الجمعة، 20 نوفمبر 2015

الوطن في آفاق جاله مخزومي

سمعنا كثيراً عن ضرورة الإستفادة من تجارب الآخرين، وفي الطرف الآخر نستمع لخوسيه موسيكا، الملقب بـ(أفقر رئيس في العالم) يقول:

يقولون لي، لا بل يصرخون وكأنه مبدأ: أن على المرء أن يتذكر، كي لا يعيد تكرار الماضي.
أعرفه، الكائن البشري!
هو الحيوان الوحيد الذي يتعثر عشرين مرة على الحصاة ذاتها!
كل جيل يتعلم من تجاربه، لا من تجارب الأخرين.
ماذا يمكن أن نجني من تجارب الآخرين؟ يتعلم المرء من الأمور التي إجتازها ...

ولكي لا أناقض نفسي في نص سابق بفصل قوله هذا عن سياق حديثه الكلي، فمن الضروري الإشارة، أنه كان يتحدث عن عدم جدوى تغذية الضغينة الماضية، لأن الآلام التي نعيشها لن يعوضها أحد، ويجب أن نتعلم كيف نحمل جراحنا ونمضي بإتجاه المستقبل، وأن ننساها حتى ... فالمهم هو الغد.


بعد لقائي به بثواني فقط، قلت: صدك بيروت تطبع!
لم ألتقِ بموسيكا ولكنني إلتقيت بكتاب أو (منشورة (كما تسميه الدكتورة جاله ...
آفاق ... يجمع بين العمارة، الفن والأدب ... وتقدم له الدكتورة بكونه "يحكي قصة بثلاثة أصوات، الصوت الأول مقتطفات من حياتي اليومية في الجامعة وبيروت، يمتد زماناً من كانون الثاني وحتى حزيران من سنة 2007. الثاني قراءتي للجنوب (جنوب لبنان) أثناء ستة الأشهر التي سبقتها. والصوت الثالث هو الرسوم، لوحات شقة 101 (رقم الشقة المطلة على البحر في سكن الحرم الجامعي) للأشهر الستة الأولى من سنة 2007. الأصوات تداخلت، لا شئ يربطها سوى أنها وسيلة لقراءة حاضر مفروض، وكونها وسطاً للتأمل في حياة أقتطعت، أفتقدها بكل كياني، أعيشها بالأحلام".




وهذه الأيام لا تكتمل قراءة كتاب من دون (البحوشة) على الشبكة، ماذا قال عنه النقاد؟ هل يقترب رأيهم من تجربتنا في قراءته؟
ولهدف آخر، التعرف أكثر على الكاتب نفسه، ماهي التجارب التي مر بها لينتج هذا النص هذه الرسوم؟ لم يعد هنالك فرصة (لموت المؤلف)، فهو موجود في كل مكان (غالباً)، عن طريق صفحاته الشخصية أو ما كُتب عنه.
وعن الدكتورة جاله مخزومي وجدت حواراً لها من ريكاردو كرم ... 57 دقيقة من السيرة الذاتية، العمارة، الإجتماع، التأريخ والأهم ... الوطن.
ومع وجود الحوار فليس هنالك ضرورة للحديث عنه .
والسؤال .. هل نقرر الإستفادة من تجربة دكتورة جاله أم نعتمد على مايقوله خوسيه موسيكا؟
 لا أعلم ... نتيجة تبدل المعطيات قد تكون مقوله موسيكا صحيحة ... وقد تكون المعطيات السابقة لا تقل صعوبة عن اليوم لذا فنحن نعيش نفس الصراع السابق ولكن بصور جديدة ...

أتمنى أن نستمع للتجربة ونجيب عن السؤال بما يحلوا لنا، لأننا نعيش عصر التعدد.


وأخيرا،ً هل يختلف وطننا عن بقية الاوطان ؟
تتحدث دكتورة جاله عن جنوب لبنان: (أطفال، شباب، نساء، شيوخ، إستشهدوا في مبنى واحد، قبورهم صفّت بنظام عقلاني محاولة لفهم ما لا يعقل).


