الخميس، 8 يونيو 2017

اسطورة الأبّي

روي في الأثر: أنَّ لرجلٍ بستانٌ كجنةٍ غنّاء، وكان له ولدين قد بلغا الصبا، وليشتد عودهما ويقتفيا الأثر، أقتطع لكلٍ منهما مساحة يزرعانها ويأكلان من محصول ثمارها.
وكان في البستانِ ساقيةٌ تروي أشجارهُ ومراعيه، وقد شق الاب لكلِ ولدٍ منها فرعاً تواليا ...

وبيوم من الأيام واحد من الولد فتح البوابة مالت الساكَية مالتة للأخير وأخذ المي مالت الساكَية الرئيسية كلة ... إجة الأخو الثاني وجان لسانة ثكيل شوية ويتأتأ بالحجي فكلة: شلون تاخذ كل المي الي بالساكَية ؟ هاي الساكَية مالت أبوية والي بيهة حصة مثل ما انت الك بيهة... ولأنه قبل جانوا يحجون عربي فصيح والولد لسانة ثكيل شوية فجان بدل ميكول (ساقية أبي) يكول (ساقية أبّي) ... فالاخ والفلاحين ضحكوا على اللفظ وكَاموا دائماً ًيقلدون عليه ويسمون الساكَية (ساقية أبّي) وانتشر الاسم بين الكل بالمنطقة ... 

وبعد عشرات السنين تحولت الساقية الى بوري وتحولت تسمية البوري الرئيسي من (ساقية أبّي) الى (بوري أبّي) ... وعاشوا عيشة سعيدة ...
















السبت، 3 يونيو 2017

زهاء حديد وطلبة العمارة

زهاء حديد وطلبة العمارة


المشهد الأول:
في عام 2007، كان مشروع تخرج مجموعة من طلبة المرحلة الخامسة في قسم هندسة العمارة تصميم مخطط معاصر للجامعة التكنولوجية وتصميم أبنية أقسامها ومراكزها وبما يتناسب مع خططها التطورية، وكانت مهمة إحدى الطالبات تصميم مبنى قسم هندسة العمارة، وفي إحدى مراحل تقديم المشروع كانت التكوين الشكلي لتقديم الطالبة يمتلك من السمات الشكلية شبهاً لمشاريع المعمارية الراحلة زهاء حديد وهو ما التقطه الطلبة والاساتذة وأصبح حديث اليوم، الملفت والمثير للانتباه حالياً، إنزعاج الطالبة الشديد حينها وحتى بكاءها لأنها أحست باتهامات غير مباشرة لها، بكونها قد اقتبست او نقلت المعالجات الشكلية للمعمارية الراحلة !

المشهد الثاني:
في اللقاء الاول مع طلبة المرحلة الاولى في قسم هندسة العمارة بداية العام الدراسي، يطرح الكادر التدريسي سؤالاً يتردد كل عام، والسؤال الموجه لكل طالب على حدة:
ما الذي دفعك لإختيار تخصص هندسة العمارة دوناً عن الاختصاصات الأخرى؟
وعلى الرغم من طبيعة نظام القبول المتبع من قبل وزارة التعليم العالي، فقد أجابت إحدى الطالبات، بأن رغبتها إنطلقت من قراءتها عن المعمارية الراحلة في كتاب اللغة الانكليزية للصف السادس الاعدادي وإعجابها بما حققته من مشاريع معمارية وشهرة عالمية.

المشهد الثالث:
في إحدى محاضرات مادة التصميم المعماري للمرحلة الاولى اتجهت المحاضرة نحو الحديث عن المعمارية الراحلة لضرب الامثال وتحليل مشاريعها المعمارية، الملفت أيضاً هنا أن السياق العام للحديث وتفاعل الطلبة لم يقترب من كونها غادرت هذه الحياة وتوقفت منجزاتها، كانت سيرتها تأتي وكأنها لا تزال حاضرة ومؤثرة ! لم يفكر أحد بالقول : الله يرحمها ...

