الثلاثاء، 15 نوفمبر 2016

الصورة والروح

هل يحق لنا الايمان بخرافاتنا الخاصة؟
مع علمنا بأنها إعتقادات غير قائمة على سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم، هل يحق لنا أن نختار بعضاً منها للإيمان به، ونستسخف الخرافات الأخرى التي يؤمن بها أفراد مجتمعنا؟
عندما تتأخر شجرة عن تكوين الثمر فاننا نهددها بسكين: إن لم تثمر سنقطعها قريباً ...
عندما يستمر جفن العين بالرّفرفة فإن هناك حدث سيء سيحدث قريباً أيضاً ...

الجميل أنني عرفت اليوم أن الأصل اللغوي لكلمة خرافة هو شخص يدعى (خُرافة) من بني عُذرة، حدّثَ الناس بأحاديث عجيبة غير معقولة بعد أن إختطفه الجن زمناً ...

وعن خرافتي المفضلة يحدثنا السير جيمس جورج فريزر في كتابه الغصن الذهبي عن الأخطار المحدقة بالروح كونها (وكما كان يعتقد الانسان البدائي) المحرك لجسم الانسان الخارجي، فكان يُرجع حدوث الظواهر في الطبيعة الجامدة لأشياء حية تقوم بها أو تسببها وبالتالي فأن تلك الأشياء أو الأجسام الحية بدورها تحتوي على أجسام داخلها تحركها، فالإنسان داخله إنسان هو الروح وقد تخيلوا الروح بأشكال متنوعة مرة مشابهة لشكل الانسان ومرة على شكل قزم ومرة طائر وسحلية ...


تعتقد بعض الشعوب بأن روح الإنسان موجودة في إنعكاس صورته في الماء أو المرآة، وعندما تكون تلك الروح خارج الجسم عن طريق وجود الصورة وبالتالي الروح على سطح الماء أو بالمرآة فإنها معرضة للمخاطر وقد تسلب من الجسم ولا تعود اليه مرة أخرى مما يؤدي الى الموت.
وما ينطبق على الانعكاسات ينطبق أيضاً على الصور الشخصية، إذ كثير ما يعتقد الناس أن الصورة تحتوي على روح صاحبها. وكل من يؤمن بهذه العقيدة يكره أن تؤخذ صورته.
فشعب تبهوان في مكسيكو يتملكهم رعب قاتل من الكاميرا، وتطلب إقناعهم بالوقوف أمامها خمسة أيام كاملة، ولما وافقوا أخيراً بدوا وكأنهم مجرمون على وشك أن تنزل بهم عقوبة الإعدام.
وكان القرويون في سيكيم يعتقدون أن الكاميرا (الصندوق الشرير) تأخذ أرواحهم مع صورهم وتمنح من يمتلك الصورة القدرة على ممارسة قوة سحرية عليهم.
وما زالت بعض هذه المعتقدات سارية، حيث غضبت بعض العجائز في جزيرة كرباثوس اليونانية من تصويرهن لإعتقادهن أن ذلك سيؤدي الى إصابتهن بالوهن والموت.

وهل تعرفون لماذا أعتبرها خرافتي المفضلة؟
بدأت طفولتي مع صور شهداء الحرب العراقية الإيرانية، لقد كانت صورة الشهيد منهم مأخوذة بعناية وبـ (pose) شامخ وكأنها جاهزة لإضافة الشريط الأسود والتثبيت على جدران أحدى الغرف الرئيسية للبيت.
وحالياً تثبت خرافتي صحتها، ففي (التفجير الكبير) إستشهد من عائلتي من يمتلك أكبر عدد من الصور الشخصية الفنية ...