أما في وطننا فحتى الموتى لا نمنحهم فرصة الفهم

















الجمعة، 13 نوفمبر 2015

سيلفي مع لو كوربوزيه

أتخيل تلك الرواية ... وهي تتحدث عن الزبون الأخير للو كوربوزيه عام 1965
الزبون الذي (لّعب نفسه) وجعله (يكره الدنيا) وزينتها، لذا قرر أن يثأر لجميع معماريي العالم من الزبائن المزعجين عن طريق لعنة شرقية تعلمها من خلال رحلاته الى الهند. ولكنها كانت تتطلب أن يضحي بنفسه لكي تتفعّل!
أكمل كافة مراسيم اللعنة وخلع ملابسه ودخل البحر.
كانت الخطوات الأولى مألوفة خاصة وهو يحب السباحة وممارس لها، حتى أنه يمتلك ندبة كبيرة على فخذه نتيجة لإرتطامه بمروحة قارب مر بقربه. ولكن ما إن وصل الماء الى فمه، الى أنفه حتى بدأ جسمه يمارس حركات النجاة اللاإرادية، وكان سبيله الوحيد لإيقافها هو التركيز على إستذكار جميع الزبائن المزعجين الذين قابلهم في حياته، وقبل شهيقه الأخير، أمال رأسه الى الخلف إرتفع فمه قليلاً فوق سطح الماء وقال: الله يشلع كَلوبهم مثل مشلعوا كَلبي!
ومن ذاك الوكت بعد مصار براسنا خير...



تأجلت زيارة صالة الألعاب الرياضية في بغداد ثلاث مرات بسبب سقوط  الأمطار، وكأنها آثار تلك اللعنة، أو أن لو كوربوزيه أراد أن لا نذهب لها إلا سباحة أو بواسطة الزوارق كما كان يحب أن يقضي إجازاته.


هي زيارتي الأولى لها، زيارة ممتعة وغير مسبوقة بصفتها، فقد خطط الدكتور عماد عبد الحميد والدكتور مصطفى كامل لإجتماع الطلبة من ثلاث جامعات (الجامعة التكنولوجية، أوروك والفارابي)، أما ما ينقصها فهو الوقت والتفاعل الإجتماعي بين الطلبة للإستفادة من فكرة الإجتماع في التقارب بين المدارس المعمارية في بغداد بدلاً عن الغناء كلٌ على ليلاه.




والكتابة عن تلك التجربة تستدعي الإضافة، قول ما لم يقال سابقاً، لذا لن أكتب عن تأريخ المصمم، عن إنجاز الإتـفاق مع معمار عالمي ليصمم في مدينة بغداد، ولا عن الصفات التصميمية للقاعة.
لن أكتب عن حالتها (المزرية) الحالية، لأن حالها من حال كل تفاصيل حياتنا الآخرى...
ولكني سأكتب عن الحمى التي أصابتنا عندما وصلنا للمشروع، (حمى التصوير) والتسمية الأكثر دقة (حمى السيلفي).

يتناول الناس ظاهرة السيلفي وكما هو الحال في كل الظواهر الحياتية من الجانب السلبي والإيجابي، وليس صحي أبداً أن ننظر لأي ظاهرة من جانب واحد، الجانب الإيجابي للسيلفي هو توثيق اللحظة، لحظة الحضور في مكان معين في زمن معين مع شخص أو أشخاص معينين.
أما الجانب السلبي فقد وصل حتى القول بأن من يكثر من صور السيلفي مصاب بمشاكل نفسية عويصة!

وفي زيارة معلم معماري مهم مثل الصالة الرياضية، من المفترض أن تتجه أغلب العدسات لعناصر المعلم وتفاصيله المعمارية والإنشائية كون الغرض من الزيارة هو رؤية تلك التفاصيل على الواقع وهو ما يختلف بصورة كبيرة عن الصور التي نشاهدها على الشاشة أو الكتب المطبوعة، وتأتي الصورة كتذكير وتوثيق لتلك التفاصيل بما يسند الرؤية الواقعية. ولكن ما حصل فعلياً هو أن أغلب العدسات وجهناها لأنفسنا، وحتى مع وقوفنا أمام تلك العناصر والتفاصيل فأن التركيز في الصورة على الأشخاص أكثر من العمارة.

يمكن القول أن لذلك سبب عراقي (قلة أو إنعدام الحضور في معالم عامة مميزة).
 لذا فإن الزيارة الأولى تدفع الطالب الى أخذ أكبر عدد ممكن من الصور لأنها قد تكون المرة الأولى والأخيرة، وهو عندما يضعها على مواقع التواصل تجذب بقوة إهتمام الطلبة الأخرين لأنه حدث صعب الحصول بالنسبة لهم.
وبتكرار الزيارات لنفس المعلم أنا متأكد أن عدد الصور الشخصية الملتقطة سيقل تدريجياً ولكن القضية هي أننا لن نزوره مرة أخرى فنركز فيها بصورنا على المعلم وليس على أنفسنا.

