الاثنين، 27 أبريل 2015

مدينة بسماية وأمنيات أخرى

في كل مرة أنوي الكتابة، أقف أمام عقبة الجدوى منها، فنحن بحاجة الى أفعال على أرض الواقع، أصبحنا مختصين في الكشف عن المشاكل وصياغة حلولها شفهياً وكتابياً ولكن ماذا عن التطبيق؟
القضية أن للتطبيق هموم و(ضيم وقهر)، وما يأتي يمكن أن أضعه تحت (خانة) الخواطر أو المذكرات حالياً.

بتاريخ اليوم 27-4-2015 حضرت ندوة علمية بعنوان "التصميم المعماري وتقنيات الإنشاء في مشروع بسماية السكني"  أقامها قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للإستثمار ووزارة الإعمار والإسكان العراقية.

وأعتقد أن أغلبنا قد إطلع على تفاصيل موقع المدينة ومخططاتها وأسعار الوحدات السكنية فيها وطرق التسديد ولو بصورة عامة، لتأتي الكلمة الأولى لرئيس الهيئة الوطنية للإستثمار الدكتور سامي الأعرجي وهو خطيب بارع بشخصيته وصوته وخبرته.
وبعد الحياة السعيدة التي صورها للمشروع، والإطلاع على نوعية الأبنية المنجزة وطبيعة معامل الأجزاء الجاهزة المستخدمة للبناء في الموقع، يمكن القول أن حاجز عدم الثقة قد (ينفطر قليلا)، لأن عدم الثقة بالنظام العام في العراق من أول موانع المشاركة في المشروع، علاوة على أسباب أخرى مثل بُعد الموقع عن مدينة بغداد وضرورة القيام بتلك الرحلة يومياً. 
وتبقى كل الاحكام غير موثوقة الا بزيارة الموقع والاطلاع على واقع الحال مع العلم أن طريقة عمل شركة هانوا الكورية، غاية في الدقة والمهنية.
وللمشروع أهمية كبيرة ليس في مجال الاسكان فقط وإنما في مجال التعليم الهندسي والإداري، وقد كانت المبادرة أولاً من قسم هندسة العمارة بتنظيم زيارة لطلبة الدراسات العليا لموقع المشروع والإطلاع على الأعمال فيه، ولكن ما الذي يمنع من إتفاق وزارة التعليم العالي وبالتنسيق مع هيئة الاستثمار والشركة المنفذة، بالتأسيس منذ السنة القادمة لمادة دراسية جديدة تضاف الى مناهج الكليات الهندسية كافة، تتضمن زيارات مستمرة للمشروع (شهرية) ومتابعة مراحل التنفيذ وطرقها وإدارتها وكلاً حسب إختصاصه، فمن مستوى وكفائة شركة هانوا، تعتبر هذه الفرصة غير قابلة للتعويض، علماً أن المشروع مستمر لغاية عام 2019، وهي فترة كافية لتأسيس دفعة من المهندسين الشباب الأكفاء عملياً.
ومع وصول الدور الى المتحدثين الكوريين، ممثل الشركة المصممة (هايان الكورية) والشركة المنفذة (هانوا الكورية) فهم لطفاء ومؤدبين ومحبوبين جداً، وبلغة إنكليزية واضحة وعرض مختصر وخفيف الظل، ولكن الأهم هي صفة (المصداقية) والمهنية في الخطاب، حيث أن هذه الندوة علاوة على فائدتها العلمية لمنتسبي وطلبة الجامعة، فهي ذات فائدة تسويقية لكافة الجهات المشاركة بالمشروع، وانا متأكد من أن الطرف الكوري مدرك لهذا الأمر، ولكن ممثل الشركة المصممة وبعد أن عرض صورة لأرض الموقع الصحراوية مع مساحات بيضاء، قال: كنا في البداية نعتقد أن هذا اللون الأبيض هو ثلج، ولكننا إكتشفنا بعد ذلك أنه ملح! وبعد شرح نسبة الاملاح ومقارنتها بملوحة ماء البحر، تطرق الى مشكلة نجاح التشجير والمساحات الخضراء في هذه التربة المالحة، حتى مع إضافة طبقة جديدة من التربة، وهذا القول يتناقض مع المساحات الخضراء الظاهرة في العروض التسويقية للمشروع وتأثيرها بصرياً ونفسياً على إتخاذ القرار بشراء وحدة سكنية.
وخلال الإستماع الى المتحدثين في الندوة تأكدت أن البعض والبعض فقط يفتقر الى (ثقافة الإستماع) أو (ثقافة السكوت)، وأنا أتمنى أن يكون هنالك طبقة في النار مخصصة للإشخاص الذين يتكلمون أثناء صعود خطيب على منصة أو أي مناسبة تتضمن متحدث يخاطب الحضور.
ومن حق أي أحد أن يقول أنت أيضاً تكلمت اليوم، وأجيب: إني تكلمت للضرورة فقط او لملاحظة قصيرة جداً وساحاول في المستقبل أن لا أتكلم أبداً.
 من يريد الكلام ليخرج من القاعة، فلم يعد هنالك وجود لجبرية حضور تلك الفعاليات، ولن نكسب شيئاً بإجبارنا الناس على حضور تجمعات علمية أو ثقافية، ما لم تكن هنالك رغبة داخلية بالاستزادة والإستماع.
وأخيراً فإن المشروع بإيجابياته وسلبياته لا يقارن بالمشاريع التي تنفذها الشركات العراقية في مجال الاسكان العمودي أو الأفقي، فقد نفذت الكثير من المشاريع في المحافظات الجنوبية، وهي فقيرة هندسياً وجمالياً، حيث أن جميع القرارات تتخذ على أساس تخفيض الكلفة أولاً، فكانت النتيجة وحدات سكنية خالية من الروح ... ميتة، وفي المقابل تدعي تلك الشركات وشركاءها من المسؤولين تطوير تلك المحافظات وتوفير الخدمات السكنية الملائمة لمواطنيها، ولكن: رجال الي يعبي بالسكلة ركَي.