المشهد الرابع:
في المنهج الدراسي لمادة التصميم المعماري في المرحلة الأولى لهذا العام، على الطالب أن ينتخب مجموعة من المشاريع (المباني) المعمارية الناضجة، والمصممة من قبل معماريين ذوي خبرة وتوجه واضح، ومن ثم تحليل تلك المشاريع شكلياً انطلاقاً من المعرفة المعمارية التي توفرها المصادر المعتمدة والتي تعمل على تحليل التكوين المعماري الى عناصر شكلية أولية ومن ثم علاقات تجمع تلك العناصر لتحقيق مبادئ تحقق وحدة التكوين الشكلي.
والمثير هنا هو حالة الارباك التي عاشها الطلبة ... فبين وفرة صور مشاريع زهاء حديد على شبكة الانترنت وشهرتها المحلية والعالمية وبين رفض الكادر التدريسي لدخول مشاريعها ضمن النظام التحليلي للطالب... وكانت تفسيرات الكادر التدريسي بأن مشاريع زهاء حديد أشبه بالمقطوعات الشعرية المبدعة وعلى طلبة المرحلة الاولى تعلم القراءة والكتابة أولاً ومن ثم التوجه نحو قراءة وكتابة الشعر في مراحل متقدمة أخرى.


عمل للطالب أمير أكرم - المرحلة الأولى

المشهد الخامس:
في البرنامج الكوميدي العراقي (ولاية بطيخ) كانت مهمة (زوج جنان) أختيار شخصية نسائية عراقية شهيرة ليضرب بها المثل، فعندما تقول جنان أن أختها تتفاءل بالولادة في بيتها يعترض هو قائلاً:
-       (مو أول طفلة جابتهة عدنة طلعت زهاء حديد) !!

المشهد السادس:
في مشاريع طلبة هندسة العمارة لمادة التصميم المعماري ولأغلب المراحل، أصبح الطلبة يتجهون بوضوح نحو إستخدام المعالم الشكلية التي إعتادت المعمارية الراحلة أستخدامها في مشاريعها حول العالم، وأصبح هنالك تسمية لذلك التوجه الشكلي وهي : أشكال زهائية أو زهائيات!


الحوار:
يصف المعمار الايطالي رينزو بيانو دوره كمصمم معماري رائد بقوله:
إن عمارة رينزو هي كيف أربط هذا بذاك ...
وفي وقتنا الحالي الممتلئ بالظواهر والمعارف والتجارب، يصبح أهم ما نقوم به هو ايجاد الروابط بين كل ما سبق، وفي المشاهد الستة الكثير من الدلالات الاجتماعية والمعمارية الواجب استكشافها وربطها:

يمثل سلوك الطالبة في المشهد الأول نقطة انطلاق علاقة طلبة العمارة بالمعمارية الراحلة، كان استخدام شبكة الانترنت لا يزال متوسطاً، وحتى ذلك العام 2007 كان الكثير من المشاريع المميزة للراحلة لم تنجز بعد، ولم تكن وسائل الاعلام العراقية وحتى العالمية قد تناولت المعمارية ومشاريعها بكثرة، لذا فان رد فعل الطالبة السلبي ناتج عن مقارنتها لسلوكها مع سلوك بعض طلبة في أختيار مشروع لم يطلع عليه الآخرين (مشروع خفي) والاستفادة من حلوله المعمارية ومن ثم نسب التصميم لأنفسهم، وهو سلوك مهني ودراسي مرفوض بالتأكيد في تلك الفترة.
يجب أن نمتن في المشهد الثاني لمن أضاف الحوار مع زهاء حديد لكتاب اللغة الانكليزية، والسؤال الأهم في الحوار والذي يفهم إجابته طلبة المرحلة الاعدادية أكثر من اجابات الاسئلة الاخرى هو:
-       هل يستطعن النساء العراقيات أن يكن ناجحات في مجال عملهن دائماً كالرجال؟
لنتخيل تأثير الإجابة على الشابات العراقيات بالتحديد:
-       نعم تستطيع كل أمرأة أن تكون ناجحة في مجالها إذا عملت بالجهد الكافي.
 لنجد أن النسبة الأكبر من المعدلات النهائية المرتفعة هي للطالبات على حساب الطلبة الذكور وبالتالي ارتفاع عددهن في المرحلة الأولى لاقسام الهندسة المعمارية في العراق.
فالحوار يحفز أحلام الطالبات في العمل والنجاح في سياق مجتمع يوفر الكثير من الفرص للرجال على حساب النساء ...