السؤال الأهم هنا: هل من الممكن الإستفادة من ظاهرة السيلفي إيجابياً؟ معمارياً؟

يجب أن نبحث عن طرق جديدة، وهذا هو الحال مع كل الظواهر العالمية التي نلتقطها ونبدأ بإستخدامها سلبياً، يجب أن نفكر بتوظيفها لفائدتنا العلمية والإجتماعية.

لنتخيل نوعين من السيناريوهات وأيهم أكثر كفاءة للتنفيذ:
ففي الزيارة القادمة لمعلم معماري آخر في مدينة بغداد سيقول الأساتذة في السيناريو الأول:
صور السيلفي ممنوعة، الي راح نشوفة ياخذ صورة سيلفي لنفسة أو وية أصدقاءة (مدري شراح نسويلة)، لازم تاخذون صور بس للبناية وتفاصيلهة، شنو قابل متشبعون من الصور 24 ساعة !
 ولنتخيل ردود أفعال الطلبة وأصدقائهم ورواد مواقع التواصل عند سماعهم لهذه التعليمات القاسية:
هذولة شبيهم الأساتذة غير معقدين! قابل شراح تضر صور السيلفي؟ شوف العالم وين وصلوا وإحنة نمنع هاي الأشياء البسيطة!

أما في السيناريو الثاني فستكون تعليمات الأساتذة هي:
-إخذ صورة سيلفي يم عنصر أو تفصيل معماري وأكتب تقرير عن سبب إختيارك لهذا العنصر كأهم أو أجمل عنصر في المشروع.
-إخذ ثلاث صور سيلفي وقارن بين العناصر الموجودة في خلفية كل صورة من الصور.
-إخذ صورة سليفي وية عنصر يعبر عن أهم فعالية وظيفية في المشروع وصورة وية عنصر يعبر عن الناحية الإنشائية للمشروع وصورة وية أكثر عنصر جمالي بالمشروع.
-إخذ صورة سيلفي مع الاصدقاء وقدموا تقرير جماعي عن وجهة نظر كل طالب بكفاءة التفصيل المعماري في خلفية الصورة.

ولنتخيل مرة أخرى ردود أفعال الآخرين عند سماعهم لتلك التعليمات:

والله عمي إنتوا المعماري متونسين، هم سفرات وهم سيلفيات وبعدين تاخذون عليهة درجات...











الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

البغبغة

لقد تم تسميتي بطريقة غريبة ...
تروي لي جدتي أنهم إحتاروا في تسميتي وقتها، فإختاروا 3 أسماء وكتبوها على أوراق صغيرة ووضعوها في كيس، وكما في رئاسة الجلسة الأولى لمجلس النواب، إقترحوا على جدة والدتي لأنها أكبرهم سناً أن تسحب ورقة!
لا أعرف لماذا تم إعادة السحب 3 مرات ولكن في كل مرة تحمل الورقة إسم بلال.
قد ينقص الرواية الكثير من التفاصيل وهو حال أي قضية تأريخية نتصارع عليها حالياً، أتذكر دائماً صديقي (عامر بشير)، عندما يكون شاهداً على تحوير في نقل حادثة أو تغيير عند نقل كلام شخص، يقول متعجباً: لعد التأريخ شكد بي جذب؟!
وبالعودة الى قضية إسمي ... فأنا ممتن جداً لجدة والدتي ولشخصيات عربية أخرى.
مصطفى العقاد رحمه الله، جاهد لصناعة فلم الرسالة، وفي كل مرة كان يعرض على الشاشة كنت أزداد قوة، لا أقول أنها قوة في الوعي، ولكنها كانت تزرع في اللاوعي. قوة مستمدة من صمود بلال أسفل الصخرة، قتاله في المعركة ورفعه للأذان في المدينة. ويجب أن يستمر الإمتنان للممثل الليبي علي أحمد سالم لمشاركته في صناعة تلك الصورة المميزة.
سامي قفطان رحمه الله حياً، وقبله من إختار إسم شخصية (مقدم بلال) في مسلسل ذئاب الليل بجزءه الأول، لقد جعلني دائماً العب دور الشرطي عندما إنتشرت لعبة الشرطة والحرامية بسبب المسلسل في الصف الرابع الإبتدائي (طبعاً شرطي نص ردن)، لأنني الأقل حجماً بين طلبة الصف.
وبسبب الإسم أيضاً إنجذبت أول مرة للشخصية المصرية (بلال فضل)، يُعرّف نفسه بـ( كاتب على باب الله). كتب سيناريوهات أشهر الافلام المصرية المعاصرة ونقرأ له مقالاً يومياً على العربي الجديد. والأهم بالنسبة لي برنامجه الإسبوعي (عصير الكتب).
في لقاء له وقبل بث أول حلقة من البرنامج يستخدم بلال مفردة جميلة: (نبغبغ) من (البغبغة) للببغاء.
 واليوم أعتقد أن أعظم ما نعانيه هو البغبغة ... نقل ما نسمعه بدون تفكير، كما تفعل الببغاء بالضبط. وهي بغبغة في أحاديثنا في العالم الواقعي، والبغبغة على مواقع التواصل الإجتماعي.
بعد يوم المطرة إنقطع (الفيز البارد) في بيتنا، وعندما كان الكهربائي يعمل على إصلاح المشكلة، نقل لي ما مر به عندما اتصلوا به عمال دائرة الكهرباء ليحل لهم مشكلة في كهرباء بيت شخص مسؤول في الدولة، قال لهم هذا المسؤول إنهم لن يغادروا بيته ما لم يصلحوا العطل! ولأنهم مختصين بالتوصيل الخارجي فقط والمشكلة داخلية طلبوا مساعدة صديقنا الكهربائي، وعندما وصل للبيت تعرض لنفس التهديد! لن تغادر ما لم تصلح العطل. يقول الكهربائي إنه أجاب المسؤول بقوة، سوف يعمل على إصلاح العطل ولكنه يستطيع المغادرة متى يشاء، وبعد هذا الرد والقيل والقال، قال له المسؤول إنه رأه سابقاً في مكان ما، في إحدى وزارات الدولة في النظام السابق وبالنص قال له: إنت صدامي !
عندما تمعنت بعد أيام في نموذج الشهادة الجدارية لخريجي الجامعة وهي تتضمن نجمة ثمانية تحتوي شعار الجامعة، بغبغت مباشرتاً : هاي النجمة صدامية !
 فالقضية هي أولاً صراع بين العقل الباطن اللاواعي والعقل الواعي، عقلنا اللاواعي (مليان) بأفكار ولفظات متنوعة نتيجة للمعصرة التي نعيش فيها، وما إن نفقد السيطرة عليه قد نبدأ بالبغبغة أو لا نبدأ لإنه يتضمن من الإيجابيات أيضاً وهو ما يشير اليه الدكتور على الوردي.
وثانياً ترتبط القضية بالحديث النبوي الشريف: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
لذا أعتقد أن الفرضية (صفر) التي يجب أن نتعامل بها مع كل ما نقرأ ونسمع ونشاهد على الشبكة، هو أن هذه المعلومة غير صحيحة، كاذبة، غير دقيقة، تم تغيير سياقها.
قبل عدة أيام شاهدت مقطعاً لدقائق يعطيك حكماً سلبياً 100% والمقطع غير مقبول منطقياً، لذا وبعد بحث بسيط تبين أنه مقتطع من برنامج يحمل رسالة معينة، تجعلك تحكم على المقطع بطريقة مختلفة 100% أيضاً !

هل يقتصر الأمر على المواضيع السياسية أو الدينية ؟ أبداً في كل المجالات ومنها العمارة بالتأكيد.

لذا لنكون شكاكين، لنشك دائماً، لأن الوصول الى الحقيقة (إذا كان ممكناً) يحتم علينا الحضور في موقع الحدث وهذا ما لن نستطيعه أبداً.

ولكننا نستطيع أن نتوقف عن البغبغة. 










الأحد، 11 أكتوبر 2015

كبرياء بغداد

كُتبت الكثير من المقالات عن الصورة التي تنتجها هوليوود عن العرب في أغلب أفلامها، ولكني لم أقرأ نصاً تخصص بمناقشة الصورة التي تعكسها الأفلام الأمريكية عن الشخصية العراقية في سلسلة من الأفلام التي تناولت الحرب الأخيرة عام 2003 تبدأ بـ Green Zone، The Hurt Locker وأخيراً American Sniper وغيرهم الكثير.
النظرة النقدية لعمل إنتج من قبل الأمريكان أو أي طرف خارجي آخر تدور كغيرها من القضايا في فلكي السلبيات والإيجابيات.
السلبيات عن الصورة المنقوصة التي تقدمها الأفلام مثلاً عن الفرد العراقي، وطريقة الكلام التي لا تطابق اللهجة العراقية، وعدم تطابق صفات المكان مع الواقع (والذي يشير بوضوح عبيط الى أن مواقع التصوير هي في المغرب العربي).
أما الإيجابيات فتتجسد في الصفات والمعالم العراقية التي تفرض نفسها على منتجي الأفلام، فمن خلال تلك الأفلام نستطيع أن نعرف نقاط قوتنا.
وحديثي هنا عن العمارة بالتأكيد، فقد نصاب بالتشوش الفكري والبصري نتيجة لفوضوية المدينة والحياة اليومية وتختلط علينا ممتلكاتنا الجيدة والسيئة فنستعين بعين جديدة تنظر لتلك الممتلكات لأول مرة فتستطيع تمييز الجيد والفريد منها لنركز عليه ونعيد دراسته مرة أخرى.
هذه الستراتيجية مألوفة في الحياة اليومية، تذهب لشراء قطعة ملابس أو حذاء مثلاً ونتيجة للخيارات المعروضة و(الفرفرة) المتواصلة في السوق لا تستطيع معها إختيار القطعة أو الحذاء المناسب لك (فتستعين بصديق) ليرشدك هو الى إختيار الصحيح نتيجة لعدم تشوش عينه وعقله (بـهوسة) السوق.  

