الخميس، 21 نوفمبر 2013

الحاكم والمعمار- سر الشهرة الأول

"لقد كنت الأعظم بين المعظمين على وجه الارض، لقد كنت المفضل لدى الملك، فأنا رئيس رؤساء العمل، المتفوق العظيم، الشخص الذي تنقل اليه جميع أخبار مصر، النبيل الذي يطاع ..."

من ياترى يستطيع أن يتكلم بمثل هذه الثقة؟ من كان يتمتع بكل تلك الصلاحيات؟ وزير؟ قائد عسكري؟ كلا فما سبق من نص وجد مكتوباً على شاهد قبر(سنموت)(Senmut) المعمار الفرعوني الذي بنى للملكة(حتشبسوت) (Hatshepsut)خامس فراعنة الأسرة الثامنة عشر معبدها الشهير في الدير البحري، والذي منحته 80 لقبًا ملكيًا وسمحت له بأن يضع اسمه وصورته خلف أحد الأبواب الرئيسية لذلك المعبد .
ولأن الرغبات الإنسانية لم تتغير منذ الأزل فمن منا لا يرغب أن يسجل التأريخ أسمه وما سيكتب على قبره؟ وقبل ذلك من منا لا يرغب أن ترى تصاميمه النور؟ تصاميمه لأهم المباني في المدينة، يبذل قصارى جهده لأخراجها بأبهى صورة تعكس فكره الذي يؤمن به أو لا يؤمن !
ومرة أخرى يخبرنا التأريخ بالوسيلة التي تحقق ذلك وهي: (أن يقترب منك الحاكم) نعم أن يقترب منك الحاكم أو (أن تقترب منه أنت) فالمثل الشعبي يقول:(الي ميجي وياك روح وياه) وللتأريخ علاوة على سيرة (Senmut) الكثير من الدلائل على ذلك وبمختلف الازمان والحكام :
-       دوناتو برامنته(Donato Brament): وصلت على يديه عمارة النهضة الإيطالية في روما أوجها وهو يرتبط بشكل مباشر وتام بالبابا يوليوس الثاني الذي كان الراعي الاكبر لأعماله وكان العمل الأهم الذي كلفه به البابا هو تصميم كتدرائية سان بيترو في الفاتيكان بروما.
-       ألبرت شبير (Albert Speer): مهندس معماري وسياسي ألماني وعضو في الحزب النازي ، كان مديراً لإنتاج الاسلحة في ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية وعمل مستشاراً للزعيم النازي أدولف هتلر، وكانت أولى مهماته هو تصميم ملعب زبلين فيلد في نورنبرغ وهو المكان الذي تجري فيه المسيرات الضخمة الرسمية والدعائية . 

سنموت وهو يحتضن نفرورع

ألبرت شبير مع هتلر يشرح له احد تصاميمه 
وهنالك الكثير من المعماريين غيرهم حول العالم والحال ينطبق على المعماريين المحليين أيضاً فرفعت الجادرجي مثلاً قام عبد الكريم قاسم في نهاية عام 1958، بتكليفه بتصميم ثلاثة نُصب في بغداد لتخليد ثورة 14 تموز. ويقول الجادرجي في كتابه ( الاخيضر والقصر البلوري) : "وعرضت على قاسم رسماً لنصب 14 تموز، ولم يكن أكثر من تخطيط كبير لجدار مرتفع... وقد بينت له أن هذا السطح سيحتوي على نحت ناتئ يمثل الثورة، فوافق على الفكرة من غير مناقشة"  ! فكان نصب الحرية وسط ساحة التحرير !
نصب الجندي المجهول لرفعت الجادرجي
نصب الحرية في بغداد
أما في عهد النظام السابق فبالتأكيد التأريخ يعيد نفسه وهنالك العديد من الأسماء التي برزت في تلك الفترة الزمنية، صممت ونفذت الكثير من الاعمال المعمارية المجسدة لفكر تلك المرحلة .
ولأن لكل شئ ثمن فما هو ثمن تلك الشهرة التي ننالها من الاقتراب ومرافقة الحاكم ؟ هل نعود للتأريخ لنرى الثمن؟ لقد تحدث (ألبرت شبير (Albert Speer)(مع كاتب سيرة حياته قائلاً: "بالطبع كنت مدركا تماما أن هتلر يريد ان يهيمن على العالم ... في ذلك الوقت لم أسأل عن شيء أفضل وهذا هو بيت القصيد من المباني التي صممتها في البلد، كل ما أردته ان يكون هذا الرجل العظيم المسيطر على العالم" أي يجب أن تتخلى أولاً عن مبادئك الخاصة تكون معه على الحق والباطل وستكون محظوظاً لو كان على الحق وهو نادر (عبد الكريم قاسم نموذجاً) أما ثانياً فيجب أن تتحمل أضرار تغير الحاكم فعند استسلام ألمانيا، قُدم (ألبرت شبير  (Albert Speer)( للمحاكمة بأعتباره مجرم حرب و حكم عليه بالسجن 20 عاماً .  