الجمعة، 11 نوفمبر 2016

الجنون حرقاً

في برنامج مخصص لسيرته ... يظهر بنظارته الطبية وغطاء رأسه وسكسوكته أمام خلفية سوداء خالية.
(Zoom out)  ... هنالك مغسلة في الخلفية تبرز من العتمة!
 (Zoom out)مرة أخرى ... إنه يجلس على تواليت غربي!            
أما سيجارته التي يمتصها في منتصف جُملهِ وأنتظره لثانيتين لإكمال المعنى، فيرمى رمادها على حاملة ورق التواليت ...
نعم ... لقد كان يجري لقاءه في الحمام! وعندما أنهى كلامه أفرغ خزان التواليت وتوجه الى المغسلة ليغسل يده ووجهه...

هل يسمح له عنوان البرنامج (تصريح بالجنون) هذا الخروج الفظيع عن الشائع والمألوف؟
وهل يؤدي هذا الخروج الفظيع لأن يموت الإنسان وحيداً منفصلاً عن الآخرين ممن يحبون السائد والمألوف كما مات هو؟

لا أعرف مرة أخرى لماذا جذبني عنوان كتابه: (كتاب الجيب للمحكومين بالإعدام).
ويجب أن أقول: لم أفهم منه سوى مقاطع قليلة ولكنني فهمت (الخاتمة):
-لا أريد غير الله حلاً.
-عاش ومات غير هارب وغير متهرب من الموت.
-ياقارئ كتابي ابكي على شبابي.
-كنت أكثر واحد يحب الحياة فأنظر الى قبري وإتعظ.
-كنت مناضلاً من أجل أبنائي.
هذه عبارات عشوائية قرأتها على شاهدات القبور بينما لم توقفني سوى العبارة الآتية: (كنت عرضياً تماماً حتى أن الموت نفسه لا يزيدني الا عبوراً). وهذه الشاهدة لم تكتب بعد ... حسب علمي.
 (إنتهى الأقتباس)

ولا أعلم هل كتب أحدهم هذه العبارة على شاهده كما تمنى؟

وهل سيلتزم الآخرون بالعبارات التي سنوصي بأن تكتب على شواهدنا حتى لو كانت غريبة ومجنونة؟
أريد أن أكتب عبارة: لقد عشت في العراق وإنتوا تعرفون بعد ...

تذكرت الآن السبب الذي جعلني أنجذب للكتاب من بين عشرات الكتب ... يتضمن الكتاب صورة لحبل المشنقة وكنتُ أبحث حينها عن حبل سميك لتجربة صناعة سلم للنجاة من الحرائق في المباني متعددة الطوابق.



لا أعرف إن كنا نحن العراقيين نمتلك كمية هائلة من الأمل، أم أننا نعاني من نقص في الاحساس؟

بعد التفجير الذي حصدت الحرائق التي سببها أرواح المئات من الشباب، وبعد أن علم الجميع أن تلك الخسائر كان سببها عدم توفر متطلبات الوقاية والسلامة والهروب من الحرائق في تلك المباني، لم نطالب المسؤولين عن البناية التي نسكنها أو ندرس فيها أو نمارس عملنا فيها بتوفير تلك المتطلبات لإحتمال حدوث حريق لأي سبب كان.
ففي اليوم السابق قرر أحد (العراقيين الضايجين) أن يدخن سيجارة ضرورية وبعد أن أكملها رمى عقبها في (سندانة) ماتت شجرتها وتركت اوراقها وتربتها يابسة، وبينما كنا نجلس في القاعة، وجدنا أن ممر الحركة قد إمتلئ بالدخان الأبيض وكان الأمر يتطلب عشرين دقيقة تقريباً ليتحول الأمر الى حريق مخيف.
لقد كنا في الطابق الثاني وليس لنا سوى الشبابيك التي نقفز منها الى الأرض موتى ... وهو نفس ما كان لدى شهداء التفجير الآخير.


لذا ... لنختلف ... لنطلب من المسؤولين توفير سلالم للهروب ... لنصنع سلالمنا بأنفسنا ... ولنوصي بالعبارات التي ستكتب على شواهد قبورنا ... ولنقرأ سورة الفاتحة على روح فيلسوف الجنون خضير ميري.