وبدلاً عن الأفلام نجد (Pride of Baghdad) قصة مصورة للكاتب Brian K. Vaughan ورسوم Niko Henrichon وهي مستوحاة من قصة واقعية عن الأسد (Zill) وعائلته (صفا، نور والشبل علي) في حديقة حيوانات بغداد في متنزه الزوراء.


تبدأ القصة مع بداية الهجوم الأمريكي على بغداد عام 2003 وتنتهي مع نزول القوات الأمريكية على الأرض.
بالتأكيد لا أريد إفساد متعة قراءتها، فهي تحتوي على العديد من الصراعات والحوارات التي تحمل معاني معلنة أو مبطّنة. لعلها صورة أمريكية جديدة لقصص كليلة ودمنة التي تناقش قضايا حياتية على لسان الحيوانات المتنوعة.
وبالعودة على موضع إهتمامي (العمارة) أحببت أن أشير لمعالم معمارية بغدادية تظهر بوضوح في خلفية الصورة وبيئتها المكانية، معالم قد نجهل الكثير عنها نحن سكنة بغداد ولكنها وقفت بوضوح أمام أعين كاتب ومصور القصة وهي تستحق منا إعادة الدراسة والإستكشاف.
-       قوسي ساحة الإحتفالات (قوس النصر) وهو من تصميم الفنان خالد الرحال وقد كتب عنه معد فياض في جريدة الشرق الأوسط :
قوس النصر، الذي يمثل كفي الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وهما تمسكان بالسيف العربي، ومتقابلتين لتشكلان في تشابك السيفين من الأعلى صورة قوس، حيث يقوم هذا القوس عند مدخل ومخرج ساحة الاحتفالات الكبرى في منطقة الحارثية، بجانب الكرخ من بغداد. وقد تم تقديم التصميم  ضمن مسابقة شارك بها عدد كبير من الفنانين العراقيين، إلى دائرة الفنون التشكيلية نهاية عام 1983 بناء على دعوة من رئاسة الجمهورية لتصميم قوس نصر عراقي تستعرض من تحته القوات المسلحة، وعرضت النماذج المشاركة في المسابقة جميعها على صدام حسين الذي أعجبته فكرة خروج ذراعه من الأرض وكفه اليمنى تمسك بالسيف العربي، فوافق عليها وأمر بتنفيذها، إذ تم إنجازه عام 1985.



-       برج متنزه الزوراء السياحي وهو من تصميم المعماري عدنان زكي امين (1931-2005(، يقول الدكتور إحسان فتحي: إن برج متنزه الزوراء يعتبر عملاً إنشائياً هاماً يرتفع حوالي 40 متر وفيه مطعم دائري على شكل قبة بصلية أثارت عدداً من الإنتقادات بسبب شكلها، الا أن هذا البرج يبقى الوحيد في العراق المصمم كلياً من معماري عراقي ويؤكد مهارة الراحل عدنان في التصدي لتصاميم جريئة ولعبه دوراً بارزاً في مسيرة العمارة العراقية.



-       مبنى بدالة السنك: وهو من تصميم المعماري رفعة الجادرجي، عام 1971 وقد تعرض للقصف في تلك الحرب ومن ثم تم إعادة تأهيله مرة أخرى، وهو يجسد بهيئته الخارجية الإسلوب المميز للجادرجي ويشكل أحد أهم بصماته في مدينة بغداد. وعلى الرغم من بعده عن موقع أحداث القصة الا أنه ظهر واضحاً في الخلفية وأعمدة الدخان تتصاعد منه.



