الجمعة، 25 سبتمبر 2020

هجر التدوير في عماراتنا المحلية المعاصرة

 

هجر التدوير في عماراتنا المحلية المعاصرة


فكرت قبل خمس اعوام بـ(محاكاة منهج المعمار رفعة الجادرجي بمعطيات العمارة المعاصرة). وكان تطبيق المحاكاة من قبل طلبة المرحلة الاولى لمشروعهم الختامي للعام الدراسي2015-2016.

دونت تفاصيل الفكرة وآليات التطبيق والتحديات التي واجهتها، حيث يمكن العودة لجميع ذلك هنا على المدونة بتأريخ شهر يوليو من عام 2016.

ما يخصنا من تلك الذكرى اليوم هو تشخيصي حينها للتوجه السائد في العمارة المعاصرة، حيث كتبت:

" التوجه السائد في العمارة المعاصرة، والذي نتعرض لنماذجه من خلال البحث والتصفح على شبكة الأنترنت. تمتلك نماذج ذلك التوجه الكثير من العناصر والعلاقات والمبادئ الموحدة ولكن من غير تسميته بتسمية واضحة أو التنظير له معمارياً، هو أقرب للـ(مودة) في العمارة وأسميته مبدئياً: (عمارة السطوح الحرة) وذلك نتيجة لـ:

·        تفكيك الكتل الى سطوحها المتعددة.

·        إستخدام سطوح متداخلة ومتراكبة.

·        التركيز على المفاصل بين السطوح والكتل.

·        الإهتمام بتنوع مواد الإنهاء.

·        وأخيراً الإعتماد على زوايا متعامدة فقط دون درجات زاوية أخرى."

وارفق لكم التكوينات التي كنت اتحدث عنها تحديداً في ذلك الوقت.




هل تذكركم بتكوينات معينة؟

قد تكون هي البدايات لما نشهده من توجه معماري شبابي في عمارة المساكن غالبا كمشاريع بمقياس ممكن التحقيق في سوق العمارة المحلي. نشاهده على صفحات المعماريين على الشبكة وبدأنا نشاهده متحققاً في الواقع العراقي ايضاً.

اذكركم هنا بالفقرة الاخيرة من تحليلي السابق "وأخيراً الإعتماد على زوايا متعامدة فقط دون درجات زاوية أخرى"، فلا يعتمد توجه (السطوح الحرة) على تدوير (Rotate) بعض عناصر التكوين، وهو ما كان سائداً فيما قبل.

سأحكي لكم حكايتي مع التدوير:

كان احد تمارين مرحلتي الاولى في العمارة يتضمن تصميم شبكة ثلاثية الابعاد مفرّغة تضم بين فضاءاتها الداخلية مجسمات وشرائط منحنية، وكان من بينها كما اتذكر بضبابية حالياً مخروط مستقر على قاعدته الدائرية، وعندما شاهد احد طلبة المرحلة الثانية التكوين نصحني ان اقلب المخروط على طرفه المدبب وان اجعله مائلاً بزاوية تختلف عن زوايا الشبكة المتعامدة.

 وقد آتت النصيحة ثمارها.

مع تعرفنا على نتاجات طلبة المراحل الاكبر والحديث معهم تعرفنا على التفكيكية. وسمعنا معها بالراحلة زهاء حديد لاول مرة كواحدة من سبع معماريين تم عرض اعمالهم عام 1988 في معرض MoMA في نيويورك تحت اسم العمارة التفكيكية.

لقد كانت التفكيكية (المودة) الطلابية الرائجة حينها، ولا استطيع الحديث عن بدايات تلك المودة في قسمنا لعدم دقة المعلومات التي امتلكها.  

بعدها وبالعطلة الصيفية بدأت القراءة عن التفكيكية، كان الانترنت متوفراً بشكل نادر والخيار الاسهل هو القراءة الورقية متمثلة بالحصول على نسخة من رسالة الماجستير (التفكيكية في العمارة) لراستي عمر الخفاف والمنجزة عام 1996.



تخطيطي اثناء القراءة - عام 2002

                                             تخطيطات لقراءة التحولات الشكلية لبيتر آيزنمان- عام 2002

نقرأ سريعاً تحت عنوان المميزات الشكلية للعمارة التفكيكية "امتازت الاعمال التي عرضت في المعرض بتوجهاتها الشكلية المتنوعة: شبكات تخطيطية محطمة، جسور متقاطعة، اشكال متناقضة ظاهرياً، جسور طائرة، مخططات مربكة ومحاور دورانية". نعم محاور دورانية، "فلم يكن هنالك محور واحد او تدرج في الاشكال، ولكن مجموعة من المحاور والاشكال المتنافسة".

واخيراً جميعنا نحفظ باعجاب قول زهاء حديد:


لا اتذكر بعدها قد صممت تكويناً من دون تدوير احد عناصره او كتله، وكان هذا حال زملائي ايضاً، ولا استطيع ان اتذكر بدقّة ان كان ذلك بتوجيه ونقد الاساتذة ايضاً ام بسبب مودة التفكيك السائدة فقط.

انا افترض ان تلك المودة الاكاديمية قد انتقلت الى مهنة العمارة وعمارة المساكن في المدينة، لنبدأ برؤية توجه واضح يعتمد تدوير احد كتل التكوين الرئيسة. وقد نراه لدى بعض المعماريين حتى الان ولكننا نعتبره قديماً ومستهلكاً.