الجمعة، 28 أكتوبر 2016

عن (حبي الضائع في بغداد)

ماهي المشكلة في هذا المكان؟ ما هي المشكلة الكامنة في هؤلاء الناس؟
هل هو المناخ؟ أم الثقافة؟
أم أن المشكلة فينا؟
هذا مايقوله سكوت (مدير أمن بريطاني) متمتماً وهو يخطو في المطبخ بعد فوز المنتخب العراقي لكرة القدم في إحدى مباريات كأس أسيا عام 2006 بعد أن إستعادت مدينة بغداد أنفاسها من جديد وتوجهت بنادق الكلاشنكوف نحو السماء.

أما رانيا فتقول: إنها لا تستطيع أن تفهم العراقيين، وإن جدتها تلقي اللوم كله على نهر دجلة!
فحين كانوا أطفالاً (العراقيون) شربوا من ماء نهر دجلة فحولهم الى أشخاص غريبي الأطوار.

ما أروع أن نحيا بعد الموت .. إنه لرائع فعلاً أن لا يكون الإنسان ميتاً .. إنه لمدهش أن أجد نفسي حياً أرزق وأنا أطير بإتجاه الوطن، كانت الموسيقى تصدح في اذني وأنا أطفو رويداً رويداً بعيداً عن الحرب ... تباً لبغداد... وهذا ماقاله مايكل هيستنغز وهو على متن الطائرة المغادرة لبغداد بإتجاه دبي في إكتوبر عام 2005.

ومايكل هيستنغز هو صحفي وكاتب أمريكي عمل في العراق كمراسل لمجلة نيوزويك وموقع Buzz Feed بعد دخول القوات الأمريكية عام 2003، ليكتب لنا (حبي الضائع في بغداد، قصة حرب معاصرة)، و(منها الأقتباسات السابقة).


عثرت على القصة بين مئات العناوين الأخرى في الشارع، ولعل السبب هو إهتمامي بما يكتبه الآخرون عنا وعن مدينتنا، وأسباب أخرى.
وتمثل القصة وثيقة تأريخية مميزة، نحن بحاجة لها في المستقبل لتقرأها الأجيال القادمة عن الفترة بين 14 آب 2005 و22 كانون الثاني 2007 وبإسلوب وقاعدة معلوماتية محايدة لا تميل الى أي طرف من الأطراف العراقية، تنقلنا عند قرائتها بين مطار بغداد والمنطقة الخضراء والقواعد الأمريكية المختلفة ومناطق بغداد الساخنة والباردة في تلك الفترة.
وبين كل تلك المواضيع الهامشية يظهر الموضوع الرئيس في القصة وهو العلاقة بين مايكل و(آندي)، خطيبته التي تعرف عليها في حفل بمدينة نيويورك لتأتي بعدها للعمل في العراق في المعهد الجمهوري الدولي ومن ثم تتعرض لكمين من قبل طرف معين فتقتل مع حارسها الشخصي وآخرين في موكبها بتأريخ 17 كانون الثاني عام 2007.
لقد أحسست أنني أعرف آندي !
أما مايكل وكما هو الحال دائماً، لا تكتمل القراءة من دون البحث عن الكاتب على الشبكة ... وما أن توصلت الى الأحرف الانكليزية الصحيحة لأسمه حتى كانت المفاجأة.
لقد توفي عام 2013 ... أو: لقد قتل عام 2013 في مدينة لوس أنجلوس بحادث سيارة قد يكون مدبراً ... والاختيار بين الوفاة والقتل قضية أمريكية لم أدخل في تفاصيلها كثيراً.
ولكن المرعب أو الجميل، لا أعرف ... هو موته بنفس الطريقة التي ماتت بها خطيبته في بغداد.


 الحقيقة أن مدينتنا سحرية غريبة الأطوار وقاتلة ... و(رحم الله من زار وخفف). 