وأخيراً يمكن عمل وصفة للشهرة المؤكدة مع الحاكم تتمثل بالـتالي :
-        أقترب من الحاكم المعاصر أو اجتهد في لفت انتباهه ليقترب منك.
-       تخلي عن كل ماتؤمن به ويتعارض مع فكر الحاكم واهدافه.
-       حاول القيام بالخطوتين السابقتين في وقت مبكر من حكمه لانه سيذهب ويأتي غيره عاجلاً أم أجلاً وبذلك تتمتع بالوقت الكافي لانجاز أعمالك المعمارية.
-       خلال فترة عملك معه إحرص على تحضير حياة مستقبلية بديلة في أي مكان أخر بعيداً عن الحاكم الذي يأتي بعده (هذه الخطوة اختيارية فقد يكون الحاكم الجديد يسير على نهج الأول وهي حالة نادرة في العراق) .

ولكن بالتأكيد هنالك بديل أخر: أبتعد عن كل ما سبق وإتبع المثل القائل (مفلس بالقافلة أمين) .

بلال سمير



    

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

العمارة الذكورية أم الانثوية ؟

بعد أن تحول المجتمع البغدادي من المدنية الى العشائرية لأسباب ومسببات معروفة للجميع ، روى لي أحدهم عن كلمة البدء في تلك الجلسات العشائرية حيث يبدء الكبير بالقول: (تريدون حكم العشيرة لو حكم رب العالمين؟) فالشيخ يحاول من ذلك أن يثبّت الإطار أو المنظار الذي سينظر من خلاله جميع الحضور للمشكلة قيد التداول، هل هو الدين الأسلامي أم شريعة الغاب؟
ذلك الإطار المحدد للقضية يشابه الإطار الذي يملكه كل أنسان وينظر من خلاله الى الكون والذي أشار له الدكتور علي الوردي في كتابه (خوارق اللاشعور) بالقول:(كل إنسان على عقله منظار أو إطار ينظر الى الكون من خلاله وهو إذن لا يصدق بالامور التي تقع خارج هذا الإطار، وكثيراً ما يختلف إثنان على حقيقة من الحقائق، فإذا فحصنا مصدر الخلاف وجدناه كامناَ في الإطار الذي ينظر به كل منهما الى الحقيقة)[1] ويضيف (إن الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله الى الكون مؤلف جزءه الأكبر من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع اليه ويغرزها في أعماق عقله الباطن)[2].
وفي الحديث اليوم عن العمارة التقليدية والسكنية منها خاصة كالبيت البغدادي والمساكن التقليدية المرتبطة بجغرافية الدول العربية الاسلامية أحببت أن أنظر لها من إطار مقابل للإطار الذي تحدث فيه الدكتور شاكر لعيبي في كتابه (العمارة الذكورية: فن البناء والمعايير الأجتماعية والاخلاقية في العالم العربي) والذي يفترض في فرضيته(صفر) الى إن (بداهة) حجب النساء هي الخلفية التي تشتغل فيها العمارة العربية والهندسة الاسلامية، ويظن أن المعيار الاخلاقي والقيمي المقلّل من شأن النسوة يسعى الى تطويع الطبيعة نفسها لإشتراطاته وأحكامه، ويسمي فرضيته (الاولى) (إشكالية العمارة التقليدية الأولى هي حجب المرأة) ويشير أيضاً الى إن هنالك أكثر من تفصيل دقيق واحد يبرهن على وضعية النساء في الفضاء المعماري التقليدي حيث تصبح الدار بالنسبة اليهن بمثابة سجن مكيّف ومريح. ومن المؤكد عدم إمكانية الإلمام بفرضيات الكتاب العشرة وتفصيلاتها هنا إلا إن خلاصة القول هو حرص العمارة التقليدية على حجب المرأة عن الفضاءات العامة من خلال الفناءات الداخلية المعزولة، قلة الفتحات بين الداخل والخارج وصغر حجمها وعلو موقعها ان وجدت علاوة على ما توفره الشناشيل (المشربيات) من إمكانية النظر من الداخل الى الخارج وتمنع العكس والكثير من المعالجات المعمارية التي تؤكد على استقلالية وخصوصية البيت العربي واخيراَ تميّز فضاءات الديوانية والمجلس  المخصصة للرجال والتي تقتصر على العمارة الخليجية وعمارة المجتمع العشائري في العراق بعيداً عن مدنية بغداد المفقودة وبالمقابل حرية الرجل في الحركة والظهور في الفضاءات الخاصة والعامة، ولأجل كل ما سبق يمكن أن نطلق على العمارة التقليدية صفة (العمارة الذكورية).