الاثنين، 20 أبريل 2015

مهرجان الذقون السادس

          أبحث منذ يوم السبت عن إجابة لسؤالين محيرين، ما الفرق بين جلد الذات ونقد الذات؟ والسؤال الثاني: هل نرضى بالخدمات أو المنجزات الحالية ونمتدحها (من باب التشجيع والظروف القاهرة التي نمر بها) أم نستمر بالنقد وإظهار العيوب والتمنى بالحصول على أفضل مايمكن؟

وعن مصدر ضائع نتيجة النقل المتكرر، فإن جلد الذات : شعور سلبي يتنامى دائماً في أوقات الهزائم والإحباطات بحيث تتوارى النجاحات (والتي غالبا ما تكون قليلة أو باهتة) ويتصدر الفشل واجهة الصدارة. وهو ينبع من رغبة دفينة بالتغلب على الفشل ولكن ليس عن طريق مواجهته وإنما بالهروب منه، أي بالهروب إلى الداخل حيث ينزوي الإنسان و يتقوقع داخل هذا الحيز الضيق من الشعور بالعجز والفشل وذلك لعجز الفرد أو الأمة عن إدراك مواطن قوته ومواطن ضعفه وأيضاً مواطن قوة وضعف تحدياته ويسرف بدلا ًمن ذلك في تهميش كل قوة له ويعطى لتحدياته قوة أكثر بكثير مما هي عليه في الحقيقة. اي أن جلد الذات هو حيلة العجز ومطية الفشل ومهرب الجبن.
أما نقد الذات: فهو شعور إيجابي ناضج يتلمس معرفة مواطن القوة ومواطن الضعف بصدق وموضوعية أي أنه يقيسها ويقيمها ولا يهمشها أو يتخيلها. وليس له أوقات محددة ولكن له عقليات محددة تجيد قراءة نفسها ومحيطها وبالتالي لا تخشى مواجهة الأعداء أو التحديات و إنما تأخذ بأسباب النجاح والوصول إلى الهدف عن طريق التخطيط الجيد والاستفادة من أخطاء الماضي. (إنتهى الاقتباس)
ولعل نقد الذات واضح ومفهوم ولكن المهم، هو أن الجلد يقترن بقبول الفشل والهزيمة والقناعة بعدم إمكانية النجاح لأن الفشل مكتوب علينا وعلى (الي خلفونا)، والاستمرار بإجترار أسباب الفشل والتقليل من حلول ومقومات النجاح وإمكانية تطبيقها.
وسبب تبلور الاسئلة السابقة: زيارتي لمهرجان الزهور الدولي السادس على حدائق متنزه الزوراء في بغداد.
لا أنكر أن هنالك الكثير من الماء والخضراء، فكل زهرة ونبتة، جميلة وممتعة وقد تكون خلابة، ونافورات مياه تمر بينها فتشعر بإنتعاش الرذاذ البارد، ولكنك تصل بعدها الى مرحلة الشك بين جلد ونقد الذات.