الأحد، 23 أكتوبر 2016

لو يجي الريل

نصحتني أستاذتي مرة بعدم استخدام مصطلحات من لهجتنا العراقية العامية في كتاباتي، والسبب هو كي تكون النصوص مفهومة لكل من يقرأ اللغة العربية الفصحى. وأنا استخدم تلك المصطلحات غالباً بهدف ايصال افكاري بصورة واضحة لمستخدمي لهجتنا العامية أو الاستعانة بمثل شعبي كما هو العنوان اليوم.
وقد تأكدت من جدوى النصيحة وأنا اقرأ قبل مدة نصوصاً للأديب والفنان السوداني تاج سر الملك، لم أفهم المصطلحات العامية السودانية، ووجودها يخلق فجوة في قراءة القصة أو المقالة.
في الطرف الآخر نقرأ ونسمع نتاجات الكتّاب المصريين في رواياتهم وقصصهم ومسلسلاتهم وأفلامهم، ونحن نفهم غالباً كل كلمة وتعبير مصري عامي، فهم منذ عشرات الأعوام عملوا على تسويق لهجتهم العامية لكل الدول العربية، وكما قيل قديماً: مصر تكتب .. لبنان تطبع .. والعراق يقرأ.

هذه الجمعة التقطت من رصيف الكتب رواية (السكن في الأدوار العلوية ) لرفعت السعيد، نقلتني لعالم فريد متعدد الطوابق والأبواب ... وأقتبس منها:
-ربنا حكم علينا نقلق الصبح على وابور سونة، والظهر على دوشة المزيكاتي. (وسونة إحدى شخصيات الرواية)

ويوم السبت حكم عليّ ربي أن أقلق بسبب صوت آلة هدم بيت مقابل لبيتنا ومقابل لغرفتي بالتحديد ... بيت قديم ومهجور، أشتكى منه الجيران لصاحبته فقررت أن تهدمه وتحوله الى أرض جرداء قليلة المشاكل ومن ثم تفكر في بنائه مستقبلاً.
ولأني مختص بالبناء سحبني فضولي من غرفتي لمشاهدة عملية الهدم الصباحية:
 مقاول الهدم وعدد من العمال وآلة الهدم وشاحنات لنقل الأنقاض وجيران متفرجين يحرسون أسلاكهم الكهربائية.

ولأن البيت مشيد في الأربعينيات من القرن الماضي كما يقول الحاج هادي، فهو متهالك ... وبمجرد دفعة بسيطة من ذراع الألة تنهار الجدران والسقوف، ويبدأ العمال بفرز الطابوق بأيديهم ونقله لسيارات الشحن لغرض بيعه وإعادة استخدامه في عملية بناء أخرى.
ومن ثم يستخرجون الإطارات الحديدية والخشبية للأبواب والشبابيك ولأن البيت مسقف بنظام (العكَادة) فمن المفترض أن يقوموا بإخراج (الشيلمان) ولكن لم يكن هنالك شيلمان !
هل تساءلتم ما علاقة استخدام اللغة العامية وعملية الهدم بعنوان: لو يجي الريل؟
سأقول لكم، لقد كانت هنالك قطع من سكة قطار مستخدمة في البناء بدلاً عن الشيلمان ... قطع بطول أربعة أمتار تقريباً وهي أجزاء من سكة حديدية سابقة، لا أعرف كيف حصل عليها من بنى البيت ... أما سبب إستخدامها فيقول الحاج هادي أيضاً :
أن الحديد لم يكن متوفر في السابق، واستخدام سكة تم الاستغناء عنها أقل كلفة من شراء الشيلمان، وبالنسبة لي فأنا أعرف بهذا الاستخدام لأول مرة.




نحن ندعوا لمفهوم الإستدامة وهو ما يشغل العالم الآن، ولكننا بعيدين عن تطبيق المفهوم في بنائنا الحالي، في حين أن مباني الماضي هي أكثر تطبيقاً للمفهوم المعاصر.
لقد كان البيت المرحوم مستدام في استخدام مواد بناء محلية قابلة للاستخدام مرة أخرى وإعادة استخدام مقاطع سكك الحديد، بعد إنتفاء استخدامها لوظيفتها الاصلية بالاضافة الى أن صاحبه لا يستطيع أن يستخدم عبارة (لو يجي الريل) للتعبير عن أستحالة الأشياء لأن الريل موجود في سقف بيته!