فناء وسطي لبيت دمشقي
انعدام فتحتات الشبابيك في الطابق الارضي واستخدام الشناشيل في الاول
شناشيل من البصرة حالياً

ويصبح السؤال هنا: هل إن المجتمعات التي أنتجت المساكن التقليدية مجتمعات مسلمة يتبع أفرادها التعاليم الاسلامية؟ في بغداد الإجابة هي (نعم) بالتأكيد وفيما يخص المرأة التي يمثل حجبها إشكالية العمارة التقليدية الأولى فقد فرض الله سبحانه وتعالى عليها إرتداء الحجاب، ويستنبط المسلمون فرض الحجاب من قوله تعالى:(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[3] و قوله تعالى:(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)[4] ، وقد إتفق المفسرون على صفات عامة للحجاب تتغير تفاصيلها بتغير الأزمان وهي أن يكون الحجاب ساتراً للبدن، كثيفاً غير رقيق ، فضفاضاً واسعاً غير ضيق وغيرها من الصفات، ولكي تمارس المرأة حياتها داخل مسكنها من غير ارتداء الحجاب وجب الا تكون عرضة لنظر المارة والجيران فأصبح المسكن التقليدي بخصائصه مارة الذكر هو حجابها الأكبر مقياساً يساعدها على تطبيق التعليمات الاسلامية.
 وبعيداً عن أخطاء تطبيق التعاليم الاسلامية والمشاكل الاجتماعية لثنائية (الرجل–المرأة) أحببت ان أرى المسكن التقليدي من زاوية أخرى، والتحول من (سجن مكيّف ومريح) الى (قوقعة تحمي اللؤلؤة) من أعين الغرباء فهو يميل الى خدمة المرأة اكثر من الرجل، وبهذا فهل من الممكن أن نطلق على العمارة التقليدية صفة (العمارة الأنثوية)؟    



[1] خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة ، الدكتور علي الوردي ، ص13
[2] المصدر السابق ، ص47
[3] سورة النور، 30-31
[4] سورة الاحزاب،59 