تنتهي القصة بـ(زيل) وعلى وصفا ونور وهم على سطح بناية وأمامهم أفق مدينة بغداد بلون أحمر نتيجة للـ(عجاجة) المشؤومة، فيسأل علي أباه :
-       هل هذا هو الأفق؟
-       نعم .. نعم هذا هو.
تنفرد نور بالصورة وعلى الجدار أسفل منها أبو بريعص عراقي وتقول:
-       إنه جميل .. تلتفت الى صفا التي فقدت عينيها ... إعذريني صفا لقد نسيت أنك ....
-       لا تعتذري .. لقد سمعت وصفه الممل لهذه اللحظة مئات الآلاف من المرات، لذا فأنا أراه أفضل منكِ!
تلتفت صفا لـ(زيل) :
-       إذن ؟ هل يستحق كل هذا أيها الرجل العجوز ؟



كرااااك (صوت) ... يغمض زيل عينيه ليبدأ الفصل الأخير من القصة!     








الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

قصة الحقائب

قصصنا مع الحقائب تبدأ منذ وقت مبكر، من (الروضة والتمهيدي) لبعض الاشخاص ومن الصف الأول الأبتدائي للآخرين وأنا منهم. تفاصيل كثيرة لا أتذكرها حالياً ولكنني أستطيع أن أتذكر كل حقائبي الماضية.

ننفصل عنها في مرحلة فكرية وعمرية معينة، في بداية الدراسة المتوسطة نبدأ بإعتبارها خاصة بالأطفال! ونبحث عن حلول بديلة لحمل الكتب والدفاتر، حمل الكتب باليد المجردة، ربطها بـــ(لاستيكة)، أو أحزمة جلدية أو وضعها داخل (لفكس) يحمل صور أفلام أو شخصيات معينة (لفكساتي المفضلة، أحدهما بصورة إنديانا جونز والآخر لأبطال الديجيتل).

نعود لأحضان الحقيبة مرة أخرى عند البدأ بالدراسات العليا، وكأنها علامة للطالب كما هي الـ(T square) علامة لطالب الهندسة في مرحلة البكالوريوس والـ(lab coat) علامة لطلبة الإختصاصات الطبية.

كل هذا يستبق ظهور الكومبيوتر المحمول وحقيبته القسرية، فالحديث هنا عن الحقيبة التي تحمل الكتب والأوراق والتي نحاول بإختيارها أن تتضمن سمات جمالية بالاضافة الى وظيفتها.

ولإستخدامي ذلك النوع من الحقائب لثمان سنوات، وكوننا مشاركين في عالم شبكي يعتمد على التدوين لنشر ومشاركة المعرفة في كافة مجالات الحياة وبخبرات محلية، فكرت أن أكتب مشاكلي مع الحقائب متمنياً أن يستفيد منها الآخرين ممن شاركوني معرفتهم من غير مقابل وأرد لهم بعض الدين و(فيد وإستفيد).

والأهم هو تحديد معاييري لإختيار الحقيبة عن الشراء، وهو المعيار الجمالي وبالتحديد أن لا تكون الحقيبة مستهلكة، تشاهدها بأيدي الكثير من الناس ومتوفرة في كافة معارض الحقائب. أي أن تكون متميزة وهذا المعيار كان السبب في شراء الكثير من الحقائب الفاشلة وظيفياً ولأسباب سأدرجها لأخذها بنظر الإعتبار عن شراء الحقيبة مستقبلاً:

-       عدم إحتواء الحقيبة على مسكة لليد يعتبر أمر سلبي لأن الإعتماد على حمالة الكتف يسبب الكثير من الطيات في الملابس عند منطقة الكتف وخاصة عند عدم إرتداء سترة سميكة لا تتأثر بضغط الحمالة، وبذلك فأن ذلك النوع من الحقائب يسبب تشوه في الملابس وخاصة الرسمية منها.

-       عندما حاولت شراء حقيبة شرط إحتوائها على مسكة اليد واجهت مشكلة أخرى، أن تكون تلك المسكة مرتبطة مباشرة بغطاء الحقيبة فقط، وعند وضع الأغراض فيها سوف يؤدي الثقل الى فتح (طباكَة) الحقيبة التي تربط الغطاء بجسم الحقيبة، وعدم إمكانية حملها من مسكة اليد والعودة الى حمالة الكتف والمشكلة الأولى.

-       التجربة الثالثة بحقيبة تجاوزت بها المشكلتين السابقتين ولكن لم أجد سوى حقيبة تحتوي على مساحة من الجلد بنقشة، وسحابات جانبية، ولكن ما واجهني هو أن عدد من الأصدقاء أعتبروها حقيبة نسائية وليست رجالية ! فالصورة المجتمعية للحقيبة الرجالية يجب أن تكون (سادة) قليلة التفاصيل.