هل يذكرنا المشهد الثالث بملحمة عراقية؟
في طريق عودة كلكامش الى أوروك وقبل أن يجرب عشبة الخلود السحرية التي حصل عليها، كان يغتسل في النهر، فسرقت إحدى الأفاعي العشبة وتناولتها فرجع كلكامش الى المدينة خالي اليدين ... وعندما إقترب من أوروك شاهد السور العظيم الذي بناه حولها، ففكر في قرارة نفسه أن عملاً ضخماً كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد أسمه الى الأبد...



فهل هنالك أفضل من زهاء حديد ومنجزاتها كمثل معاصر لتلك الملحمة العراقية الشهيرة؟




في المشهد الرابع يتضح لنا ضرورة التعامل بوعي مع ظاهرة المعمارية الراحلة ومشاريعها، فليس من النافع تقديس تلك المشاريع واعتبارها قمّة ما نحلم بتحقيقه في بيئاتنا المحلية، فهي مشاريع نابعة من فكر معين وملائمة لأماكن معينة ولأغراض معينة أيضاً.
 في جميع الظواهر العالمية وفي شتى المواضيع يتوجب علينا سماع طرفي القضية أو الصراع، وفي مقابل التمجيد لمشاريع المعمارية الراحلة يتوجب علينا سماع أراء معماريي الأرض أو أصحاب الارض التي تشيد عليها تلك المشاريع ... يتحدث الدكتور هشام جريشة في كتابه (الابداع الانشائي .. إبداع منطقي) عن تصميم زهاء حديد لمشروع أرض المعارض في مصر:

-       لقد أبديت تحفظي على التصميم، فهو لا يتوافق مع البيئة المحيطة بالمشروع، إن المعماري النبيل هو من يراعي ثقافة المكان ويطورها ...



وفي المشهد الخامس يمكن رصد إنتقال المعمارية الراحلة ومشاريعها من فكر وذاكرة المختصين بالعمارة الى الفكر والذاكرة الشعبية فالبرنامج يمثل حديث الشارع وشخصياته الطبيعية، ولكن هذه الانتقالة لم تنفصل عن ظاهرة انسانية مؤسفة وهي زيادة شهرة الفرد المبدع بعد وفاته!
كان من الممكن القيام باستبيان في الشارع العراقي عن مدى معرفة العامة لزهاء حديد، مرة قبل وفاتها والأخرى بعد الوفاة .. وأعتقد أننا نعرف نتائج الاستبيان...

جميع ارتباطات المشاهد الخمسة تصب في المشهد السادس... مكانة زهاء حديد ومشاريعها لدى طلبة العمارة الحاليين، فمن مراقبة مشاريع تخرج طلبة المرحلة الخامسة وتصنيف المشاريع التي اعتمدت في تكويناتها على الاشكال هندسية المنتظمة كعناصر لخلق حلولها المعمارية والمشاريع التي اعتمدت الاشكال العضوية في خلق تلك الحلول المطلوبة ... وأعتقد أننا نعرف نتائج التصنيف أيضاً.
فقد أستقرت فكرة لدى الطلبة بأن انتاج مشاريع معاصرة والحصول على تقييمات مرتفعة لا يتحقق الا باستخدام الاشكال العضوية المقاربة للاشكال المستخدمة في مشاريع زهاء حديد.
هل هذه الفكرة مناسبة؟ وهل هنالك حاجة لتصحيحها؟

وأخيراً يمكن من دراسة المشاهد الستة تمييز تفاعلنا مع ظاهرة المعمارية الراحلة وكيفية الانتقال من بكاء الطالبة لوصف مشروعها متأثراً بزهاء حديد الى تأثر جميع الطلبة بمشاريع زهاء حديد. ويمكن أن نضع الخطط أيضاً لكيفية التعامل مع ظواهر معمارية قادمة.
رحم الله زهاء حديد واسكنها فسيح جناته ...
ولنتخيل زهاء حديد وهي تسكن الجنة كيف ستقضي الوقت هناك؟


















الجمعة، 26 مايو 2017

حرية مزيفة

هل هو نوع من أنواع الانتحار؟
أن تحشر نفسك وسط أكثر الأماكن زحمة في بغداد، تسير على أرصفة وشوارع زارتها المفخخات بكثرة، تلقي التحية على شرطي لا يكترث لمن يجتاز حاجر التفتيش الزائف...
 وكل ذلك لتبحث عن اللاشئ.