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

ثنائية (معاصرة- تفخيخ) في العمارة العراقية

عند إجراء الدراسات التي تسبق عملية التصميم المعماري لأي مشروع أكاديمي يبدء الطلبة بدراسة واقع حال الموقع المقترح للتصميم من قبل الكادر التدريسي ، ومن دراسة طبيعة عناصر الموقع وما يدور فيه وحوله من أحداث ترتبط بواقع الحياة في العراق (بغداد بالتحديد) يثار غالباً السؤال التالي: هل يأخذ التصميم الاكاديمي الظروف الحالية للواقع العراقي بنظر الاعتبار؟ أم يتم التصميم لمرحلة مستقبلية مثالية خالية من المشاكل الحالية؟ أما في المشاريع على أرض الواقع قد يكون الأمر مختلف فصاحب المشروع منذ الأزل يطلب الفائدة الإقتصادية وأي تصميم من قبل المعماري يجب أن يتفاعل مع الظروف الحالية لتحقيق تلك الفائدة المرجوة .
والحديث عن المشاكل الحالية في بغداد لا يكتمل ابداً من غير ذكر المشاكل الأمنية المتعددة وبالتحديد أنفجارات السيارات المفخخة والتي لا يعصى عليها شارع أو زقاق في المدينة فأصبحت العنوان لأيام بغداد ولياليها في النشرات الاخبارية ، هذا الحال البغدادي (الحاضر) سيكون من المؤكد جزءاً من مستقبل المدينة ، مستقبل زاهر أم مستقبل (منيل) سيكون هذا الحاضر لبنة من لبنات بناءه المستمر.

وبالعودة الى العمارة والتصميم في ظل تلك الظروف يثار سؤال أخر في معظم الأحيان: ماهي صورة العمارة المعاصرة؟ سأفترض إن صورتها عند عامة الناس وحتى المعماريين منهم هي العمارة التي تحتوي على مساحات واسعة من الزجاج . وسبب تلك الصورة هو وسائل الإعلام الحالية ، قد تقولون وما دور وسائل الإعلام ؟ فأقول إننا (وأنا الأول) معجبون بالغرب وصورهُ وزاد الأمر بعد حرب 2003 وسقوط المحظور ودخول القنوات الفضائية ثم الأنترنت بعدها من أوسع الأبواب لنشاهد عمارة الغرب ونعجب بها ونحاول أن نجعلها مقياساً لنتاجاتنا المعمارية المعاصرة ، ويأتي سؤال أخر هنا: ماسبب إستخدام العمارة الغربية للمساحات الزجاجية بكثرة؟
منذ البداية عام 1851 عند إقامة المعرض الصناعي العالمي في لندن والمسمى بـ(القصر البلوري) الذي قام بتصميمه جوزيف بلاكستون كان السبب هو التعبير عن التنافس الصناعي بين الدول الاوربية الناشئة حينها ، فإنهاء واجهات مباني عملاقة بمادة الزجاج سهلة الكسر هو تحدي تكنولوجي يجذب المتلقى للمبنى وينال اعجابه ، والسبب الأخر بيئي مرتبط بالبيئة الباردة حيث يعمل الزجاج المعالج على كسب الحرارة من شمس الشتاء والتوفير بالتالي من الطاقة المصروفة على التدفئة داخل المبنى واخيراً لأغراض تجارية فالمباني التجارية تجذب المشتري من بعيد برؤيته للسلع والمتسوقين من خلال الواجهات الزجاجية الواسعة لتلك المباني .