الجديد حالياً هو توجه السطوح الحرة الخالي من التدوير والمعتمد على نقاط قوة اخرى قد يكون ابرزها الاهتمام بالنسب واظهارها جلياً في التكوين.

ماذا اريد ان اقول؟

نستطيع ان نفترض سيناريو لتوجهات عمارة السكن المحلية وتبدلاتها:

 يبدأ السيناريو بظهور توجه عالمي معين، ثم فيض من صور تجسيدات ذلك التوجه على شبكة الانترنت، ثم تأثر طلبة العمارة الشباب به، ليبدأ بفرض نفسه على نتاجاتهم الاكاديمية، لا يستطيع الاساتذة غالباً الوقوف امامه او ليس لديهم السبب او الرغبة لمنعه. فيبدأ ذلك التوجه بالظهور في اعمال الطلبة المهنية قبل التخرج او بعد التخرج، فيتم تطويع التوجه مع متطلبات البيئة المحلية من حيث مساحات البناء او المتطلبات الاجتماعية (كما في متطلب السلم الخارجي وكيفية التعامل معه)، ثم يبدأ اصحاب الحظ من اولئك الشباب بتنفيذ تصاميمهم، وتنتشر في المدينة، ليبدأ اخيرأ الطارئين على التصميم من المشاهدين لتلك المشاريع او المشتغلين بتنفيذها، بنقل معالم ذلك التوجه ومسخه الى توجه قردي خاسئ.

تنتهي هذه الدورة لتبدأ دورة اخرى بعدها ودورات مستمرة.

من يريد ان يثور على واقع عمارة السكن ويمتلك مقومات نجاح الثورة عليه ان يلتقط هذه الحلقات وان يقرر على اي منها يسلط تاثيره فيكسر الحلقة ويفصل السلسلة ليبدأ ببناء سلسلة جديدة تتلائم مع افكار واهداف ثورته المجيدة.

وافكر اخيراً، هل يستطيع اساتذة العمارة صرف نظر الشباب عن التأثر بالتوجهات المعمارية العالمية وبناء توجه محلي اصيل نابع من متطلبات البيئة؟

 ما هي معالم هذا التوجه المحلي؟ ولماذا نحاول الانفصال عن العالم؟ لماذا لا نحاول التأسيس علمياً لتلك التوجهات العالمية بدراستها وفهمها وتطويعها محلياً؟

قد تكون ذات الاسئلة التي فكر بها الراحل محمد مكية والمئات بعده.

يتردد صوت في رأسي ينادي:

المجد للشبكة ... المجد للشبكة ...  






الجمعة، 28 أغسطس 2020

الله من وراء النقد

 

الله من وراء النقد


لنتخيل اننا نستطيع حساب عدد المرات التي يقول بها طالب العمارة كلمة (نقد) خلال مراحله الدراسية الخمسة.       

ولنتخيل اننا نمتلك جهازاً يستطيع قياس وتصنيف انواع المشاعر التي يختبرها طالب العمارة قبل واثناء وبعد النقد!

ثم ينتهي كل ذلك مع نيل شهادة التخرج.

ولكن هل تنتفي بعدها حاجته للنقد؟

يبدأ العمل في الاظهار والتصميم والتنفيذ المعماري ويعرض ما ينجزه على عارضات شبكة الانترنت المتنوعة. فيسبوك، انستكَرام، تويتر وغيرهم الكثير، وهناك تحديداً اصبح للنقد المعماري امزجة او اجواء خاصة.

يعرّف النقد في اللغة العربية بانه تمييز الدراهم واخراج الزائف منها، وفحص الشيء وكشف عيوبه. اما معناه الاصطلاحي المستخدم في الآداب والفنون فهو ادراك النتاج (ادبي، فني، معماري) وكشف مواطن الجودة والضعف فيه.

لكننا في الاستخدام اليومي الشائع قد نميل الى حرفية اللغة العربية ونقيّد مفهوم (النقد) بكشف العيوب ومواطن الضعف غالباً وتهميش الاشارة الى مواطن الابداع والقوّة المتفردة.

وسأكتفي حالياً بالتعريف لانني لست بصدد الكتابة عن مفهوم النقد تفصيلياً (وهذا ما توفره مصادر ومواقع الكترونية متعددة) بقدر مناقشة (الاعتراف بالنقد والناقد محلياً).

في اجواء فيسبوك واخواته نحن امام موقفين:

-موقف المنتج: ليس الهدف الاساس من عرضنا لنتاجاتنا على الآخرين هو للحصول على النقد منهم. وانما نبحث عن نيل الاستحسان بالدرجة الاولى. نستعرض ما نبذل من جهد ونريده ان يعجب المتلقين.

-موقف المتلقي: جميع مشاهدين النتاج لهم امكانية توجيه النقد. وبسبب استيعاب تلك المواقع لجميع المستويات الثقافية والفكرية فقد اختلط النقد الايجابي المدروس بالنقد السلبي الساذج (وهو الغالب).

لذا اصبح المنتج في موقف دفاعي من النقد بصورة عامة وتشكّلت قناعة شائعة ان الهجوم النقدي هو دليل على النجاح وان الجميع تقتلهم الغيرة ويحاولون التقليل من قيمة العمل او النتاج.