-       في المحاولة الأخيرة وقعت في مشكلة أخرى، وهي أرتباط مسكة اليد بالجزء الداخلي من جسم الحقيبة وهذا الجزء يرتبط بالمحيط الخارجي الرئيسي للحقيبة (بطباكَات) مغناطيسية، وعند وضع الأغراض فيها سوف تتفتح تلك (الطباكَات ويتشوه شكل الحقيبة بوضوح) (تبوّط) !


وبما أنني في وقت ما سوف أجرب مرة أخرى شراء حقيبة جديدة وأن أخذ كل ما سبق من مشاكل بعين الإعتبار، فأعتقد أن الطريقة المناسبة هو أن أطلب من البائع قبل الشراء تجربة الحقيبة ووضع الأثقال فيها وعدم الإعتماد على شكل الحقيبة والحلول النظرية للمشاكل السابقة  وكما يقال (التجربة اكبر برهان).










الاثنين، 28 سبتمبر 2015

زهاء حديد تنهي الحوار

زهاء حديد تنهي الحوار

 التقاليد ... من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل حالياً، وذلك نتيجة لتحديات الواقع الحقيقي والواقع الإفتراضي في العراق. والأكثر إثارة هو كسر تلك التقاليد نحو التحرر والتقدم مرة ونحو عدم الملائمة لخصوصية المجتمع مرة أخرى.
التقاليد الخاصة بثنائية (الحياة-الموت) بدأت بالتفكك بوضوح، فالحياة تبدأ بالولادة فيسمي الأهل سابقاً إبنهم (زبالة) مثلاً! وإعتماداً على حكايات جدتي، كان الناس يخافون على الطفل بالتحديد من الحسد، فالطفل (ينّفس، ينصاب بالعين) بسرعة، فيختارون له إسماً قبيحاً، يجعل المقابل (يكش) وتنصرف عينه عن محاسن الطفل فلا يصيبه بالعين، وهي نفس فلسفة تعليق قبقاب أو (فردة نعال) على رقبة بقرة أو سيارة جديدة وكذلك الاستعانة باللون الأزرق والسبع عيون. والتفسير الحقيقي بعيد عن الحسد بالتأكيد، فسبب موت الأطفال بكثرة هو إنتشار الأمراض وعدم توفر العلاج والرعاية.
واليوم مع تحسن الرعاية الطبية وظهور جيل جديد من الأمهات الثائرات، إستطعنا التحرر من تلك التقاليد، فنجد أن صورة الطفل وبعد ساعات قليلة من الولادة (تنزل) على فيسبوك ليشاهد جماله الجميع ويستمتعون بإسمه اللطيف! وقد ننتظر سنوات معدودة فتصبح من التقاليد أن تضع صورة طفلك على فيسبوك، وإذا رفضت البيبي، خوفاً عليه من الحسد تجيبها الأم : عمة تردين يكولون هاي منزلت صورة إبنهة لأن محلو!


فيما يخص الطرف الآخر (الموت) فسنوات طويلة وجدتي تقول: ياستار صار بي (هذاك المرض)، عندما تتحدث عمن أصابه مرض السرطان، فهي لا تذكر إسمه خوفاً منه. أما اليوم فنشاهد الدفان علي العمية حاضراً لحفلة زفاف (رمز الحياة الجديدة) وهو أمر طبيعي جداً ولكنه يختتم المقطع بهتاف : منو يدفنكم ؟ ويجيبه الشباب بفرح: علي العمية!

ومن نفس الموقف المتحدي سأسمح لنفسي بالسؤال: مَن تعتقدون مِن المعماريين العراقيين المشاهير سيموت قريباً؟

أعرف أن الجواب هو "الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى" ولكن من ثقافتي الهوليودية أعتقد أن هنالك نظام أو معايير تستخدم في شركات التأمين  تدرس أسلوب حياة الإنسان لمعرفة مدى نسبة تعرضه للخطر وبالتالي تحديد قيمة التأمين على حياته.

ولكن بـ(حساب عرب)، من الممكن أن نعمل قائمة بأسماء المعماريين العراقيين المشاهير ومن ثم نتحرى أعمارهم وحالتهم الصحية لنصل لصورة تقريبة عن تسلسل وفاتهم ! وبما أن أكثرهم يعيشون خارج العراق فذلك التخمين يقترب أكثر من الدقة، فلا وجود للإنفجارات والكوليرا وإرتفاع ضغط الدم.

كل هذه الأفكار (الكعبية) راودتني بعد الإستماع لمقابلة أجرتها إذاعة BBC مع المعمارية (العالمية) زهاء حديد، بعد منحها الميدالية الذهبية للعمارة، التي يمنحها المعهد الملكي للهندسة المعمارية.
فقد تضايقت زهاء قبل نهاية اللقاء وغلقت الهاتف بوجه المحاورة Sarah Montague بعد أن قالت لها:

-       شوفي سمعيني، لهنا وبس ما أريد أحجي وياج بعد ... شكراً جزيلاً ... توت توت توت!