القصر البلوري من الداخل

واليوم في بغداد نحن بين إنتاج عمارة معاصرة (ذات مساحات زجاجية واسعة) وبين الظروف التي نمر بها (تفجيرات السيارات المفخخة) ثنائية لا يجتمع طرفيها ، فكم من المباني التي تأثر زجاجها بالتفجيرات التي وقعت قربها وبالتأكيد ليس المهم الخسائر المادية الناتجة عن تكسر الزجاج و إنما سلامة المستخدمين داخل البناية وخارجها من تشظيات الزجاج وإندفاعه للداخل .
ولأن المبنى أو أي عنصر أخر من عناصر البيئة المبنية للمدينة التي تخص فترة ونمط معينين تعتبر شاهداً على روح العصر السائدة وإن كل مدينة يمكن ان تقرأ كنص متعدد الطبقات أو أنها مجموعة من الرموز والأشارات وتصبح البيئات المبنية عبارة عن (سيرة حياة للتغير الحضري للمدينة) أحببت أن اشير الى مبنيين يعبران عن روح بغداد اليوم من خلال تعاملهما مع ثنائية (معاصرة - تفخيخ) أو (زجاج- تفجيرات) بعد أن تعرض كلاهما الى تفجير بسيارة مفخخة ويمثلان طبقة تقرأ في مستقبل المدينة :
-         أسواق وتجهيزات الوردة الغذائية (بغداد- كرادة خارج):
بعد التفجير عمل أصحاب القرار في الاسواق على رفع كل الفتحات الزجاجية للواجهة الأمامية حيث أصبحت واجهة صماء تخلو من أي فتحة سوى بوابة الدخول والخروج وتم الإستعاضة عن عرض المنتوجات والجذب التجاري بلافتات إعلانية تم تثبيتها في مواقع الفتحات الزجاجية السابقة تمثل العلامات التجارية للمنتجات وهذا يمثل أحد الحلول التصميمية التي تتجاوب مع واقع حال الشارع العراقي والذي يتمثل بالتخلص من أي مساحة زجاجية في المباني التجارية بسبب التفجيرات المتكررة والتعويض عنها باللافتات الإعلانية.

الاسواق بعد التفجير

-         جامع وحسينية عباس التميمي (بغداد- كرادة داخل-أرخيته): 
بعد تعرض الجامع والحسينيات لموجة واسعة من التفجيرات عمل أصحاب الجامع على إعادة إعمار الجامع وللأسف لا أعرف الجهة المصممة أو المشرفة على إعادة الإعمار والتي اتخذت عدد من القرارات التصميمية التي تؤشر للمرحلة ومنها: عدم وجود أي فتحة زجاجية على الواجهتين الامامية والجانبية للجامع ، إستخدام الجدران االخارجية المزدوجة علاوة على سياج حديدي خارجي وذلك للتقليل من تأثير التفجيرات المستقبلية فكان الهدف بناء حصن للمصلين خالي من الفتحات وبأكثر من جدار دفاعي خارجي .
وأخيراً فإن الإجابة عن السؤال الأول من وجهة نظري هو وضع تصاميم أكاديمية مرتبطة بواقع الحال لأنه وإن لم يستمر وهذا ما اتمناه فإنه سوف يكون جزءاً من تأريخ المدينة الذي يتعرض له الطالب أثناء دراسته ليصمم بعد تخرجهُ أعمالاً معمارية لمستقبل مزهر خالي من الصبات الكونكريتية والسيطرات الذكية في الشوارع .