كيف نستطيع التأسيس للاعتراف بالنقد والناقد؟

المشكلة الاولى عدم وجود مؤسسة معمارية اكاديمية رسمية تعطي (شهادة) للناقد لممارسة النقد. وتكون هذه الشهادة الخطوة الاولى للاعتراف به وتعتمد الخطوات اللاحقة على امكانياته النقدية.

ابلغني الصديق احمد جبار ان قسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة جامعة البصرة يحتوي على فرع (الادب والنقد) ولا اعرف ان كان موجوداً في جامعة بغداد لعدم الاشارة اليه في موقعهم الالكتروني.

هل من الممكن ان تذهب اقسام العمارة الي تأسيس فرع للنقد المعماري؟ لا اعلم.

نحن بحاجة الى التمييز بين المؤهلات التي يجب ان يمتلكها الفرد ليصبح ناقداً معمارياً وبين ما يجب ان يلتزم به عند فعل النقد.

 فننتقل الى سؤال: اذا لم يكتسب الناقد المعماري صفته من مؤسسة فكيف سيكتسبها اذن؟

كانت نتائج الاستبيان (شبه العلمي) ان عليه ان يكون ذو ادراك ودراية بتاريخ ونظريات العمارة. كيف بدأت العمارة وكيف تطورت وماهو نمط تطورها والكثير من المعارف الخاصة بالانسان وحاجاته وترجماتها المادية باختلاف الزمان والمكان.

ثم ان عليه ان يكون خبيراً بالتصميم المعماري عارفاً بتفاصيل تحويله من المخططات الى هيئة واقعية بكل عناصرها وتحدياتها المادية والبشرية.

وان ينال شهادة اكاديمية عليا في العمارة (لاغراض القبول والتقدير الاجتماعي).



ثم نفكّر بعدها لماذا يقوم معمار بفعل النقد؟

ماهو الهدف الداخلي او الدافع او (النيّة) من وراء النقد؟

هل يكسب المال من كتابة المقالات النقدية او اللقاءات التلفزيونية او بانشاء قناة على يوتيوب؟

في سياقنا المحلي فان ذلك المكسب بسيط جداً وقد لا يستحق الوقت الذي تلزمه دراسة المشاريع وتحليلها وكتابة او تسجيل النص النقدي.

اذن هو اما ان يكون حريصاً على انتاج عمارة جميلة ملائمة (باختلاف ترجمة ملائمة) او ان يكون حاقداً على المعماريين الآخرين، مهووساً بالتقليل من قيمة الاعمال الناجحة، محباً لجذب الانتباه باراءه الصادمة والجارحة.

فيصبح تحدي الناقد هو اقناع الآخرين بصفاء نيّته حتى ان كان هو على يقين بانها صافية. اي كيف يشيع احساس حرصه على انتاج عمارة ملائمة بين فئة المعماريين (المنقودين)؟

واحدة من طرق الاقناع هو انتفاء تعارض المصلحة بين الناقد والمنقود.

فان كان الناقد يمتلك مكتباً عاملاً للتصميم المعماري ثم يقوم بكتابة مقالاً نقدياً عن تصميم منزل لمعمار آخر يعمل في نفس الزمان والمكان، لاصبح هنالك شكاً في ما دفعه لكتابة النقد حتى ان كان نصه علمياً مقنعاً، وذلك الشك لدى فرد المنقود على الاقل.

كيف سنوافق اذن بين الخبرة في التصميم والتنفيذ وبين انتفاء تعارض المصلحة؟

هل يفضل ان يكون الناقد معماراً شيخاً متقاعداً عن العمل بعد تجربة معمارية عظيمة وناجحة؟

واذا كان الناقد شيخاً فكيف سيتخلص من شبهة صراع الاجيال؟

انه يتوجه بالنقد للثقافات المعاصرة التي تبتعد كثيراً عما قبلها من ثقافة نشأ ومارس تجربته فيها. فثقافات اليوم تميل للشعبية مرة مقابل الرصينة السابقة. وتميل للتكنولوجيا المعقدة مرة ثانية مقابل البساطة السابقة. وهذا الموقف هو الذي جعل النقاد يهاجمون الكثير من النتاجات حين صدورها لتنجح بعدها وتصبح عالمياً الانتشار.

هل هو التحدي المستحيل؟ ان يكون الناقد محبوباً.

افكّر بحل عراقي، هو ان يجلس الناقد على مكتبه ويستقبل من يريد النقد طوعاً فقط. وهو حل لا يحقق اهداف النقد التفسيرية والتقويمية والارشادية.

او ان يقوم بنقد عمائر الراحلين من المعماريين ويرحل معهم بعد حين.





 

الأربعاء، 19 أغسطس 2020

متى يعوي النتاج المعماري؟

 

متى يعوي النتاج المعماري؟

 

يكتب David Mikcs عن Antonin Artaud الشاعر والممثل والمخرج المسرحي السريالي:

"عرض آرتو بدنه العاوي الى جمهور على استعداد لتذوق مسرحياته الطليعية ونوبات هيجانه على المسرح"

ولا اعتقد ان أي قارئ عراقي يستطيع ان يمنع ذهنه من التفكير بصفة (عاوي) العاميّة!