أجنحة (أماكن مخصصة للشركات) غير منظمة، نباتات (مشمورة) وموزعة بدون تصميم وترتيب مميز، عدم وجود علامات دلالة لمسار حركة الزوار، مواد تنفيذ وإنهاء ركيكة، ممثلي الشركات وكأنهم جالسين في مقهى، بعيداً عن التفاعل مع الزوار والترويج لخدماتهم.
وأعتقد أن من شاهد صور المهرجان على الشبكة سيستغرب ويستنكر ما سبق، ولكنها إشكالية العصر، أصبحنا ننظر للقضايا من خلال صور جزئية، يقرر من خلالها المصور أحكامنا ومواقفنا منها.
إذا كان المصور مسيّر من قبل فكر أو جهة معينة، سيختار الصور التي تجعلنا نؤيد تلك الجهة، أما إذا كان مستقلاً، وذهب الى مهرجان الزهور فهو يبحث عن الجمال فقط، جمال الصورة لينقلها الى الآخرين.




وفي نفس السياق الصوري، ومن (نظرة سريعة) تشاهد الزائرين وعيونهم (طايرة) يبحثون على منظر جميل ليلتقطون الصور أمامه. وهو حق مشروع بالتأكيد. ولكن الوقت والجهد المبذول في الحصول على ذلك المكان وتحضير الكاميرات والهواتف النقالة وتأخير سير الأخرين حتى لا يمرون أمام الكاميرا، أكثر بكثير من الوقت المخصص لمشاهدة جمال الطبيعة. فهم يتركون التمتع بالواقع من أجل التمتع بصور منه لاحقاً. قد لا يكون لي الحق بنقد تصرفهم هذا، ولكن مراقبة عدد هائل من الناس وهم مهتمين بالتصوير فقط كانت مقلقة حقاً.
وبالحديث عن كلفة المهرجان والمبالغ المخصصة، فهنالك خبر غير موثوق يؤكد أن المهرجان قد كلف 15 مليار دينار عراقي، والمبلغ كثير جداً على واقع الحال ولكنه غير مستغرب في المشاريع العراقية الحالية.


وأخيراً فبالنسبة لي، كانت الزيارة مخيبة للآمال، وأتمنى أن لا يكون هذا النص جلداً للذات، لكنني أصف المهرجان بالضحك على الذقون، واعتقد أن السبيل الوحيد لضمان كونه نقداً للذات (ذات المجتمع) وليس جلداً هو أن نقوم بإنجاز وظائفنا الفردية على أتم وجه، فليس لنا أي سلطة على تنظيم أو تحسين هذه المشاريع، ولكننا نمتلك السلطة لتحسين إنجازنا لما يكلفنا به المجتمع. أي أن ننقد ذات المجتمع ونأخذ بأسباب النجاح التي نستطيع السيطرة عليها وبما يخدم المجتمع ككل، وليس لنا سوى القناعة بإمكانية تحسين ذاتنا وذات المجتمع ومن ثم ... المحاولة ... ورجال الي يعبّي بالسكلة ركي.


  

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

تحت نصب الشهيد

 عن أبي عمرو بن العلاء (أحد القراء السبعة وعالماً باللغة والنحو) قال:

"من أقام ببغداد ومات فيها ... نقل من جنة الى جنة"

ولا أعرف هنا مادفع بن العلاء الى إفتراض، أن من يقيم ببغداد يدخل الى الجنة بعد وفاته؟!
ولان الإنتقال من مكان الى مكان آخر، أو من (صوب) الى (الصوب الثاني)، بحاجة إما الى باب واحد، أبواب، أو الى جسر، جسور، فأنا أعتقد أن في كل حقبة بغدادية تفتح بوابة أو جسر جديد بين الجنتين وبفعل فاعل. ذلك الفاعل هو المعمار أو الفنان بالتحديد من بين سكنة الجنة الأرضية.

إحدى تلك البوابات زرتها قبل 13 سنة وجاءت الفرصة اليوم لأزورها مرة أخرى.

بعد قبولي لدراسة الهندسة المعمارية، وفي المرحلة الأولى، تم دعوة طلبة الهندسة المعمارية في الجامعات العربية، لعرض مشاريع تخرجهم في العراق، وكان موقع العرض الذي تم إختياره لأسباب مجهولة لديّ حالياً... هو نصب الشهيد في بغداد.
زرنا النصب لأول مرة صباحاً مع زملائنا في الجامعة، وكررنا الزيارة في اليوم اللاحق مع عدد من الأصدقاء. الحقيقة أن ما تبقى من تلك الزيارتين في ذاكرتي مجرد صور غير مترابطة:

-ممر مسقف بأقواس بيضاء مكررة.
-القواطع المصفوفة في الفضاء الداخلي لعرض مشاريع الطلبة المبهرة (لكوننا في المرحلة الأولى، ولأننا لم نشاهد مسبقاً مشاريع تم إظهارها ببرامج الإظهار الحاسوبية).
-طالب لبناني يرتدي تي شيرت أحمر، أُعجبت به إحدى الزميلات مما دفع زميل آخر لشراء تي شيرت مشابه وأرتداءه بعد أيام.
-ممر مجاور لنافورة مياه، تشعر برذاذها عندما تقف لأخذ صورة، بأول جيل وصل للعراق من الكاميرا الرقمية، إشتراها أحد الأصدقاء.
في السنة اللاحقة للزيارة تغير النظام، وسيطرت القوات الامريكية على النصب لتجعله مقراً لوحداتها، تستخدم فضاءاته الداخلية للعمل والنوم، بعدها تم تسليمه للحكومة العراقية، ليصبح أخيراً مقراً للدائرة الإعلامية لمؤسسة الشهداء العراقية.
هذه المرة الزيارة مختلفة، كانت مع المرحلة الاولى لطلبة هندسة العمارة، ولأنها في الزمن الحاضر فلا تزال تفاصيلها واضحة، ولا أعرف ما سأتذكره بعد 13 سنة أخرى.
ويمكن القول أن هنالك 3 أدوات مكنت (إسماعيل فتاح الترك) من تحويل نصب الشهيد الى بوابة سماوية خالدة:

-المقياس: لقد إعتاد الإنسان على مقاييس وأحجام أدوات حياته اليومية، إرتفاع الأبواب التي يستخدمها، مستويات طوابق الأبنية التي يعيش ويتحرك فيها، وحتى مقياس القبة كعنصر في الأبنية الدينية ولكنه ينظر اليها دائماً من مسافة بعيدة. ولكن الإحساس المتولد عن الوقوف بجانب نصف قبة مفرغة ترتفع 40 متر عن مستوى الأرضية التي تقف عليها، هو إحساس جديد كلياً ... الإنبهار،الرهبة، الخشوع، الإحترام. مهما كان الانسان فخوراً بنفسه يدّعي القوة والعظمة سيقف صغيراً أما أصحاب الذكرى ... الشهداء.


-الفضاء: ما فائدة المقياس الضخم مع وجود منافسين آخرين للنصب تشعر بالرهبة عندهم أيضاً، فيفقد النصب مكانته الروحية. كم كان إسماعيل فتاح الترك مبدعاً! لقد أستخدم 3 عناصر فقط، نصفي قبة وعلم ... وأبقى تلك المساحات الشاسعة فارغة تماماً. لقد قال ثلاث كلمات فقط ولكنها تحمل كل المعنى الذي يريد أيصاله. فالفضاء المحيط بالنصب هو الساند للمقياس في إيصال المعنى، وللحفاظ على إنسيابية وتواصل الفضاء تم تسقيط كافة الفضاءات المطلوبة في العرض تحت مستوى الأرضية، ومع الأسف نجد أن ذكرى المعماري المصمم لتلك الفضاءات (سامان أسعد كمال) قد أختفت تحت مستوى معرفة المجتمع أيضاً! الجميع يتحدث عن الفنان إسماعيل الترك المبدع للنصب فوق الأرضية ولكني لم أجد أي معلومة عن المعماري المصمم لبقية تفاصيل النصب المبدعة.




-التجريد: نجد أن أغلب النتاجات الفنية التي إستطاعت المحافظة على نفسها (مادياً)، رغم تبدّل الأنظمة في العراق هي أعمال مجردة من الرموز التي تشير الى جهة معينة دون غيرها، فهي أعمال تخاطب الإنسانية العراقية، كما في نصب الحرية لجواد سليم (على الرغم من أن رفعة الجادرجي يذكر أن عبد الكريم قاسم كان قد أعلن عن رغبته لوجود تجسيد لشخصه في النصب ولكنه (رفعة) لم يوصل تلك الرغبة لجواد سليم الذي كان يعمل على النصب في فلورنسا)، وأيضاً أعمال الفنان محمد غني حكمت التي وضعت مؤخراً في ساحات بغداد. وهذا هو الحال مع نصب الشهيد فهو من الداخل والخارج لا يحتوي على أي عناصر أساسية مرتبطة برموز وأفكار النظام السابق.


وقبل نهاية الزيارة ونحن نجلس أسفل أحد الأنصاف سألني صديقي: هل نستطيع إنجاز منتج فني أو معماري يقترب من مستوى نصب الشهيد في الوقت الحالي؟

وأعتقد أن الإجابة تتم بمرحلتين: الأولى، هل ينخفظ الإبداع بمرور الزمن أو بوجود المحن؟ هل قلَّ عدد المبدعين أو مستواهم الفكري حالياً؟ ومنطقياً: أن هنالك من يمتلك الموهبة والإبداع وقادر على إنتاج أعمال مشابهة.
أما المرحلة الثانية، إذن لماذا لم نستطع إنجاز عمل مقارب في ظل المرحلة الحالية؟
وهنا يبدأ الضيم والقهر والحديث خارج حقل العمارة ... وسأترك الإجابة لكم هذه المرة.