الجمعة، 25 أكتوبر 2013

الكوميديا والعمارة

يقول أوسكار وايلد [1]: "إذا أردت أن تقــول الحقيقة للـــناس فاجعـلهم يضـحكون، وإلا فسوف يقتلونــك" وبما إننا في عصر أصبح يؤمن أكثر وأكثر بالفلسفة البراغماتية (أن المنفعة العملية هي المقياس لصحة أي الشيء) فالحقيقة من وجهة نظر تلك الفلسفة هي (الفكرة الناجحة أو الحقيقة النافعة أو الفرضية العلمية التي تحققها التجربة)[2]  أي إن الحقيقة في هذا الزمن هي أي فكرة نظرية تثبت نجاحها على أرض الواقع المادي ، وكل شخص يمتلك تلك الحقيقة المادية ويحاول أن يوصلها للناس سواء لأغراض إنسانية أو أغراض تسويقية يجب أن يجعلهم يضحكون كما يخبرنا أوسكار وايلد، الذي قال تلك المقولة نتيجة معرفته لطبيعة المجتمع خلال الحقبة التي عاشها (1854-1900) ، ولكن هل هي صالحة حتى هذه اللحظة ؟   
أوسكار وايلد
في مكاني وزماني أنا (بغداد-2013) هي صالحة أكثر من أي وقت مضى ، فنتيجة للظروف السيئة التي يمر بها الجميع فإننا نفتقد الضحك والمرح خلال الحياة اليومية ونبحث عن مصادر خارجية لهما ، قد تكون البرامج التلفزونية أو المواقع الالكترونية بما تحتويه من مواد مقروءة ومرئية-مسموعة أو النكتة البغدادية الاصيلة (وليست الشرقية سيئة الذوق والسمعة) .
وهنا نصل الى النتاجات المعمارية ، أليست هي أفكار وظيفية وجمالية وأقتصادية تنفذ على أرض الواقع ليستخدمها الناس ويختبرون كفاءتها وملائمتها للإستخدام الجسدي والنفسي المريح ؟ إذن كيف نقول لهم تلك الأفكار ونجعلهم يضحكون لكي ننجو من القتل ؟! (قد يكون القتل اليوم مجازي عن طريق الأساءة لسمعة المصمم وذمهُ وذم ابوه وجده والعشيرة ومن علمه العمارة)( أنعل أبو المصمم لابو ............الخ )
أنقل لكم بعضاً مما كتبه (Ian Martin) في مقاله عن الارتباط بين الكوميديا والمباني بعنوان:
(I have seen the future and its stand-up architecture)
إن القواعد للكوميديا والعمارة هي نفسها بالضبط ، على الأقل فإن كل شئ له مكان محدد ، والعمارة أساساً هي مزحة كبيرة واحدة ! وفيما يخص المزاح هنالك تصنيفات له ترتبط بالعمارة :
1-    المبالغة في المقياس: لنلاحظ الرسوم الكاريكاتورية المجنونة والمبالغ بها التي تقلد شخصيات موجودة ، في العمارة فإن التلاعب بالمقياس يثير الضحك كما في الكوميديا تماماً .
2-    التلاعب بالصفات: قول كلمة مألوفة بطريقة غير مألوفة في الكوميديا يشابه لإستخدام عنصر معماري  مألوف بطريقة غير مألوفة مسبقاً .
3-    تغيير السياق النوعي: في الكوميديا يمثل ذلك نقل كلمة أو صورة من سياقها الاصلي الى سياق جديد أخر وبما إن معناها يعتمد على عناصر ذلك السياق فأن عملية النقل تولد معنى جديد كلياً ونفس الحال في العمارة أيضاً .
و هنالك الكثير من الامثلة في الكوميديا والعمارة تعتمد على ماسبق في أثارة الضحك والمتعة ففي الرسوم الكاريكاتورية مثلاَ أذا كانت الشخصية الحقيقة تمتلك أنف كبير نسبيا فإنه يُضخم الى درجة مضحكة ، كذلك الحال في التلاعب بالصفات ونقل الشخصيات والعناصر من سياق الى سياق اخر مختلف تماماً والإعتماد على هذا الإختلاف في الضحك كما في نقل شخصية (جوني) الامريكية الى صعيد مصر في مسلسل (الكبير أوي) .
المبالغة في المقياس
التلاعب بالصفات
تغيير السياق
وفي العمارة قد يختلف الأمر قليلاً وكما يقول طرفه بن العبد " لكل مقام مقال" فلكل مشروع ظروفه ومعاييره الخاصة ولكننا من الممكن ان نحاول أثارة الضحك قليلاً من خلال تصاميمنا أو أثارة الضحك كثيراً بالتحول من التصميم المعماري الى مجال الكوميديا كما فعل باسم يوسف عندما إنتقل من الطب الى الكوميديا و لعل برنامجه (البرنامج) خير مثال على تطبيق مقولة أوسكار وايلد السابقة.  
بلال سمير علي 


[1] مؤلف مسرحي وروائي وشاعر أنجلو-إيرلندي. احترف الكتابة بمختلف الأساليب خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.
[2] الدكتور جميل صليبا ، المعجم الفلسفي .