لنصبح في موقف يستدعي معرفة صفة ذلك البدن فيوصف من قبل Mikcs بالعاوي، وماذا نقصد نحن كعراقيين عندما نصف شئ او نتاج معماري (وهذا ما يهمنا) بانه عاوي ايضاً.

لن اطيل عليكم بالسيرة الذاتية لانطونين آرتو المتوفرة في وكيبيديا ومواقع اخرى، وما يهمنا هو انه مؤسس (مسرح القسوة).

يخبرنا عباس الماجد ان "المقصود بالقسوة ليست تلك القسوة الجسدية بما يمتلكه الإنسان من سادية بل هي عبارة عن أسلوب مسرحي يعتمد على مبدأ نسف النص وتحطيمه باستخدام العنف والصور الصادمة التي تناشد العواطف. وكانت الحركات الجسدية (الطقسية) عنصراً أساسياً وفي أغلب الأحيان حلّت محل النص التقليدي والبعض أدى العرض المسرحي بالكامل من خلال (الإيماءات) إذ كانت تُرى في تعبيرات الوجه وحركة الجسد".

اي ان الصراخ وتلوّي الجسد والذي خلق صوراً عنيفة او مزعجة في بعض الاحيان قد حل محل الكلمات في تجسيد افكار ومواقف المسرحيات المعروضة.

لذا يصبح الجسد ذو سلوك حيواني مشابه لعواء الذئب او الكلب. والهدف هو التعبير عن ذات الممثل او المؤلف بطريقة وحشية صادمة.


ثم نفكر، ماذا لو كان المنتج المعماري جسداً في مسرحية المدينة؟

فنتذكر (العمارة الوحشية)، (Brutalism) !

واقول مرة اخرى: لن اطيل عليكم بزمن ظهورها وروادها فيمكن معرفة جميع ذلك بسهولة.

ولكن لابد من اقتباس سبب تسميتها الذي اشتق من المصطلح الفرنسي (beton brut) ويعني الخرسانة الخام والتي استخدمت في البناء والتعمير بكثرة بعد الحرب العالمية الثانية. وسميت بــ(الوحشية) لان المعماريين الانكليز استخدموا مقطع (brut) فقط من المصطلح والذي يعني متوحش، لتتم تسمية الحركة بـ (Brutalism).

يقول الناقد المعماري Reynar Banham:

"هي حركة معمارية تهدف الى جعل فكرة ومفهوم البناء بكامله بسيطة ومفهومة دون الغاز او رومانتيكية، ولا غموض حول وظيفتها".

كانت مبانيها ذات مقياس نصبي ضخم جداً وكتل هندسية منتظمة ومتداخلة بشكل متوازن وذات هياكل انشائية كونكريتية مكشوفة للخارج والتي تشكل اغلب الكتلة المعمارية مع تعامل غير تقليدي مع اشكال ومواقع فتحات الشبابيك.

اذن فالوحشية ليست مفارقة لغوية بين الفرنسية والانكليزية فقط وانما هي صفة لمبانيها المتعددة.

هل يمكن ان نقول انها عمائر تعوي للتعبير عن وظيفتها او تكوينها المعماري او هيكلها الانشائي؟





 فالعواء اذن هو صفة الجسد او التكوين المعماري الذي تعبر هيئته وحركاته البشرية او المعمارية عن افكاره وذاته بطريقة قاسية وحادّة تكسر بقوة النمط المألوف للتمثيل او عمائر المدينة.


ماذا عن العواء العراقي؟

العاوي باللغة العربية هو فاعل العواء، اي الذئب او الكلب او من يسمى صوته عواء ايضاً. ونستطيع ان نتفق منذ البداية ان (العاوي) صفة سلبية تحديداً وليست متعددة الاستخدام. ولعل تلك السلبية تأتي من نظرتنا الدونية للحيوانات والكلب خاصة (لان بيئتنا اليومية تخلو من الذئاب). وتعطينا الامثال الشعبية صورة سريعة عن نظرة المجتمع تجاه الكلب فهم قد "وضعوا ذيله في القصبة اربعين يوماً ولم يعتدل" و "هو يعض اليد التي تمتد له" و"ينبح والقافلة تسير" واذا كان لدينا حاجة عنده فنناديه حجي (جليب) ونستخدمه بفخر للشتيمة.

ومن اجراء استبيان شبه علمي لتحديد الصفة الاوضح للشخص او الشئ او النتاج المعماري الذي نصفه بالعاوي، كانت النتائج تشير الى كونه:

-       ساذج، اي بسيط جداً حد الضعف وليس البساطة المدروسة التي تعبّر عن القوة.

-       غير نافع فهو لا يؤدي الوظيفة التي وجد من اجلها.

-       وقبيح ومزيّف ايضاً ومعاني أخرى.


واقتبس للمعمار ابراهيم باسم قوله عن العواء: "كون الشكل يصرخ ويتألم من قباحته".

اي ان العواء او الصراخ هو واضح للمستمع حد الازعاج، وكذلك النتاج او التكوين المعماري العاوي هو واضح السذاجة وغير المنفعة والقبح للمشاهد.

ما ينتج عن البحث العالمي والمحلي عن صفة العواء ان الطرفين يشتركون بوضوح وقسوة التعبير ويفترقون في نوع التعبير ذاته، فهو قد يكون ايجابي او سلبي في مسرح القسوة والعمارة الوحشية. ولكنه سلبي فقط  في استخدامنا المحلي.