الحرية؟
من أشد الصراعات التي نعاني منها في حياتنا اليومية قضية عدم تكرار أخطاء الآخرين او عدم فعل ما لا نقبله من الآخرين، او بعبارة تقليدية : عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
صباح الجمعة وفي الاسواق القريبة من المنزل كانت مهمتي شراء نصف طبقة من البيض، ولأن بعضه غير نظيف أمضيت الوقت وأنا أجمع البيضات النظيفة من هنا وهناك، وإذا بسيدة كبيرة السن تعترض أمام جميع المتسوقين.
 لماذا أختار ما يحلو لي؟ يجب أن أشتري طبقة البيض بما فيها من مشاكل؟ إنني أرتكب فعل محرم بتركي البيض غير النظيف للآخرين!
ولأنها زبونة إعتيادية وليست صاحبة الاسواق ذو الاخلاق العالية ... أجبتها إجابة حادة لا عهد لي بها، حتى أنا نفسي تضايقت من إجابتي ...
في طريق العودة حاولت تفسير سبب إنفعالي ... هو ذلك التدخل السافر والمفاجئ في شؤوني الخاصة ومن شخص ليس لي به علاقة من قريب أو بعيد.
كنت مستمتعاً بالصباح وبأداء نادر لمتطلبات المنزل خلال أسابيع مليئة بالانشغال الدراسي، وإذا بشخص يريد أن يفرض رؤيته الشخصية على ما أقوم به.
لقد أعتذرت بعدها من صاحب الاسواق ... ولكن:
 عندما يشاهد إبن أختي ما يعجبهُ من مقاطع فيديو لمتحدثي يوتيوب من دول الخليج ... أعبر عن رأيي بصراحة عن عدم جدوى مشاهدة هذه المقاطع عديمة القيمة والفائدة، وضرورة أن يشاهد مقاطع أخرى مفيدة وهادفة ... فعندما كان يشاهد مقطعاً لتحدي اللهجات اجبرته على ايقاف المقطع وبحثت له عن مقطع من قنواتي المفضلة كبديل لاقناعه بتفاهة ما يشاهده.
وبعد بحث طويل اخترت مقطعاً لصاحبة ورشة فنية تشتري الدراجات الهوائية القديمة لتستخدم قطعها في تصميم اشكال مبتكرة من الدراجات ... لم يعجبه الأمر أبداً ... جاملني لبضعة دقائق ثم عاد الى أصدقائه المفضلين!

إذا كنت أفكر في مصلحته كونه طفل صغير قليل الخبرة فأنا في نظر السيدة الكبيرة طفل أيضاً ولا أعرف كيف أتصرف وفقاً لآداب الشراء.

إذا كنا ننزعج من محاولات الآخرين لتقليص فضاءات الحرية فهل نستطيع أيقاف أنفسنا من التضييق على حريات الآخرين؟

فضاءات الحرية؟
في نفس صباح تلك الجمعة شاهدت لأول مرة جارنا السيد المسؤول، سكن منذ عدة سنوات مع كرفان حراسه الشخصيين وسيارات الأجرة التي يمتلكونها ومولدته الكهربائية وموكبه المظلل الصباحي.
عندما شاهدته كان بحاجة الى شئ من أحد الحراس ... الملفت إنه كان يقف على الخط الفاصل بين الكراج والشارع ولم يستطع تجاوزه، كان مرتبكاً بإنتظار حارسه ليأخذ ما يحتاجه ويختفي بسرعة وراء الباب.
أي حياة هذه لا يستطيع الإنسان معها أن يخرج الى الشارع؟ أن يمشي بين الناس، يراقب البيوت والاشجار والحيوانات.
أسف ... يستطيع أن يفعل كل ذلك ولكن خارج العراق!