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الذكرى التأريخية وعمارة المراقد
تمّر السنون وتستمر الأجيال في سماع قصة مقتل الأمام الحسين (عليه السلام) والتي تصف تفاصيل الواقعة التأريخية في أرض كربلاء المقدسة يوم العاشر من شهر محرم  سنة 61 للهجرة والتي توافق 680 ميلادية، ضحى الأمام الحسين (عليه السلام) فيها بنفسه وولده من أجل الإصلاح وإستمرار النهج الحق للدين الاسلامي ، ومنذ ذلك الوقت والامام الحسين (عليه السلام) وذكرى كربلاء رمزاً لمقاومة الظلم والاستبداد ورمزاً للتضحية والحرية والكرامة ، رمزاً يستمد منه المسلمون القوة على مر العصور والاحداث التاريخية اللاحقة .
ومن خلال نظرة تحليلية لتلك الواقعة وقصتها نجد إنها تتألف من جزئين ، جزء معنوي روحي والأخر صوري مادي (الجوهر- المظهر) فلكي يوصل لنا الخطيب الحسيني معاني الواقعة المتعددة وحكمها (الجوهر) فإنه يبدء بذكر عناصر مادية وصور للمستمع ليترك له الفرصة في تخيل تلك الاحداث كما وقعت في حينها ، تلك العناصر (المظهر) تتمثل بـ(الارض الصحراوية ، الجسد الانساني ، الخيول ، الاسلحة ومستلزمات الحرب ، الخيام ، نهر العلقمي وعدد قليل من اشجار النخيل) والجزءان متلازمان دوماً فالجوهر هو سبب تجسد المظهر والمظهر شرط في إيصال الجوهر الى المتلقي . وهنا نرى بأن المسلمون يحاولون إستذكار ذلك الجوهر والارتباط به في الحاضر باستمرار من خلال الخطب الكلامية (المجالس الحسينية) التي تصف صور واقعة كربلاء أو من خلال زيارة مرقدي الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه العباس (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة.
إن عمارة تلك المراقد المطهرة مرت بالعديد من المراحل التأريخية بدءاً من التشييد الأول لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) من قبل المختار بن عبيد الثقفي كما يذكر المؤرخون وصولاً الى الوقت الحاضر التي شهدت فيه إضافات مؤثرة على نمط أبنية المراقد المقدسة في العراق كتسقيف الصحن الداخلي وإضافة حلقة خارجية الى سور المرقد علاوة على تزيين وإنهاء السقوف والجدران بالزخارف والنقوش بأستخدام المرايا والكاشي الكربلائي الملون وإنهاء الأرضيات و الجدران الداخلية والخارجية بالمرمر المستورد .



وبالعودة الى ثنائية الجوهر والمظهر فلنتخيل السيناريو التالي: هنالك طفل عراقي يعيش في المهجر وقد حرص أهله على سماعه لمقتل الامام الحسين (عليه السلام) بإستمرار ثم يقررون زيارة كربلاء المقدسة في يوم من الايام وعن طريق مطار النجف الأشرف يصل الطفل وأهله الى المرقد المطهر ، السؤال هنا: ماهو المظهر الذي يدله على أرض كربلاء الصحراوية التي دفع اليها الإمام دفعاً بعيداً عن المدن وعن نهر الفرات؟ ماهو المظهر الذي يذكره بعطش الإمام الحسين (عليه السلام) واصحابه وأهل بيته؟ ماهو المظهر الذي يذكره بإدبار الامام (عليه السلام) عن الدنيا وزينتها وخروجه على طغيان بني أمية وتوجههم الدنيوي المادي؟ حيث إن الصور التي يمتلكها الطفل بداخله هي للصحراء والخيام والمعركة ولكنه يرى مبنى بأبهى حله ، هيكل انشائي ضخم ، مواد إنهاء معاصرة وأخرى بأجمل الالوان ، مرايا تعكس إنارة وسائل الاضاءة الرائعة وجو بارد ينعش الداخلين الى الصحن الشريف .