قد يرى البعض ان هذا الجهد المعرفي او البحثي عديم الجدوى. ما الفائدة من معرفة صفة النتاج العاوي فهو عاوي؟

انا اقول ان الهدف هو ان نكتسب المرونة في احكامنا ورؤيتنا للعالم وثقافتنا.

في يومِ ما قد نقول لطالب عمارة او معمار ان نتاجك (عاوي) ونقصد بذلك انه واضح وشديد التعبير عن فكرته حد القسوة.

اللهم اني قد بلّغت ... اللهم فاشهد ...






الأربعاء، 29 يوليو 2020

ماذا يقدّم المعمار، خدمة ام منتج ؟


ماذا يقدّم المعمار، خدمة ام منتج ؟


اتذكر دائماً صرخة للروائي علاء الاسواني في روايته عمارة يعقوبيان:

"احنا في زمن المسخ"

وبدلاً عنها نفكّر:

"احنا في زمن التسويق"

 

ليس اختصاص او علم التسويق بجديد، فهو قديم قدم الثورة الصناعية وما قبلها، ولكن الجديد هو المنصات الاجتماعية على شبكة الانترنت وكونها اصبحت تمثل الساحة المثالية للتنافس على تسويق ما يريد الجميع بيعه.

نقرأ من ادبيات التسويق المعاصر عن الفرق بين البائعين، فهنالك من يقدّم خدمة وهنالك من يقدّم منتج. ولكل منهما فن او قواعد لتسويقه للمشترين.

ونحن كمعماريين في وسط هذا التنافس المحموم يفترض علينا ان نعرف اولاً هل ان ما نقدمه للمجتمع هو خدمة ام منتج؟ لنعرف بعدها كيف نقوم بتسويق ما نقوم به.

ماهو الفرق اولاً بين الخدمة والمنتج؟

لنبدأ بالمنتج: هو السلعة الملموسة التي يمكن وضعها على رفوف وعارضات المتاجر المتنوعة ومن الممكن تجريبها والتفاعل معها قبل الشراء وبعد الشراء مباشرة. والامثلة كثيرة جداً ومن حياتنا اليومية، المواد الغذائية، الملابس، الاجهزة الالكترونية والكهربائية والسيارات وغيرها.

اما الخدمة: فهي السلعة غير الملموسة، او العمليات التي يتم اجراءها للحصول على القيمة المضافة. والامثلة  عليها خدمات توفير المعلومات، خدمات الادارة المالية، خدمات الرعاية الصحية، الخدمات التعليمية وغيرها ايضاً الكثير.


لننتقل سريعاً الى مهنة العمارة، ياتي المستفيد الى شركات او مكاتب العمارة، وهو يريد بيتاً يلبي حاجاته ومعبراً عن شخصيته، هو يمتلك قطعة ارض محددة، فيجلس مع المعمار ليخبره بما يريده من فضاءات وما يفكر به من تفضيلات على مستوى صفات تلك الفضاءات والعلاقات بينها وشكل تكوينها. اما المعمار فعليه فهم المستفيد ويعدهُ بما يمكن تحقيقه عن طريق خبرته وامكاناته المعمارية.

حتى تلك اللحظة لم يرى المستفيد شيئاً بعينه، وقد يكون عليه ان يدفع جزءاً من الاجور مقدماً للمعمار.

بعدها يبدأ المعمار بتحويل معطيات الحوار مع المستفيد الى مخططات هندسية تصف البيت من الداخل والخارج. هنا يستطيع المستفيد ان يرى التصميم بعينيه وخياله فقط دون امكانية معرفة كيف ستكون تجربة العيش فيه. وعليه بالتاكيد ان يدفع جزءاً آخر من اجور التصميم.

يطالب المستفيد ببعض التعديلات لتنتهي العملية التصميمية باعداد المخططات النهائية والمعروضة على شاشات الاجهزة او على الورق، ويدفع المستفيد جميع ماعليه من اجور التصميم.

اذن ان العملية التصميمية هي خدمة لايمكن للمستفيد ان يلمس ويجرّب نتاجها بجميع حواسه. حتى مع صناعة المجسمات او تجربة الواقع الافتراضي او المعزز. وان نتاج هذه الخدمة يعتمد على تفضيلات ذلك المستفيد بالذات دون غيره من مئات او الاف  الافراد في المجتمع.

بعد مشاركة الكوادر الهندسية الاخرى والكوادر التنفيذية تتحول المخططات الهندسية الى بيت مادي ملموس يجّرب المستفيد العيش فيه ويكتشف الراحة او عدم الراحة في فضاءاته.

هل تحول البيت في ذلك الوقت الى منتج؟

تحول الى حالة ملموسة بالتأكيد ولكنها لا تطابق التعريف الاصطلاحي للمنتج بكونه جاهزاً امام المشتري فهو لا ينفصل عن الخدمة التي سبقته وهو نكرر مرة اخرى يلائم تفضيلات ذلك المستفيد بالذات دون غيره.

والآن نفكّر ماذا لو اراد ذلك المستفيد بيع البيت لسبب معين؟ ويبدأ الراغبين بالشراء زيارته والحركة داخل فضاءاته.