أما في العراق فالحرية هي أن تزور المنطقة من باب الشرجي الى باب المعظم صباح الجمعة ... لن يهتم أحد لمن تكون أو ماذا ترتدي أو ماذا تحمل، تستطيع أن تطلق لنفسك العنان.
تمشي في دروب قديمة قدم بغداد، تختلط بالناس والكتب والدراجات والحيوانات، تغرق في غرائب بائعي الملابس والسلع المستعملة، يعطس شخص على يدك، ولا تستطيع أن تلمس وجهك لأن جميع أوساخ الدنيا قد أنتقلت الى يديك!  
 تستطيع أن تذوب في عالم عجائبي أفراده أُناس فقراء ممن يتمتعون بهذه الحرية الزائفة بدلاً عن السفر الى خارج العراق.
الغريب أن البحث عن اللاشئ في هذا العالم قد يوصلك الى إيجاد أشياء عظيمة:
(puzzle) لنسخة مصغرة عن جدارية الحب في باريس، معلم معماري لم أسمع عنه أبداً من قبل، جدار كتبت عليه العبارة الشهيرة بكل لغات العالم.


 تقول (Rebecca Plotnick) المصورة الفوتوغرافية والمصممة للـ(puzzle):
إن أفضل طريقة لإستكشاف باريس هي الضياع في شوارعها...   
لا نستطيع قول الشئ نفسه عن بغداد ولكن على الأقل نحن بحاجة الى السير على الاقدام في شوارعها لإستكشاف ما تخفيه عنا... كمكتبة لبيع الكتب (يوزك الشيطان) لدخولها فتجد بعد بحث نسخة ورقية عن كتاب يعني لك الكثير : لورنا سنواتها مع جواد سليم.


وكتاب عملاق عن جميع تفصيلات جائزة الآغا خان للعمارة.

تشتريهما وبأي سعر يطلبه البائع...

وأخيراً يروي لنا جدي دائماً قصته عندما كان صغيراً وهو يعود الى بغداد بعد سفرة الى إحدى المحافظات ... في السيارة ذات الهيكل الخشبي مع أبيه سمع أنهم سيصلون قريباً الى بغداد، فقال بلهفة الطفل : (هييي حنوصل بغداد) ... فأجاب الشيخ الذي يجلس بجانبهم:
بغْدَادُ دَارٌ لِأَهْلِ الْمَالِ طَيِّبَةٌ ... وَلِلْمَفَالِيسِ دَارُ الضَّنْكِ وَالضِّيقِ

ظَلَلْتُ حَيْرَانَ أَمْشِي فِي أَزِقَّتِهَا ... كَأَنَّنِي مُصْحَفٌ فِي بَيْتِ زِنْدِيقِ








الأحد، 30 أبريل 2017

دعاء التسول الجامعي

دعاء التسول الجامعي

منذ سنوات طويلة وأنا لم أمنح دينار واحد لمتسولي الشوارع ... وقد كسرت القاعدة اليوم.

لم يخل العراق يوماً من المتسولين، وهم بوجودهم يمثلون إحدى مرايا المجتمع العراقي والتي تمكننا من النظر لظواهره الخفية والعلنية بوضوح أكثر.

وفي العراق أيضاً وفي بلدان أخرى، نؤمن بفكرة (الاصطباح) : كـــ(صبّحت بوجه فلان) مثلاً، وفكرة الاصطباح هي أول حدث صباحي جديد عن الروتين اليومي، كأن تستمع لصوت طائر، أو تلتقي بجيران معين عند الخروج من المنزل، أو أن تجري كل الأمور روتينية حتى يأتي الحدث الجديد خلال الفترة الصباحية وقد لا يأتي.
وإذا كانت الاحداث بعده ايجابية ومفرحة كانت الاصطباحة فأل خير وسعادة، وإن كانت الاحداث سلبية فالحدث سبب لها ولكل مآسي اليوم التعيس. بالتأكيد هي فكرة خرافية ليس لها مكان من العلم ولكنها قد تؤثر على الحالة النفسية فتغير نظرة الانسان تجاه الاحداث وليس الاحداث نفسها، لذا تسير أحداث اليوم برتابة حتى يأتي ذلك الحدث فيجذب الانتباه ويدفعنا للتفكير فيه وآثاره ومعانيه.