والريل كما نعلم تسمية عامية للقطار وهي بأصلها الانكليزي (rail) والتي تترجم كسكة وليس القطار نفسه.

ويخاطبه مظفر النواب في (الريل وحمد) فيقول له:
يا ريل طلعوا دغش ... والعشكً جذابي ... دك بيّة كل العمر ما يطفة عطابي

وسأكتب لكم مستقبلاً عن البيت الجديد الذي سيبنى بدلاً عن السابق وعن (العطّابة) كعلاج كانت تستخدمه جدتي لمعالجة الجروح.















الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

قال لي الحمزة

في وقت سابق ونتيجة لإستطلاع آراء عدد من الطلبة، توصلنا الى أن هنالك عدد من الامكانات الضرورية لدى طالب هندسة العمارة، ليتمكن من النجاح في سنوات دراسته أولاً وفي ممارسة المهنة ثانياً، وهو في كلا الحالتين راغب أو متعايش مع طبيعة تلك الدراسة والمهنة وليس منزعج أو مكتئب منها. وتلك الامكانات تتمثل بــ:
-       امتلاك المهارة اليدوية في الرسم وانجاز الأعمال الدقيقة.
-       امتلاك مخيلة واسعة، بمعنى أن تكون قادراً على تكوين صور في ذهنك لأشياء غير موجودة أمامك في الواقع المادي.
-       الاهتمام بالتكنولوجيا المعاصرة والمهارة في استخدام أجهزة وبرمجيات الكومبيوتر.
-       القابلية البدنية والقدرة على العمل المستمر وامتلاك صفات التحمل والصبر.
-       امتلاك شخصية غير تقليدية مجردة من قيود المجتمع المحدد للفكر والسلوك.
-       امتلاك القابليات الفنية، ليس بممارسة الرسم حصراً وإنما قد تكون في تذوق الفن والإعجاب بالأعمال الفنية.
-       الإمكانية المادية للعائلة، لأن سنوات الدراسة الخمسة بحاجة الي الكثير من المصاريف المستمرة.
-       القابليات الاجتماعية في التكيف مع المجموعة وإمكانيات الحوار والإقناع والعمل الجماعي.
وقلنا في حينها أيضاً أن توفر كل تلك الإمكانات مبالغ به جداً، ولكن الهدف هو أن يكون الطالب على وعي بالتحديات التي سيواجهها في دراسته، وأن لا يقع في مطب القبول في دراسة لا يتناسب معها ليعيش 5 سنوات من المعاناة والتوتر النفسي ليتخرج مهندساً معمارياً غير ناجح.


وحتى اليوم كنت أعتقد أن من لا يمتلك هذه الإمكانات أو أهمها كامتلاك المخيلة الواسعة والتذوق الفني، عليه أن يختار دراسة تخصص آخر يتلائم مع قابلياته الشخصية، ومع ما تتوفر لديه من فرص طبعاً في قوانين وزارة التعليم العالي العراقية من التحويل أو إعادة الترشيح أو ماتوفره الكليات الأهلية من فرص أخرى.
ولأنني كنت شاهداً على الطلبة الذين قضوا سنوات الدراسة وهم يعانون من متطلباتها، وينجحون (بطلعان الروح) سنة بعد أخرى، ليتخرجوا بعدها بحد أدنى من المعرفة المعمارية ورغبة بترك هندسة العمارة الى الأبد، فقد كنت أعتقد أن توضيح ذلك الموقف لطلبة المرحلة الأولى في بداية العام الدراسي ودعوتهم لاتخاذ القرار بترك هندسة العمارة يصب في مصلحتهم، لأن العام الدراسي في بدايته ولديهم إمكانية الإنتظام في دراسة أخرى بنفس العام، دون خسارة سنة في حال انتظامهم في دراسة العمارة ثم بعد منتصف العام الدراسي مثلاً أو أكثر يقرروا تركها واختيار دراسة أخرى في السنة اللاحقة.