والسبب هو أن Montague إعتمدت في أسئلتها على معلومات غير دقيقة، فقد قالت لزهاء أن ملعب نادي الوكرة الذي صممته، والذي يحتضن مباريات كأس العالم 2022 في قطر، يعاني عدد من المشاكل ومنها موت العمالة الوافدة، فقد توفي 1200 عامل عند العمل فيه.
فأجابتها زهاء أن هذه التقارير غير صحيحة وقد تمت مقاضاة من أصدرها وتم سحبها وتقديم الإعتذار لها، فسألتها سارة هل تقصدين إنه لم يمت أي أحد في مبناكِ؟

-       أي طبعا، وروحي تأكدي من معلوماتج، وترة اني ما أكدر أضمنلج كل الكوكب وكل العالم، اني دا أحجي عن موقع مشروعي ودا أكلج ممات بي ولا طير!



ليست هذه المرة الوحيدة التي يخطأ فيها الإعلام معمارياً، فبعد وفاة الدكتور محمد مكية رحمه الله، عرضت فضائية العربية تقريراً عنه، يعرض التقرير ضمن مشاريعه صورة لبوابة جامعة الكوفة الحالية وهي من تصميم الصديق المعماري أحمد هاني تحت عنوان مشروع جامعة الكوفة للدكتور مكية !
أما فضائية الحرة عراق فقد عرضت في تقرير عن نفس الموضوع، صورة لمشروع مصرف الرافدين فرع النجف، بينما يقول المتحدث أن المصرف في محافظة البصرة !

وهنا مربط الفرس ... ماذا لو كانت Sarah Montague إعلامية وتحمل شهادة في الهندسة المعمارية؟ ماذا لو كان معد تقرير العربية والحرة معمارياً؟

قد تكون تلك الأخطاء بسيطة ولكنني أرى فرصة لتطبيق وتفعيل خطاب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في التواصل بين الجانب الأكاديمي وسوق العمل، وكذلك التأكيد على إقتصاد المعرفة وتسويق مشاريع الطلبة للمؤسسات الأخرى وذلك من خلال السيناريو التالي:

تقوم أقسام العمارة في الجامعات العراقية بفكرتي السابقة (إعداد قائمة بالمعماريين العراقيين المشاهير ومن هو الأقرب للموت!)، ثم توجه أساتذتها أو طلبتها ومن خلال مادة دراسية معينة قد تكون مادة (عمارة عراقية معاصرة) مثلاً، لإعداد تقارير صحفية (تحمل صفات التقرير التلفيزوني من خلال دراسة الأمثلة المشابهة) عن كل معماري في القائمة، وبعدها تخاطب الفضائيات العراقية وهي (خير وبركة) بأنها مستعدة لبيع مادة تلك التقارير في حالة الحاجة اليها، وإذا أرادت تلبية حاجة الأسواق بطريقة ذكية، فيمكن إعداد التقرير بأكثر من طريقة وبالإعتماد على خطاب تلك الفضائيات وطريقة تناولها للأحداث، وما على الفضائية الإ أن (تستنكي) ما يلائمها من التقارير وتستطيع عرضه بعد فترة قصيرة جداً من الوفاة.

كم عصفور سنضرب بذلك الحجر؟ تعرف الطلبة الشباب على المعماريين العراقيين ومنجزاتهم المعمارية المميزة، تقصي أحوالهم اليوم والتواصل معهم (بس لازم محد يكلهم الهدف من التقارير)، الحصول على مردود مالي للأقسام والجامعات في ظل أزمة الموازنة و(التفليس الرسمي)، إعداد خطاب معماري مدروس خالي من الأخطاء تقدمه الفضائيات العراقية.

أعتقد أن هنالك من سيقول: ولماذا لا نطبق الفكرة ولكن بإعداد تقارير عن مواضيع معمارية عامة، مباني بغدادية معينة، أو تقارير عن المعماريين وهم على قيد الحياة، ونسوقها للفضائيات؟ ولكن هل ستهم تلك المواضيع الفضائيات ؟ هي مهتمة بالسياسة والقضايا الخلافية والقيل والقال وما يجذب إنتباهها هو الموت فقط.

علاوة على كون التكريم والإهتمام بالمبدعين بعد موتهم ظاهرة إنسانية قديمة جداً!







تفاصيل حوار إذاعة الـ BBC