كان اليوم رتيباً حتى قابلتني المتسولة الصغيرة على الطريق الى الجامعة، طفلة بعمر أربع او خمس سنوات تقريباً، تمسكت بيدي بقوة لتمنعني من الحركة ولم تترك لي مجالاً لتجاهلها واكمال طريقي، وهي تطلب (250) دينار لا غير.
الغريب والملفت أن دعاء التسول من طلبة الجامعة تحول من : (ان شاء الله تنجح) الى (بداعة حبيبتك) ...

تتمحور إستراتيجية التسول، في وضع الاشخاص في موقف عاطفي استثنائي، كأن ينكسر قلب الانسان على مرض المتسول أو إعاقته، او أن يدعو له دعاء لتسهيل قضية مهمة جداً متعلقة بمكان التسول، فمن يتسول قريباً من مستشفى يدعو للناس بالصحة والعافية، ومن يتسول قريباً من مسجد يدعو للناس بحسن العاقبة ودخول الجنان، وقريباً من محكمة فيدعو لهم بتسهيل الأمر وحل المشاكل ... وبهذا المنطق فالدعاء القريب من المؤسسات التعليمية هو النجاح والتفوق بالتأكيد.


لا أريد المبالغة بالأمر، ولكن أن تصل رسالة من المجتمع الى الاب او الام المتسولة ومن ثم الى الطفلة المتسولة بأن الدعاء المناسب قريباً من الجامعة هو عن الحب والزواج فهنالك خلل في الصورة التي تعكسها الجامعة للمجتمع.
تجد صورة قريبة أيضاً عند سائقي التكسي وآخرين، فهم يحكمون على الأجواء الجامعية من مظهرها الخارجي، مظهر الطلبة وهم يخرجون من الحرم الجامعي فقط.

وليس الهدف هنا وضع حلول نظرية ونصائح لتغيير الصورة ... ولكن الأهم طرح أسئلة وتشكيل إجابات تفسر الواقع الذي نعيشه:

-       ما هي المظاهر التي يراها المتسول وصاحب التكسي فتجعله يطلق هذه الاحكام على مجتمع الجامعة وبيئته؟
-       وهل تلك المظاهر تعكس الواقع كما هو؟ أم هي تبعث رسالة مغلوطة للمتلقين خارج الجامعة؟
-       أم أن دعاء الطفلة خطة خبيثة لاحراج الطالب بكشف مشاعر ونوايا إنسانية طبيعية يعيشها أي إنسان وفي اي موقع مجتمعي مختلط؟

بالنسبة لي كان الموقف كوميدياً جداً، لقد جعلتي الطفلة أضحك من القلب بسبب غرابة السلوك والدعاء، ولأنه حدث صباحي غير روتيني قررت كسر قاعدة متسولي الشوارع.























الجمعة، 28 أبريل 2017

القلعة الترابية

القلعة الترابية

سألت مايكل:
-       ما أخبار الأرنب الأعور؟
-       لقد انتهت .. العملية الجديدة إسمها النملة سالي.
ضحكنا بعمق فشعرت بالراحة وعرضت عليهما شرب الشاي، فصفق مايكل مُرحباً بالفكرة وكذلك فعل اللبناني، أشار مايكل بإبهامه الى الخلف وسألني:
    - هل الثلاجة تعمل بشكل جيد؟
قلت:
-       منذ أن اشتراها أبي سنة 1963 وهي تعمل دون توقف، أنت تكرر هذا السؤال كثيراً، ما رأيك أن أعطيك إياها مقابل أن لا تعود مرة أخرى؟
ضحكوا بإنفعال، فاستعاد مايكل وقاره وقال:
-       الصناعة الأمريكية جيدة اليس كذلك؟
-       هذا صحيح .. لو أنكم اكتفيتم بصناعة الثلاجات والسيارات لكان العالم الآن بشكل مختلف!

لقائي برواية الأمريكان في بيتي  لنزار عبد الستار واحدة من الصدف الجميلة جداً، وهي تمثل أحدى المحاولات القليلة في توثيق الخطاب العراقي او وجهة النظر العراقية في ثنائية العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد ثنائية الشعب العراقي والجيش الأمريكي.