ولكن قال لي الحمزة اليوم أن هذه الفكرة غير صحيحة ...
بعد محاضرة أو محاضرتين من بدأ العام الدراسي لا يستطيع الطالب التعرف على حقيقة متطلبات الدراسة، فنحن نقول له أنت بحاجة الى كذا وكذا وكذا، ولكنه لا يعرف إن كان يمتلكها أصلا أو لا ...
لم يجرب أن يستخدم خياله، ولا يعرف بالضبط ماهو التذوق الفني وهل يمتلكه أو لا، لم يجرب أن يرسم أو يصنع شئ بيده، ونحن نأتي لنقول له إذا لم تمتلك تلك القابليات فعليك بترك هندسة العمارة ...
لذا سيقع تحت تأثير الترهيب من صعوبة الدراسة ومتطلباتها ونتيجة لكلامنا فقط وليس نتيجة للتجربة الشخصية.
يقول الحمزة: علينا أن نترك الطلبة يجربوا الدراسة بأنفسهم ولمدة كافية قد تكون نصف سنة أو أكثر، ومن ثم يقرروا تركها أو البقاء فيها بعد أن يعرفوا جيداً ما يتوفر لديهم من إمكانيات شخصية قد تكون كامنة وغير مكتشفة.
لذا كان رأيي يعتمد على فكرة عدم تضييع عام دراسي على الطالب واختيار دراسة أخرى في نفس العام.
ورأي الحمزة يعتمد على ترك الطالب ليجرب هندسة العمارة بنفسه ولا يعتمد على كلامنا فقط بصعوبة الدراسة وضرورة تركها.

يجب أن أعترف هنا أنني سأخذ برأي الحمزة مستقبلاً ... ليخسر الطالب سنة دراسية ولكنه على الأقل ليتعرف على هندسة العمارة بنفسه ويختارها أو يتركها عن قناعة وتجربة.










الجمعة، 30 سبتمبر 2016

المهندس المعماري والسجائر

هل يناسب التدخين الصورة المثالية للمهندس المعماري؟

الصورة المثالية التي أسس لها أولاً المعماريين المشاهير على المستوى العالمي من خلال صورهم ولقاءاتهم الفديوية في وسائل الإعلام السابقة (الكتب والمجلات والتلفزيون)، ووسائل الإعلام الحالية (المواقع المتنوعة على الشبكة)، وأسس لها ثانياً كتّاب ومخرجي الأفلام الأمريكية من خلال تفاصيل شخصية المهندس المعماري في أفلامهم.
هل نشاهد المشاهير من المعماريين وممثلي أدوارهم وهم يدخنون السجائر؟

هنا يجب أن نميز بين نوعين أو ثلاثة أنواع من تجهيزات التبغ للتدخين:
السجائر الإعتيادية، السيجار الكوبي وشبيهاته، والغليون أو كما نسميه pipe.

واستطيع القول أننا في الصورة المثالية لا نرى المهندس المعماري وهو يدخن السيجارة الإعتيادية، فهو يدخن غالباً السيجار أو الـ (pipe)، ولأن المعماريين المشاهير يصلون الشهرة بعد مسيرة طويلة، فإن أعمارهم الكبيرة تلائم القوة التعبيرية لتلك النوعيتين (لأن تدخين الشباب لهما يبدو كنوع من المبالغة)، أما الصورة المثالية للمعماريين الشباب فهي (كما اتصفح ذاكرتي) خالية من السجائر بأنواعها.