نعم لقد تحول البيت الان الى منتج. ولكنه منفصل عن المعمار واصبح مرتباطاً بسمسار العقارات.


فتصبح المعادلة:

ان المعمار يقدّم (خدمة) تصميمية فتحول الكوادر الهندسي نتائجها الى حالة مادية ملموسة (وهي لا تعتبر منتجاً مطابقاً للتعريف الاصطلاحي) ثم يأتي سمسار العقارات فيحول تلك الحالة المادية الى منتج عقاري صريح.


ولكننا نفكّر بحالة: ماذا لو زار المستفيد تصميم سابق منفذ للمعمار؟ شاهده من الخارج، تجول داخل فضاءاته قبل ان يجلس للاتفاق معه؟ هل سيقدّم المعمار في هذه الحالة منتجاً؟

وكأن المستفيد لمس وجرّب نتيجة العملية التصميمية قبل البدأ بها.

نقول: لو انه يمتلك نفس مساحة وابعاد قطعة الارض وطلب تماماً نفس التصميم فسيقدّم المعمار منتجاً، وهو بالواقع لن يقوم بالعملية التصميمية حتى. اما اي تعديل بالتصميم فهو سيحيلنا الى الحالة السابقة وبنسب متفاوتة بالتأكيد.

لابد ان نتذكر هنا ايضاً قضية المخططات الجاهزة والتي غالباً ما يبتعد المعمار عنها تاركاً اياها لمن يحاول انتهاك المهنة.


ثم نقول اخيراً ان هنالك زاوية اخرى للقضية عندما يشارك المعمار في عمليات التطوير العقاري. وهذا ما ساناقشه مستقبلاً ان شاء الله.   


والآن في خضم هذه التداخلات بين تقديم الخدمة او المنتج في مهنة العمارة ماذا سنسمي ذلك المستفيد؟ هل هو عميل ام زبون؟

انا افكر بتسميات جديدة تعبر عن الحالة، قد تكون (الزبيل) او (العمون) !








الأحد، 26 يوليو 2020

لماذا يتحمل استاذ العمارة ذنوبها؟



لماذا يتحمل استاذ العمارة ذنوبها؟

(يفضّل الاطلاع اولاً على النص السابق: الحرية ومسؤوليتها في التصميم المعماري)

يفسّر الدكتور خالد السلطاني في كتابه عمارة ومعماريون عدم امكانية الركون لجواب شافٍ وافٍ عن مفهوم العمارة لكونها ظاهرة ناتجة عن امتزاج العلم والفن.
 يقول: "انها تجمع ما يتعذر مبدئياً جمعه، فمن يقينية العلم وماديته الى آفاق التصور الرحبة المتخمة بها المخيلة الانسانية، تتجول العمارة ضمن هذا المدى خالقة بذلك نتاجها وامثلتها".
هل هذه تصريحات جديدة وصادمة؟
كلا بالتأكيد فنحن منذ اليوم الاول لدراسة العمارة نكرر: انها مزيج من العلم والفن.
فما هو العلم وماهو الفن ابتداءً؟
اولاً نقول كما قلنا عن مفهوم الحرية سابقاً: ان كلا المفهومين من السعة ما يتطلبه كتب ودراسات يصعب احصاء عددها.
 هل نستسلم؟ ولا نناقش هذا المزيج باختصار.
كلا، بل نختار تعريفاً مناسباً نبني عليه نقاشنا، ولا اشكال ابداً اذا اكتشفنا بعدها ان ذلك التعريف بحاجة للحذف او الاضافة.

نقول: ان العلم مجموعة من القواعد والمبادئ والتي من خلالها يتم شرح الظواهر المتنوعة والعلاقات القائمة بينها، فينتج عن تلك القواعد والمبادئ نسق من المعارف المتراكمة والتي يضاف اليها باستمرار بالاعتماد على الحقائق والادلة المختبرة لا على المعتقدات والرغبات الذاتية.

اما الفن فمجموعة من الوسائل التي يستخدمها الفرد لاثارة المشاعر والعواطف، بالتعبير عن افكاره وتوظيف خياله وابداعه، فينتج عن تلك الوسائل عمل جمالي يثير المشاعر في المشاهدين.

وهنا اذكركم مرة اخرى بثنائية (الذات-الموضوع). ذات المصمم، والظروف الموضوعية المفروضة عليه.
وكما هو واضح من التعاريف السابقة، فأن مساحة حرية الذات تتجلى في جزء الفن من العمارة والمسؤول قطعاً عن انتاج الجمال فيها، والظروف الموضوعية تتجلى في جزء العلم من العمارة باختلاف العلوم الفرعية التي يتألف منها.