السبت، 14 فبراير 2015

هل رأى الحبُ عَمارة ...

يتسآءل كريم العراقي : ماذا جرى لي؟ نحولٌ، غيرةٌ، قلقٌ، سهرٌ، عذابٌ ... جنونٌ هزَّ أفكاري ...
أعزائي المعماريين هل تعرفون ماذا جرى له؟
لديه تقديم نهائي لمشروع معماري ؟!
كلا، إنه يعاني من حرفين سلباه وقاره ...
حاءٌ : حريق.
باءٌ: بات في ناره.
وبعيداً عن عناوين المسلسلات التركية: الحب المستحيل، الحب والحرب، قصر الحب، تنويه الحب، العشق الممنوع، أليس من المفترض أن نعرف حقيقة الحب قبل أن نحتفل به؟

لنتخيل أن هنالك ولدان (نزار) و(بدر) منذ الطفولة كانا يُحبان لعب كرة القدم، دخلا سوية المدرسة الابتدائية ليكتشف الأصدقاء في درس الرياضة أن (نزار) يجيد لعب كرة القدم ويمتلك كل الصفات التي تؤهله لكي يكون الطالب الذي يريد الفريقان أن يلعب معهما، و(بدر) لا يجيد اللعب وهو إما يكون حارس مرمى أو لاعب زائد بعد تقسيم الفريقين، فيلعب مع الأضعف كزيادة للعدد فقط.
ولكن كلاهما يحبان لعب كرة القدم! ويستمر هذا الحال حتى يكبرا، ليتعرفا سوية على (دانة) شابة رياضية، وعداءة في ألعاب الساحة والميدان.
وهنا ياتي دور الحب ... هو أن تنبهر بصفة معينة في إنسان آخر (صفة واحدة فقط) وأنت تبحث دائما عن هذه الصفة في الآخرين لإنها موجودة داخلك أساساً. ولكنها قد تكون موجودة وظاهرة (نزار) أو تكون موجودة ولكنها غير ظاهرة (مخفية)(بدر) لأنك لم تنجح في إظهارها بصورة مناسبة.
 فنزار جذبته صفة (الرياضية) في دانة فقط، لانه رياضي ناجح منذ الصغر، وبدر جذبته نفس الصفة في دانة فقط، لانه يحب الرياضة منذ الصغر أيضاً ولكنه غير ناجح في ممارستها. أما بقية صفات دانة فهنا يأتي قول (الحب أعمى) لأن كل منهم لا ينظر الى الصفات الأخرى فيها، وحتى إذا كانت هناك صفات سلبية، سيغض النظر عنها بكل تأكيد.
وإذا كانت نهاية الحب المفترضة هي الزواج ... فماذا لو أبدلنا (دانة) بهندسة العمارة؟
سيكون معظمنا قد تزوج العمارة زواج تقليدي (زواج صالونات)، بدون حب ولا غرام!
أعطينا الخاطبة (وزارة التعليم) صورنا ومقدار الثروة التي نمتلكها (معدلنا)، لتختار هي بمعرفتها العروس المناسبة!
ولا يبقى لدينا سوى مقولة الآباء والأمهات: إن الحب يأتي بعد الزواج.
فكيف نحب العمارة بعد أن تزوجناها؟


حالنا كحال (بدر) الذي تزوج فتاة أخرى غير دانة، فتاة إختارتها والدته (الوزارة)!
الحل هو أن نبحث في أعماقنا عن صفة، صفة واحدة فقط، موجودة في دراسة العمارة ونحاول أن ننظر للعمارة من خلالها، أما بقية الصفات فنعتمد على نصائح الآباء أيضاً بأن الزواج الناجح يعتمد على مدى تفهم وليونة موقف الطرفين، في موقف تتنازل عن مطالبك وتحترم رأي الآخر وفي موقف ثاني يتنازل المقابل ويفسح لك المجال، والهدف هو وصول المركب الى بر الأمان.
أنت تحب الرسم منذ الطفولة، ركز عليه الآن وتقبّل صفات زوجتك العمارة في الأمور الأخرى.
أنت تحب إتخاذ القرارات والتعبير عن خياراتك الشخصية، ركز على هذه الصفة وتقبّل مادونها برحابة صدر.
تحب التحدي والخروج عن المألوف والتجديد؟
ولكن مع كل هذا المجهود الذي تبذلة هل ستبادلك زوجتك العمارة الحب؟
الأمر معقد نوعاً ما، وكأنك متزوج من شخص غريب الأطوار، (ساعاتة مو سوة)! وسبب غرابة أطواره أنه يعيش في العراق، فعدم الثبات في كل شئ يجعله غير ثابت السلوك والتصرفات أيضاً.
فقد تبادك العمارة الحب وتصبح أعمالك حديث الجماهير وتتخرج بترتيب مميز لتنفتح أمامك أبواب المستقبل، وتستمع بفخر لام كلثوم وهي تقول:

                                                هل رأى الحب سكارى مثلنا .. كم بنينا من خيالٍ حولنا
ومشينا فى طريقٍ مقمرٍ .. تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معاً .. وعدوّنا فسبقنا ظلنا...