في وصف سابق للمعماريين من قبل الكاتبة (Annie Choi) بأنهم ذوو رائحة رائعة طوال الوقت، والتدخين يتعارض مع هذا الوصف، وخاصة رائحة السجائر الاعتيادية، فهي تتحول الى رائحة غير مقبولة عند الإكثار منها.
لذا فإن تدخين السجائر الإعتيادية يتنافى مع الصورة المثالية للمهندس المعماري التي نطمح غالباً بالوصول اليها.

هل لاحظتم أنني لم أحدد بدقة مواصفات تلك الصورة؟

لأن ذلك بحاجة الى تفاصيل كثيرة خارج قضية التدخين، ولكن يمكن القول أن تلك الصورة في الغالب يجب أن تكون مميزة عن صور الشخصيات الأخرى. الصورة هي خارجية طبعاً تتضمن الملابس والاكسسوارات الرجالية، والتميز يكمن في وجود توجه معين ولو بالغنا لقلنا (فلسفة) في اختيار تلك الملابس والاكسسوارات.    

وتتداخل النقاشات حول التدخين مع قضية الحرية الشخصية بالتأكيد، وما هي حدود تلك الحرية، وبما أننا نعتمد المجتمعات الغربية المتحضرة كمقياس لنقد كل تصرفاتنا الخاطئة، فلنعتمد بالتعامل مع التدخين والمدخنين حدود الحريات في تلك المجتمعات الغربية، ولا أعتقد أن أحداً اليوم لا يعرف تلك الحدود وطبيعة الأماكن المرخصة للتدخين، في الفضاءات المغلقة؟ بالتأكيد لا، في فضاءات ومباني وسيارات النقل العام؟ بالتأكيد لا ... يقولون للمدخنين: إذهب أنت وربك ....  (وسأسمح لنفسي التفكير بالسيجارة كـــرب للمدخن !) 

ما أحاول إثباته أن التدخين غير ملائم (لمظهر) المعماريين الشباب في محاولة لتحشيد دليل مقنع بترك التدخين، لأننا كشباب نهتم بالمظهر الخارجي الشخصي أكثر من صحة الجسم الداخلية، نتبع المودة في أغلب تفصيلاتها، قصات الشعر قطع الملابس عدم ارتداء الجوارب أو إرتداء جوارب (مال حصار)، أعتقد إن حجمها مقارب لحجم الصمون الذي كنا نأكله في الحصار الاقتصادي الماضي.

 لذا فالمودة تقول أن المعماري الشاب لا يدخن ... ولكل قاعدة شواذ بالتأكيد.

فكرت بمقولة جديدة للحد من التدخين: دخّن حتى نخلص منك بسرعة (:

ولكن هل يموت المدخن (ناقص عمر) ؟ 








الاثنين، 26 سبتمبر 2016

المؤتمرات العراقية .. كلاكيت ثاني مرّة


نعم ... وكما تمنيت سابقاً ... هنالك طبقة خاصة في الجحيم لمن يدخل جلسة مؤتمر ويستمر بالكلام أثناء عرض الباحث لفكرة بحثه.
نستطيع أن نتكلم بملاحظات أو تعليقات مختصرة جداً وبصوت منخفض ... ولكن الحديث المستمر جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون.


وعن الكلام أيضاً وفي العراق اليوم من يريد أن يعيش بعيداً عن الأمراض المزمنة والحاجة الماسة الى التدخين عليه أن يضع قواعد جديدة للكلام وعدمه، وقد تكون القواعد موجودة سابقاً ولكنه على الأقل يحاول تطبيقها لمصلحته الشخصية وليس لمصلحة أحد آخر.

يعتمد منتجي الأفلام المصرية التي تثير الجدل على سؤال يهدم موقف الناقد المهاجم للفلم:
-       هو إنت شوفت الفلم؟
وغالباً ما يجيب الناقد أو رجل الدين أنه لم يشاهد الفلم (أو قد يكون شاهده ولا يستطيع الاعتراف بذلك)، فيقول له المنتج :
-       أومال حكمت عليه إزاي؟!
لذا ولنحافظ على قوة موقفنا، يفضل أن لا ننقد أو نحكم على أفلام، كتب، بحوث، مناسبات، أحداث دون أن نشاهد ونقرأ ونحضر في المكان والزمان ونرى بأعيننا دون إعتماد على القيل والقال.