تبدأ قصتنا اليوم عندما يقوم طالب العمارة او المعمار بفعل التصميم ومحاولة الموازنة بين ذاته وموضوع المشروع الذي يعمل عليه، لتأتي بعدها مرحلة التقييم.
استاذ العمارة يقيّم تصميم الطالب ويمنحه الدرجة التي يستحقها.
العميل يقيّم تصميم المعمار ويمنحه الاجور التي يستحقها.
واذا كانت (الذات) حاضرة في فعل التصميم ونتاجه المعماري فهل هي حاضرة ايضاً في فعل التقييم؟

المشهد الثاني: (نعم الثاني وليس خطأً طباعياً)
ما يميز مهنة العمارة ويزيد من اسباب تعقيدها هو الكلفة العالية لنتاجها، فالعميل عليه ان يدفع مبالغ طائلة لتصميم وتنفيذ دار له، وهو غالبا اصغر المشاريع المعمارية. فكيف الحال بكلفة انماط المباني الاكبر مقياساً؟ في مقابل ذلك البذل من العميل فهو وقد نكون نحن ايضاً على قناعة بان يحصل بالمقابل على نتاج معماري يحقق الوظيفة والمتانة اولاً ويحرك مشاعره ويعبر عن ذكرياته وعواطفه وافكاره ثانياً.
فالعميل يدفع اموالاً طائلة ومن حقه ان يلائم التصميم ذاته المتفردة وتفضيلاتها.
هل هو موقف سهل للمعمار؟ ان يحقق تصميماً ملائماً لذات العميل؟
قبل الاجابة بنعم او لا نفكّر، انه موقف صراع بين ذات المعمار وذات العميل.
ولعل ذلك واحد من اصعب المواقف في ممارسة مهنة العمارة.
يعمل المعمار على مشروع معين ويبذل فيه اقصى الجهد الفكري في صياغة الفكرة التصميمية ويتبعه جهد تصميمي في خلق الجمال مع متطلبات الوظيفة والانشاء بالتاكيد. وبعد دقائق من عرض المشروع على العميل يصاب المعمار بخيبة امل لا توصف، لم يعجب التصميم العميل! فهو لا يجد قيمة للفكرة التصميمية ولا يرى التكوين جميلاً لاسباب معينة تخصه.

وباختلاف ذات عميل لمشروع عن ذات عميل لمشروع اخر يعمل عليه المعمار، وهو خلال مسيرته يعمل على عشرات او مئات المشاريع فهو في مأزق شديد ما لم يكتسب مهارات مهمة:
-       كيف يقرأ المعمار ذات العميل قبل البدأ بالتصميم ويعرف خلفياتها البيئية والثقافية وتفضيلاتها الجمالية واحلامها وطموحاتها ليستطيع الحفاظ على جهده التصميمي من الضياع وان يوازن بين متطلبات المهنة وذاته من جهة وذات العميل مالك الاموال التي يحتاجها من جهة اخرى.
-       كيف يسوّق المعمار تصميمه للعميل ويقنعه به في حالة ان ذات العميل قد تميل الى ما يتعارض مع مبادئ المعمار او اسلوبه التصميمي. فهو بدلاً عن خسارة العميل وامواله يحاول ان يقنعه ببديل آخر يحقق التوازن بين الذاتين.
اذن ان المعمار بحاجة الى مهارة (قراءة ذات العميل) ومهارة (تسويق التصميم) المناسب له اذا كانت متطلبات ذات العميل غير مناسبة.
لينتهي المشهد بسؤال: كيف يكتسب المعمار تلك المهارات؟