أنتجت السينما الامريكية الكثير من الأفلام عن الحرب على العراق عام 1990 وعام 2003 وآخر ما شاهدته فلم (SAND CASTLE) وهو من إنتاج شبكة (NETFLIX) الامريكية.
تظهر لنا عبارة (BASED ON THE TRUE EVENTS DURING THE IRAQ WAR)، لتزيد تقبّلنا وتفاعلنا مع الأحداث، والتي تدور حول جندي امريكي شاب يشارك في حرب 2003 للحصول على أجور الدراسة الجامعية، ويخوض مهمة عسكرية وإنسانية في مدينة بعقوبة لتتصاعد الحبكة حتى الحل النهائي.



الفلم يؤكد على رسم الصورة الانسانية للجندي الامريكي، وهي صورة موجهة للعالم أجمع من خلال 93 مليون مشترك بشبكة (NETFLIX) وببلدان مختلفة. ويؤكد على صورتين للشعب العراقي، صورة لمدير مدرسة يتحدث اللغة الانكليزية وأخيه مهندس الميكانيك الماهر واللذان يحرصان على استمرارية التعليم والحياة والأمل حتى لو كان بالتعاون مع الجيش الامريكي، والصورة الثانية لمعادي الجيش الامريكي والرافضين لأي تعاون حتى على حساب نوعية الحياة والخدمات لمجتمعهم المحلي.

الملفت في الفلم جداً وإختلافه عن غيره، هو موقع التصوير وهو ما ينعكس بالتالي على من يمثل شخصيات المجتمع العراقي أولاً وعمارة المدينة العراقية ومعالمها المعمارية ومدى تطابقها مع واقع المدن التي تحتوي الاحداث.
تم تصوير الفلم في الأردن وليس في المغرب كما في أغلب الافلام السابقة، لذا كانت اللغة العربية أوضح للممثلين ولكن بلهجة مختلفة عن اللهجة العراقية، ولأن الأحداث تدور في مدينة بعقوبة فالتضاريس في الاردن وطبيعة المباني قريبة نوعاً ما ومقنعة لتصوير البيئة الحقيقية، وقد لا يكون حكمي دقيقاً كوني لم أزر مدينة بعقوبة، ولكن كما قلت التضاريس قريبة من المناطق الشمالية لمدينة بغداد العاصمة.


قد تكون محصلة الفلم غير متعصبة للرؤية الأمريكية جداً وقد يكون السبب فكر ورؤية الشبكة الخاصة والاعتماد على نص وتجربة حقيقية، ولكن تبقى النظرة ناقصة دون تسويق رؤيتنا نحن العراقيين لتجربة التعامل مع الجيش الامريكي.

شخصياً لم ألتقِ أو أتعامل مع أمريكي أصلي، ولكني أعلم أن الكثير من المعماريين كانت لهم تجارب العمل المعماري مع الطرف الأمريكي أو تحت الإشراف الأمريكي في العراق، وعليهم تقع مسؤولية تدوين وتوثيق تجربتهم للأجيال القادمة.

هل الأمر آمن؟ وهل سنرى محاولات التوثيق قريباً؟
لا أعتقد ... لا أحد يريد الأعتراف طوعياً في هذه الفترة بالعمل مع الامريكان أو توثيق تجربته معهم ... ولكني أتمنى منهم بدأ التدوين حالياً للانتصار على النسيان ومن ثم النشر مستقبلاً بعد أن نصل الى مرحلة لا أحد يعلم تفاصيلها.

بعد نهاية الفترة الرئاسية لترامب، وبعد نهاية فترتين مثلاً، كيف سيكون الحال العراقي؟
لا أعلم ولكنني لا أرى حال بعيد جداً عما نحن فيه الآن.











الأحد، 23 أبريل 2017

اليوم العالمي للكتاب

                                    اليوم العالمي للكتاب

في مثل هذا اليوم من العام يجب عليّ أن أنسب الفضل لأهله فرداً فردا :