هل أطبّق أنا ذلك؟ بالتأكيد لا ... الكلام في كل شئ والإعتماد على القيل والقال صفة عراقية أو حتى إنسانية، ولكنني سأحاول قدر الإمكان.

ثانياً عدم إعطاء المواضيع والأحداث العراقية حجماً أكبر من حجمها الحقيقي الذي نعرفه جميعاً ونعيشه منذ سنين طويلة، ذلك يخلصنا أيضاً من الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر.
فعندما ننوي حضور حدث عراقي بإمتياز ونحن نمتلك خبرة وتجربة سابقة في حضور مثل تلك الأحداث، يفضل أن لا نتوقع الكثير خارج الصورة التي نمتلكها سابقاً، لأننا لا نزال في العراق ... ولسنا بحاجة الى الشكوى طبعاً بأن تلك الصورة قاصرة وقد تكون بائسة، لأننا لم نخرج من سياق الصورة السابقة.

قد يعتبر البعض أن هذا الموقف سلبي ويرضى بالمشاكل ويتقبلها، ولكن هل يغير الكلام من شئ؟

هنالك سيطرة أمنية في الشارع مثلاً، ونحن نعرف من تجاربنا أن السيطرات عديمة الفائدة وهي تستهلك الوقت ليس إلا، ولكن لو تكلمنا عن مشكلة السيطرة وذكرنا الأمثلة والحلول وشتمنا القاصي والداني .. هل سيتغير شئ ؟
جيد ... لنستغل وقت الوقوف في السيطرة لسماع برنامج مفيد ينقلنا الى عالم آخر.

وأخيراً من يتحمل عدم إنتباه الحضور لكلام الباحث وهو يلقي بحثه على المنصة؟ الباحث أم الحضور؟
بغض النظر عن نوعية الحضور الذين سيذهبوا الى الجحيم، فهنالك مسؤولية على الباحث في جذب إنتباه الحضور، وأنا أعتقد إن جذب الإنتباه حالة تبدأ منذ أن يقرأ الحضور عنوان البحث حتى لو قبل شهر أو إسبوع.
فعندما يُعلن برنامج المؤتمر بأسماء البحوث المشتركة، يقرر القارئ لا إرادياً أي من البحوث سيستمع له بإنتباه. وكل ذلك يعتمد على طبيعة المفردات والعلاقات المستخدمة في العنوان.
فلو قرأنا عنواناً يحتوي على مفردات نعرفها مسبقاً وقرأنا عنها ونعرف أن أغلب البحوث السابقة المتضمنة تلك المفردات لم تصل الى حلول عملية على أرض الواقع، فلن نهتم بالإستماع الى ما سيقوله الباحث حتى لو كان منطقياً.
ولكننا عندما نقرأ مفردات جديدة أو غريبة أو وجود علاقة غير مسبوقة فأننا سنقرر الإستماع بإنتباه لنعرف محتوى البحث وقد نصاب بخيبة أمل بعد ذلك، ولكن على الأقل قد حقق الباحث جذب الجمهور.
فإثارة الفضول هو سر الجذب، والفضول يثار حول مفردات أو علاقات جديدة.

وتكون خلطة المؤتمرات العراقية في النهاية:
إن كنت مستمعاً فحاول أن تمتنع عن الكلام خلال العرض، ومن ثم لا تتوقع الكثير خارج الصورة التي تمتلكها عن المؤتمرات العراقية.
وإن كنت باحثاً فحاول أن تختار عنوان بحث جديد، غريب، مثير ولا تتوقع أيضاً الكثير خارج الصورة التي تمتلكها عن المؤتمرات العراقية.
وإن لم تكن مستمعاً ولا باحثاً فحاول أن تشارك في المؤتمرات القادمة فهي كالحصى التي ترمى في بركة راكدة.