمل الرجل معها لإنجاز كافة الاعمال التي تتطلب الجهد البدني وما عليها سوى أن تكون الرئيسة وتستغل فروقها عن الرجل ومهاراتها في إدارة وتنظيم العمل.


ولكن (مرة أخرى) من سيقبل من الرجال العمل (جوة أيديهة)؟ سألت نفسي أولاً كرجل، فأجاب جانبي الشرقي: طبعا لا ما أقبل، شيكولون علية الناس!



ملاحظة: النصوص بين قوسين من موقع مجلة العراق الدوائية وللكاتب والمدرب هشام بن أحمد آل طعيمة.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

(حديث الشباب)
حديث في العمارة 

التجربة الأولى مميزة دائماً، وسر تميزها هو متعة الإستكشاف التي نعيشها، الترقب والقلق، بالاضافة الى الاخطاء التي نرتكبها نتيجة للارتجال، فيبرز تأثير عقلنا الباطن على حساب التفكير المنطقي والمحددات الواعية.
التجربة الثانية تكتسب نكهة مختلفة كلياً، الأمر مشابه لمراجعة الفرد لدائرة رسمية عراقية لأول مرة، عن نفسي سوف أبحث أولاً في الانترنت عن أي معلومة تخص موقع الدائرة الجغرافي، بعدها يبدء التفكير بوسيلة للوصول الى ذلك الموقع، والخطوة الأهم بعد الوصول التعرف على المدخل من بين الكم الهائل من الإجراءات الأمنية، لتدخل أخيراً. تتطلع الى الكتابات الارشادية إن وجدت، تسال المراجعين، تذهب الى الموظف الخاطئ، فيرسلك الى استاذ فلان أو ست فلانة لتصل أخيراً الى الموظف المطلوب.
أما في التجربة الثانية فأنك تذهب الى الموظف مباشرة وتتجاوز جميع أخطاء الماضي.
وفي حياتنا اليومية الحالية نعتمد بصورة كبيرة على تجارب الآخرين من خلال شبكة الانترنت، أي مشكلة تواجهنا وفي أي مجال، بعملية بحث بسيطة نجد إن هنالك من عانى منها قبلنا، ولكنه إتخذ خطوة جميلة ... لقد شارك الآخرين الحل.
وبعد تجربة المشاركة في برنامج تلفزوني قصير وجدت من المناسب مشاركة التجربة وأخطائها لأرد قليلاً من ديون الآخرين عليّ في انجازاتي المهنية والعلمية البسيطة.

نقطة البدأ هي الاعتراف بفضل من يتيح لك فرصة المشاركة بتجربة جديدة، الدكتور مصطفى كامل المحترم، علمني سابقاً حروفاً في الفن والعمارة وعن العلاقة الوثيقة بين علم النفس والعمارة، ليرشحني اخيراً لهذه التجربة.
بعدها إتصل بي معد البرنامج لنتفق على الموعد وموضوع الحلقة، ولكوني مطلع على عدد من حلقات البرنامج (حديث الشباب) فهو يتحدث عن القضايا التي تخصهم بالتحديد وبكافة المجالات. الحلقة كانت عن العمارة العراقية بصورها السابقة والحالية (التراث-المعاصرة) أو(التراث-الحداثة) بعيداً عن تسمية (عمارة الحداثة)، ودور المعماريين الشباب في انتاج الصورة الحالية، هذه كانت المعلومات الوحيدة المتوفرة حينها.


وللاستعداد هنالك خطوتين إتخذتهما، الأولى: الإطلاع على أكثر من حلقة سابقة للبرنامج للتعرف على سيناريو الحلقة، طبيعة الحوار، إسلوب ومظهر المشاركين في الحلقات، أما الخطوة الثانية فهي التفكير بصورة سريعة وعامة بإشكاليات العمارة العراقية ومحاولة وضع اسئلة او سيناريوهات محتملة، ولأن تدوين المعلومة يخفف من ضغط القلق من النسيان، حاولت تلخيص الخطوط العامة للأفكار التي أثارها موضوع الحلقة وهي على شكل ثنائيات وثلاثيات:

(عمارة – تراث): نحن لم نعيش في بيت بغدادي ولم نلعب في زقاق بغدادي، لم نمشي في شارع الرشيد لم نزر الحضر والأخيضر وزقورة أور والأهوار وكل هذه الانجازات الحضارية، تعرفنا عليها عن طريق الصور فقط، وبالتأكيد أن قيمة الصورة أقل من القيمة الحقيقية بكثير، لذا فنحن معماريين صوريين وأقل تفاعل وتجانس مع البيئة المحلية.
(المعماريون الرواد – التراث): المعماريون الرواد ولأنهم كانوا يمتلكون ذكريات وعاشوا في بيئة تراثية لذا فهم أكثر ارتباطاً بالتراث ولكل منهم عنصر أثير معجب به ويحاول إبرازه في تصاميمه المتنوعة.
(عمارة – مواد): الإنبهار بالعمارة العالمية المعاصرة عن طريق الانترنت بالتحديد، جعل المعماريين الشباب يميلون الى إستخدام الزجاج في الواجهات على الرغم من عدم ملائمته للبيئة العراقية، وإذا كان هنالك من يقول أن الزجاج اليوم مقاوم للحرارة وعاكس لها، فهذا صحيح ولكن على الأقل هو غير ملائم جمالياً لانه سوف يجمع الأتربة والغبار ويشوه شكل المبنى نتيجة لعدم الاهتمام بالتنظيف والصيانة المستمرة لواجهات المباني، بينما الطابوق المحلي مثلا لا يؤثر الغبار على شكله كثيراً.
(عمارة – مقاول – البيئة المبنية الحالية): إن البيئة التي نشئنا فيها ونشئ فيها الجيل الحالي هي من صناعة المقاول! (ليس تقليل من مكانة المقاول طبعا)، ولكنه يفتقر الى المعلومات العلمية ويعتمد على الخبرة المتناقلة والتجربة والخطأ، حيث أن الدراسة المعمارية تقلل من زمن التجربة وتقلل من الأخطاء البنائية المرتكبة. والسبب في كون المقاولين اكثرانجازاً من المعماريين في تلك البيئة هو مادي بحت،حيث يمنح المقاول المخططات مجاناً للزبون ويجني أرباحاً هائلة من أعمال البناء، بينما المعماري يطالب بمبلغ كبير نسبياً على المخططات فقط.
(عمارة – إمكانيات الشباب): يمتلك الشباب إمكانات عالية، وهم مستعدين دائماً لتعلم آخر البرمجيات المعمارية التي تطلقها الشركات العالمية وسوق العمل بأمس الحاجة لها. ولكنهم مرتبطين برأس المال الحالي وهو قسمين: الأول قادم من خارج العراق ويحمل معه صور العمارة العالمية الجميلة ويريد عن حسن نيه بناء مثلها في العراق.
والقسم الثاني لم يغادر العراق ولكنه ضحية للبرامج التلفزونية والانترنت ويطلب ما يشابه تلك الأعمال المبهرة بالنسبة له.
(عمارة - الحل المقترح): أعتقد أن الحل سهل الكتابة صعب التطبيق، وهو قراءة سيرة المعماريين الرواد، والسير على خطاهم كمنهج مع الأخذ بنظر الإعتبار جميع المتغيرات السابقة والحالية.
وبعد تدوين هذه الملاحظات حان الموعد في اليوم التالي، ومع ضغوط شوارع مدينة بغداد وصلت في الموعد المحدد، تلتقي بمعد البرنامج يرحب بك وتدور أحاديث سريعة للتعارف أكثر ثم يجهز إستوديو التصوير، تغلق الهاتف، تثبت لاقطات الصوت، ثم تطرح عليك الاسئلة مباشرة دون معرفة سابقة أو أي مناقشة وتوجيه، لذا كانت الأفكار المسبقة هي الأقرب الى اللسان مع بعض التعديلات الطفيفة وبما يلائم الأسئلة المطروحة.

وأخيراً هل سمعتم يوماً عن شخصية عامة تعرضت لإنتقاد بسبب رأي معين نقلته أحدى الفضائيات وهو يقول: إنه لم يكن يقصد هذا المعنى وإن الكلام وضع في غير موضعه وقد يذهب بعيداً ليقول: تم التلاعب بكلامي لتوجهه الفضائية حسب رغبتها.
الحقيقة لهم القليل من الحق، لأنك تترك كلامك لمعد البرنامج ليختار ما يناسبه، لإعتبارات الموضوع او وقت البرنامج ويترك مالا يناسبه حتى لو كان ذو علاقة وثيقة بالكلام السابق أو موضح له.