المشهد الاول:
 بعد ان فرضنا ان لاغلب الاطراف المشاركين في دراسة وممارسة مهنة العمارة الحق بارضاء ذاتهم الشخصية وبنسب معينة (فطالب العمارة والمعمار تظهر ذاتهم في تصاميمهم، والعميل المستفيد باختيار التصميم المعبر عن ذاته)، فما هو الحال مع استاذ العمارة؟ هل يحق له الاعتماد على ذاته وارضاءها اثناء انجاز مهمامه التدريسية؟
نعرف اولاً انه انسان طبيعي حتى وان كاد ان يكون رسولا.
فان كان يملك ذاتاً كغيره من الناس ويعمل في مجال العمارة التي يعتمد احد شقيها (الفن) على تلك الذات، فلماذا لا يستخدمها؟
واذا كان هو يعلّم تلك المهنة فكيف سيقوم بتلك المهمة دون تنشيط ذاته؟
اذن لنعطه ذلك الحق، حق الاعتماد على (الذات والموضوع معاً)، (الفن والعلم) في تغذية الطلبة بالمعرفة المعمارية وفي (تقييم مشاريعهم) وهي الفعالية التي يعتمد عليها نجاحهم واكتسابهم شهادة المهنة.
ولكن هنا نفكّر بوجود حاجة للتمييز بين (تقييم الاستاذ وتقييم العميل)، فالتقييم الاكاديمي (تقييم الاستاذ لمشاريع الطلبة) يتم على اساس المجموعة، فالاستاذ مسؤول غالباً عن تقييم تصاميم عدد من الطلبة يقل او يكثر.
اما العميل فهو (غالباً) يقيّم تصميماً واحداً لمصمم ذهب لمكتبه او شركته للاستفادة من خدماته، او عدد من التصاميم (بدائل) لنفس المصمم او مكتب التصميم.
ويقع مابينهما المسابقات المعمارية، بان يقّيم العميل (بذاته او بلجنة يكلفها) مجموعة من التصاميم كما في الحالة الاكاديمية.
وانطلاقاً من هذا التمييز فان ميل الاستاذ لذاته في التقييم سيجعله يميل لمشروع طالب دون آخر في المجموعة او مشاريع عدد من الطلبة دون آخرين. والتي هي تتلائم مع تفضيلاته الفكرية والجمالية الذاتية.
هل يصح من الاستاذ ذلك؟
هذا هو سؤال المليون دولار!
ليس لان اجابته صعبة ولكن لان تلك الاجابة نادراً ما تتطابق مع الواقع.
يتفق اغلب طلبة العمارة الحاليين والماضين ان على الاستاذ ان لا يميل لمشروع دون آخر، وان يتعامل اثناء تقييم جميع المشاريع من موقف محايد واحد. وهنا اقول تحديداً:
لماذا يتحمل استاذ العمارة ذنوبها؟
يقوم بتدريس مهنة احد ركائزها الذات الفنية، وهو معمار بالتأكيد قبل ان يكون استاذاً ولديه ذات حساسة، ثم نطلب منه ان يصبح معصوماً من الميل لها.
نطلب منه ان يصبح موضوعياً كالقاضي في احكامه التي تعتمد على القانون فقط.
اعتقد ان الحل المناسب هو ان يرسل الله رُسل حقيقيين لتدريس العمارة، او ان يحاول الاستاذ السيطرة على ذاته وليس القضاء عليها تماماً.
افترضنا سابقاً ان على المعمار ان يوازن بين ذاته وظروف المشروع الموضوعية، والآن نفترض ايضاً ان على الاستاذ الموازنة بين ذاته وبين ظروف المشاريع التي يدرّسها للطلبة.
ولان الجو الاكاديمي هو جو معماري افتراضي، فلا مواقع واقعية تماماً ولا تفكير دقيق بكلفة المشروع وتفصيلاته، لذا فان تحقيق الموازنة عند الاستاذ اصعب بالتأكيد، فهو ان لم يكن واعياً لتحقيقها فقد يذهب مع ذاته بعيداً جداً. ولعل واحداً من سبل تحقيق تلك الموازنة هو وضع مجموعة من القواعد المعلنة والمتفق عليها بين الاستاذ والطلبة. قواعد تصميمية (علمية) تلائم المرحلة التي يعملون عليها. وقد تأتي من مرجع علمي معماري واحد او مجموعة مراجع.
والهدف هو تحديد مساحة ذات الاستاذ وذوات الطلبة ايضاً دون القضاء عليها، فبانعدام الذات تتحول العمارة الى تخصص آخر لا اعلم ماذا نطلق عليه تحديداً.
ماذا لو لم يكن الاستاذ واعياً لتحقيق تلك الموازنة؟
او هو يحاول تحقيقها ولكن نتائج المحاولة لاتزال غير مقنعة للطلبة. فلذاته حضور واضح امامهم.
ماهو الحل؟
هل سيواصل الطلبة التذمّر؟
ام نستطيع التفكير بطريقة مختلفة؟
هل تتذكرون نهاية المشهد الثاني؟
كيف يكتسب المعمار مهارة قراءة ذات العميل ومهارة تسويق التصميم المناسب له اذا كانت متطلبات ذات العميل غير مناسبة؟
لماذا لا نعتبر الاستاذ هو العميل المتعب؟ وان جميع تفاصيل تعاملنا معه هو تدريب لكيفية التعامل مع ذلك العميل المستقبلي.
ان نتدرب معه على كيفية قراءة ذاته، ونتدرب على كيفية تسويق تصميمنا له، لنحصل على الدرجة التي نريدها والتي تقابل الاموال التي نبحث عنها دائماً في الحاضر والمستقبل.
هل فهم احداً انني المّح لضرورة مجاملة الاستاذ والتقرّب منه او محاولة خداعه لنيل رضاه واقناعه بالتصميم؟
كلا ابداً، هي مطالبة باكتساب الطالب لمهارات في علم النفس (نعم هو علم موضوعي) وفي علم التسويق (وهو علم ايضاً تتوفر امكانية تعلّم مبادئه على شبكة الانترنت).
وان يطبّق الطالب تلك المهارات على الاستاذ الذاتي ويعتبره حالة تطبيقية للعميل المستقبلي والذي سيصادفه بكثرة.
فالعميل الموضوعي نادر الوجود. ولماذا نبحث عن عميل موضوعي وهو يدفع اموال طائلة لتحقيق ذاته؟

المشهد الختامي:
الخلاصة هي اما ان يكون الاستاذ واعياً فيضع قواعد علمية متفق عليها مع طلبته لتحديد ذاته، واما ان يكون غير واعٍ ولا يستسلم الطالب للتذمّر بسبب عدم ملائمة تصميمه لذات الاستاذ، لانه سيقع في نفس الموقف ولا يلائم تصميمه للعميل وعليه ان يجد الطرق البديلة لنيل الدرجات والاموال مستقبلاً.

ثم هنالك من يفكر اننا نحمل الطالب تقصير الاستاذ فمع ما هو مطالب به من تعلم مهارات معمارية نطالب منه الان تعلم مهارات نفسية وتسويقية.
لنفكر بطريقة اخرى هنا ايضاً، نحن لا نمتلك السلطة على تقصير الاستاذ ولكن نمتلك سلطة تحويل الموقف الى موقف تدريب وزيادة قوة للمعمار الشاب.
وبالتاكيد ان مهنة العمارة اليوم واكثر من الماضي كثيراً البقاء فيها للاقوى.
لن يستطيع الطالب الضعيف ان يعيش في سوق العمارة الصعب والمتطلّب دائماً.