 وقد تحدث أمور أخرى ليست في الحسبان.

ولكن هل يوجد حل آخر بدل (جهاد الحب) هذا ؟
نعم بالتاكيد ... إنه الطلاق، الطلاق بالثلاثة.


الثلاثاء، 10 فبراير 2015

التراث المعماري وخيبة أمل المتلقي

في ظل خيبة الأمل التي نعيشها يومياً، تجتمع الأسباب التي تدعونا للكتابة، ولكن ما الفائدة من الكتابة في وضعنا الحالي؟!
هنالك الكثير من التفسيرات الحالمة والمثالية لفوائد الكتابة والتي يتداولها الكتّاب حول العالم، ولكن الأكثر منطقية في العراق هو أن تُخرج مافي صدرك من همْ ... وإلا (تموت ناقص عمر).
تستمع قبل يوم لحديث سابق للدكتور إحسان فتحي عن إهمالنا للتراث المعماري وخسارتنا لـ80% من المنجزات المعمارية الماضية (التي من المفترض أن تكون مكتبتنا التي نرجع اليها عند إنجازنا لمشاريعنا المعاصرة، بعد أن نطورها مع ما يناسب كل متطلبات العصر الفكرية والمادية)، ثم تقرأ بعد ذلك خبراً في وسائل الاعلام، عن ترشيح بغداد ضمن شبكة المدن الإبداعية في منظمة اليونسكو والتي تعد المدينة المرشحة الأولى عربياً! لما تمتلكه من إرث ثقافي وحضاري وأدبي وما تمتلكه من علاقات متميزة مع المحيط الخارجي الثقافي!
فتسب وتشتم من يحلو لك شتمهم دائماً، وتتساءل: عن أي إبداع يتحدثون ؟

هل يوجد على الأرض مشروع معماري مبدع؟ يوجد واحد أو إثنين؟ هل هي كافية لتسمية بغداد مدينة إبداعية؟
وبعد أن تبحث عن تفاصيل الخبر في وسائل أخرى، تكتشف أن الترشيح هو في مجال (الأدب) فقط بإعتبار مدينة بغداد منبعاً للأدب والثقافة منذ العهد العباسي!
ولعل من الأدلة على إبداعها أدبياً هو فوز رواية (فرانكشتاين في بغداد) للكاتب أحمد سعداوي بجائزة بوكر العربية في دورتها السابعة لعام 2014 بإعتبارها أفضل عمل روائي نشر في ذلك العام، ولكني لم اقراها حتى هذه اللحظة لأسبابي الخاصة، والجزء الثاني من دليل الابداع هذا هو ترشيح رواية (ريام وكفى) للروائية هدية حسين ضمن قائمة الـ(16) لنفس الجائزة هذا العام من بين 180 رواية عربية.


وفي المقابل فأن أصحاب المدينة (بغداد) ليسوا مهتمين بتراثها المعماري (ليس من الضرورة هنا ذكر حال المعالم المعمارية التراثية السيء) وليس لديهم نية بترشيحها كمدينة إبداعية معمارياً.  
إذن كيف سنضمن وجود أجيال من المعماريين الشباب مرتبطين إيجابياً بمدينة بغداد؟ وهم لا يرون نتاجات ماضية مبدعة ولا نتاجات معاصرة مبدعة!  ونحن نطلب من الشباب دائماً أن يحبوا مدينتهم، ويصمموا ما يناسبها ويناسب أهلها!
أن الحل لهذه الاشكالية هو أن نبحث عن التراث المعماري والإبداع المعاصر في النتاجات الأدبية التي تفتخر بها المدينة وتعتبرها سفرائها في منظمة اليونسكو.

أعتقد أن هذا هو أضعف الإيمان بل شبح إيمان.