ربما سيتساءل القارئ: هل تلمّح الى أن يبقى المرقد المطهر على عمارته الاولى دون تجديد؟ أم مجرد الحفاظ عليه من دون إضافة تغييرات تلبي حاجة الزائرين الحالية؟ وذلك لكي يبقى محافظاً على الصور التي تدل على جوهر واقعة كربلاء ومعانيها ، هل هذا ممكن؟ فلقد ازدادت أعداد الزائرين خلال السنوات الاخيرة زيادة كبيرة جداً وأزدادت بذلك متطلبات خدمتهم وتوفير سبل الراحة لهم علاوة على إستحداث الكثير من الفعاليات التي تساهم في نشر فكر الإمام الحسين (عليه السلام) في العراق والعالم بعد زوال الموانع القمعية السابقة.
والأجابة هي كلا ، يجب أن تلبي عمارة المرقد المطهر المتطلبات والحاجات الجديدة للزائرين ، فما فائدة عمارة لا تلبي حاجة الانسان ولا تحقق الغرض المرجو منها؟ ولكنني أدعو هنا الى أن تتحلى عمارة المرقد المطهر بصفة مهمة جداً الا وهي (البساطة) يجب ان يكون البناء هو عنصر يتكامل مع واقعة كربلاء وفكر الامام الحسين (عليه السلام) ولا يبتعد عنهما، يجب أن يكون البناء مساعداً للزائر في التفّكر بذكرى الإمام ومبادئه وعظمة أصحابة وليس التفّكر في جمالية زخرفة السقف وجمالية الثريات المعلقة وهندسة القباب المتحركة ، أنا أفترض إن الزائر هذه الأيام يشغل جزءاً من وقته وهو يفكر في كمية حديد التسليح والكونكريت المستخدمة في تطوير المرقد وسعر متر مادة المرمر المستوردة وكيفية تثبيت الزخرفة بالكاشي الكربلائي على السقف وغيرها من الحسابات المادية التي يعلم تفاصيلها المطلع على مهنة البناء وتخفى على الزائر البسيط . ومن الممكن أن تتجسد البساطة في إستخدام مادة الطابوق (الجفقيم) في تغليف الجدران بدلاً عن المرمر الايطالي ، ألا يرتبط لون الطابوق الاصفر بلون أرض كربلاء وصحراء الطف؟ ومن الممكن أيضاً أن تتجسد البساطة في إستخدام نظام تسقيف قماشي (tensile structure) بدلاً عن كميات الحديد الهائلة والواح الكونكريت المغلفة بالكاشي الكربلائي ، ويرتبط ذلك النظام رمزياً مع خيام معسكر الحسين(عليه السلام) وهنالك الكثير من البدائل التي كان يتطلب من القائمين على إعمار المرقد المطهر سماع الرأي الأخر فيها قبل أتخاذ القرارات المؤثرة .
  


وقد يتساءل القارئ مرة أخرى : الا تتلائم منزلة الإمام الحسين (عليه السلام) مع هذا الإنشاء الجميل والمعاصر؟ لماذا لانرتقي بعمارة المراقد في العراق لمستوى مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) بمدينة مشهد في هندسته المبهرة وعمارته الرائعه ؟
الإجابة ببساطة وهي الخاتمة إن زائر الأمام الرضا عليه السلام بحاجة الى مظهر يدل على الذكرى التأريخية للأمام الرضا (عليه السلام) في كونه ولي عهد الخليفة المأمون العباسي ، مظهر يقترب من ذكرى الإمام في إرتداءه أفضل الملابس في وقت ما ، أما زائر مرقد الامام الحسين (عليه السلام) فهو بحاجة الى مظهر يذكره بحادثة كربلاء الأليمة هذا المظهر على الأقل يتسم بالبساطة ليبتعد به عن الدنيا وبهرجتها .      

 بلال سمير علي