جدي علي رحمه الله ... الذي لم أره يوماً ولكنني أعلم إنه كان خياطاً ماهراً، مسالم جداً ومحب للحيونات .. قد يكون هو الأول في السلسلة  لاقتنائه المجلات العالمية والعربية نتيجة لطبيعة عمله فكانت متوفرة في البيت بكثرة دفعت الجميع لقرائتها.
والدي رحمه الله ... بعد رحيله مبكراً جداً كان ميراثه الكتب، أتذكر تلك الغرفة في الطابق الاول كانت مخصصة لخزن الاغراض ومنها عدة صناديق من الكتب ... قضيت في تلك الغرفة اوقات بعد ظهر أيام العطل الصيفية وعلى هواء المروحة السقفية فقط، عناوين وموضوعات متنوعة أتذكر حتى هذه اللحظة العديد من مواضيعها وحتى بعض جملها.
تروي لي أمي إنه كان يوفر المال لشراء كتاب معين معجب به، وتروي لي إنه كان يقرأ في مواصلات النقل العام وكنت أجد بطاقات (الأمانة) بين صفحات بعض الكتب، خسرت تلك الكتب للأسف نتيجة لظروف سابقة، ولكن تأثيراتها ستستمر حتى النهاية.
عمي سامي رحمه الله ... لمشاركته في ملئ تلك الصناديق بكتبه الخاصة.

أمي ... وهي صاحبة الدور الأكبر بالتأكيد، زرعت حب الكتب منذ البداية، لم تفوّت يوماً معرضاً للكتاب في معرض بغداد الدولي، كانت تصطحبنا لشراء قصص الاطفال والتي قرأناها أنا وأختي عشرات المرات، لم تبخل خلال فترة الحصار بمقدار كبير من المال لشراء (موسوعة المعرفة) وهي موسوعة مصورة تتضمن 21 جزء، كانت موسوعة عظيمة وقد خسرتها هي الاخرى ولظروف أخرى وهنالك أمل ضئيل الآن بإستعادها.
خالي عماد ... لتزويد سكان المنزل بعدد كبير من مجلة العربي الكويتية ومجلة المختار من ريدرز دايجست، والتي كان لها الاثر الأكبر بتعرفي على العالم والسبب ايضاً في اعجابي بالثقافة الأمريكية.
خالي عباس ... لاهدائه أول كتاب بمناسبة عيد ميلادي (بيليه: قصتي واللعبة الجميلة).
خالاتي ... لاقتنائهن عدد كبير من قصص أجاثا كريستي.  
صديقي خالد ... من زودني بعدد من الكتب في مرحلة الدراسة الاعدادية.

وساحاول إكمال سلسلة التأثير لمن بعدي من الأقارب والأصدقاء.

السلسلة السابقة التي ذكرتها تضعنا أمام قضية مهمة ناقشها الكثير من مفكري علم النفس والاجتماع: هل إخترت أنا الكتب أم تأثرت بطبيعة البيئة التي نشأت فيها؟
هو نقاش عن أثر الصفات الوراثية والصفات المكتسبة.
قد أمتلك تلك الصفة وراثياً حتى لو لم أجد الكتب حولي .. لا أعلم، وهذا ما حصل مع صفة حب الحيوانات، فلم يكن أحد من العائلة محب للحيوانات ولكنني حافظت على الصفة نقلاً عن جدي أو أبي ..

الأهم: لماذا نقرأ ؟ وهل للكتب فائدة ؟ وهل يختلف القارئ عن غيره ؟ وإن كانت يختلف فما هو الاختلاف ؟  أترك لكم الاجابة ...

ولكن ما اعرفه أن حب الكتب إن كان هدفاً للمجتمع، يجب أن يزرع منذ الطفولة ... لذا هي مسؤولية الآباء والأمهات بالنقش على الحجر، ولكن هل لهذا الكلام معنى في عصر الأنترنت والأجهزة اللوحية؟


نتفق أن محتوى الكتب الورقية والكتب الرقمية واحد والاختلاف في طريقة العرض والخصائص المادية فقط، ولكن ما الفرق بين نصوص الكتب بنوعيها والنصوص التي نقرأها على صفحات الفيسبوك وغيره؟

 إن كان لليوم العالمي للكتاب مراسيم وتقاليد، فيجب أن تكون بتقديم كتاب لطفل، طفل من العائلة أو طفل لصديق ... سأحاول تنفيذ هذه الفكرة غداً إن شاء الله وسأحاول الالتزام بها مستقبلاً، وعسى أن يتعطل جهازه اللوحي في أحد الأيام ليلتفت لذلك الكتاب وقد يكون ممتعاً فيزرع لديه حب الكتب.


وأخيراً تحية لكم ولخير جليس ...