بعد سماعي بترشح رواية (ريام وكفى) بدأت بقرائتها معمارياً، لأجدها تتضمن إشارة لمعلم مهم في مدينة بغداد كنت قد سمعت به إسماً فقط، والرواية بصورة عامة تتحدث عن فتاة صغيرة يسميها أبيها (كفى) لأنها البنت الثالثة وهو يبحث عما يبحث عنه الآباء منذ قبل الاسلام. تكتب (كفى) قصة حياتها من سبب تسميتها حتى مغادرتها وحيدة مسكن العائلة، عندما وضعت حقيبتها في صندوق السيارة وخرجت " راودني شعور بأن قصتي لم تبدأ بعد، ها أنا أضع قدمي على طريق البداية بعيداً عن بيت العائلة وأشباح الموتى، وأحس كما لو أنني أتجدد مثل شجرة في أول الربيع، وأن أعماقي تنفض عن عروقها كل ما يمكن أن يوقف جريان الدم في جسدي، وبرغم أن الوقت كان ضحى إلا أن السماء كانت تمطر نجوماً".

أما المعلم التراثي فهو مقبرة الانكليز (North Gate) في بغداد.
المقبرة كانت محل لقاء (كفى) بـ(ريحان) الشاب الجنوبي الذي وعدها بالزواج " دخلنا المقبرة الانكليزية أكثر من مرة وصارت موعداً ثابتاً للقاء بيننا.. وبرغم ان هذه المقبرة قريبة من بيتنا إلا انني لم أدخلها يوماً إلا مع ريحان، وكم دهشت حين تجولت بين قبورها المنظمة التي لا تشبه قبور موتانا، وريحان يقرأ لي أسماء الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى ودفنوا في هذه المقبرة، أسماء غريبة على مسامعي مكتوبة بالانكليزية التي يجيدها ريحان، وجلسنا تحت فيء أشجارها وارقة الظلال، وأحياناً يأتي ريحان ومعه كتاب في التأريخ المعاصر ويقرأ لي عن شخصيات تأريخية أثرت في الحياة البغدادية وفي عموم العراق، وكم مشينا على عشبها الناعم الطري، ومن ريحان سمعت للمرة الأولى بإسم المس بيل، وقفنا بالقرب من قبرها وقال ريحان هذا قبر المس بيل عالمة الآثار البريطانية والسياسية المشهورة التي عاشت في العراق وكان لها دور كبير في سياسته ويقال بانها هي من إختارت الأمير فيصل ليكون ملكاً على العراق... ثم رايت قبر الجنرال ستانلي مود قائد الحملة البريطانية على العراق في بداية القرن العشرين، وله تمثال في كرخ بغداد ازالته الجماهير الغاضبة بعد ثورة تموز العام 1958 كدلالة لإزالة عصر الاستعمار ... وكنا حين نتواعد في المقبرة تكون نجية اخت ريحان التي تصغره بأربع سنوات جالسة على السياج الواطئ للمقبرة بالقرب من مدخلها تراقب الطريق، فإذا رات أحداً من الذين يعرفوننا تنزل من على السياج الى داخل المقبرة وتصيح بأعلى صوتها: ريحان جاءنا ضيوف .. عندها نهرب من السياج البعيد.. وفي أحد اللقاءات تلك أخبرني ريحان بأنه يعتزم إذا ما دخل الجامعة أن يدرس تاريخ العراق في تلك الفترة .. هل كان ذلك سبباً كامناً في أعماقي لكي أتخصص بعد سنوات بدراسة التأريخ؟ "
وتنتهي أخيراً تلك اللقاءات حينما سمع خالها بالأمر فكسر لريحان ذراعه وهدده بكسر أنفه إذا إقترب منها مرة أخرى.



وكما قال النعمان بن منذر وذهب قوله مثلاً : "لأن تسمع بالمعیدی خیر من أنَّ تراه"، لان رؤية المقبرة اليوم يصيب بخيبة أمل إضافية، لا تصلح للقاء عفريتين حتى،  فالعشب الطري تحول الى عاكول ولا توجد أشجار تظلل وتخفي أحد خلفها، فمن سيارة مارة سريعاً تستطيع أن تلمح أي (بزونة) تتسكع في المكان وهي ليست بحاجة لنجية لكي تحذرها وتهرب من السياج.




ولكن أليست هي مقبرة لجنود الاحتلال الانكليزي ؟ فلماذا نحافظ عليها؟ ولماذا نعتبرها معلماً تراثياً حتى؟ ما فائدة التأريخ؟ لماذا لا نستفيد من مساحتها لانشاء مشروع استثماري؟ وهذا مانقلته (Iraq tradelink news agency) بتأريخ 9/1/2015 من مطالبة صادرة من العراق لبريطانيا بنقل جثامين جنودهم ودفنهم في بلدهم وبين عوائلهم لأن ليس لهم مكان في أرضنا!!



الجمعة، 6 فبراير 2015

                                                 نتاجات رفعة الجادرجي      

يُكتب إسم (رفعة) بالتاء المربوطة، وهو من أبرز المعماريين العراقيين حتى اليوم. وعلى الرغم من تصميمه لقطع الأثاث وقطع فنية أخرى الا أنني أرى من غير المناسب وصفه بالفنان التشكيلي، فنتاجاته المميزة والتي أسست لأسمه في عالم الشهرة هي نتاجات معمارية قد تمتاز بالتشكيل أو التجريد ولكنها عمارة صرفة.
وقد تكون الاجابة، أن هذه المعلومات مدونة في الموسوعة الحرة وكيبيديا، وهذا ما يدعونا الى النظر بعين الشك لأغلب المعلومات الموجودة على الشبكة في المستقبل. فرفعة مثلاً لم يصمم نصب الحرية في ساحة التحرير وإنما كما ذُكر في تقديم الطالبة غصون طالب، صمم القاعدة أو اللوحة الكونكريتية فقط والتي ثبت عليها الفنان الراحل جواد سليم منحوتاته عليها.   

تحليل عناصر التصميم :
عندما نستكشف العناصر التصميمية التي إستخدمها المصمم في المخططات الافقية لمبانيه، يجب أن ننظر بعمق أكثر، وأن نفكر بنفس الوقت بالعناصر الأنشائية المستخدمة، فهل أستخدم المصمم العمود كنقطة؟ وهل أستخدم الجدار كخط؟ من مراجعة مخططات انحصار التبوغ والمصرفين، نجد أن هنالك نقاط وخطوط هي التي تؤلف المستطيلات (السطوح) التي يتحدث عنها التحليل الحالي، ومن الضروري أن نميز أيضاً بين الدائرة وبين القوس (نصف الدائرة) فهل استخدم المصمم الدوائر الكاملة؟
كذلك الأمر بالنسبة لواجهات المشاريع الثلاثة، يجب أن ننظر للتفاصيل المؤلفة للمستطيلات (السطوح) التي تتميز بها واجهات رفعة الجادرجي وتسمية العناصر باسمائها الصحيحة.

تحليل مبادئ التصميم :
فيما يخص المخطط الافقي لمبنى إنحصار التبوغ، هل يتحقق التوازن في التكوين؟ وهل يوجد عنصر يلعب دور الـdatum  في التكوين؟
والاسئلة نفسها فيما يخص الواجهات الأمامية وهل يوجد إيقاع فيها؟ ماذا نجد خلف التكرارات؟
علماً إن إستخدام الجادرجي للتكرار بأنواعه (في الواجهات بالتحديد) لتحقيق فكرة معينة ألا وهي تحقيق التوازن بين تلبية البناية لحاجات الانسان ومقدار الطاقة المصروفة لفهم وإدراك الناس لتلك البناية.
فهو يقسم الحاجات الانسانية الى حاجات الجسد (النفعية) والحاجات الرمزية (أرتباط المبنى برموز معروفة لأفراد المجتمع الذي يستخدم البناية) والحاجات الجمالية (المتعة البصرية) وفيما يخص واجهات المبنى فهي تتعامل مع الحاجات الرمزية والجمالية بصورة مباشرة، وهنا هو يفترض إن تكرار العناصر تسهل على الشخص الناظر إدراك التكوين الكلي فهو يصرف طاقة فكرية أقل بعد أن تعرف على العنصر سابقاً.

تحليل العلاقات التكوينية :
قد يكون لاكتظاظ مدينة بغداد وقطع الاراضي المحددة دور في اختيار الجادرجي للعلاقات التركيبية في مخططاته الافقية ولكن هل يوجد تداخل في مخطط مبنى إنحصار التبوغ ؟
وفيما يخص واجهات المباني، هل توجد علاقات شد فراغي بين الكتل العمودية من خلال خلق الفراغات أو المستطيلات المتراجعة في الواجهة ؟ والتي تكون باللون الاسود نتيجة لسقوط ظل الشمس عليها.



ملاحظات تنظيمية:
هنالك مهم وهنالك أهم، وتحليل المشاريع هو الأهم لذا يجب أن يأخذ المساحة الاكبر في العرض وتقل مساحة صورة وسيرة المعمار المصمم، فيما يخص صور المنظور هي لتوضيح المخططات ثنائية الابعاد (الواجهات) لذا ليس من المناسب أن نستنتج منها الاحكام كأن نقول هنالك تدرج وفي الحقيقة العناصر متطابقة ولكنها تبدأ بالتلاشي نتيجة للقطة الكاميرا المجسمة، علاوة على أن جميع الصور يجب أن تحافظ على نسبها عن العمل فلا يقلل الطول على حساب العرض وبالعكس مما يؤدي الى تشوه الصورة.

وفيما يخص لغة العرض من الضروري أن تكون لغة سليمة سواء العربية أم الانكليزية. ويجب أخذ ملاحظات الكادر التدريسي على المشاريع الباقية بعين الاعتبار أيضاً.