الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

عمارة عالمة _ عمارة شعبية


غنى كاظم الساهر فيما مضى " كَثُر الحديث عن التي أهواها ..... بيضاء أم سمراء؟..... هي أجمل من كل جميلة ..... هي أرشق من كل رشيقة ... بغداد .. وهل خلق الله مثلكِ في الدنيا أجمعها ..؟ "
 واليوم كَثُر وكَثُر الحديث عن التي نهواها ولكن هل مازالت اجمل من كل جميلة؟ أرشق من كل رشيق؟ أبداً ، إنها في حال يرثى له أجتماعياً ، أمنياً والأهم ما يعنينا (معمارياً).

فهنالك الكثير من المشاكل المعمارية على مستوى المباني الخاصة والعامة تعاني منها المدينة فالمساكن السابقة تم تقسيمها الى ثلاث أو أربع او خمس مساكن صغيرة لا تراعي أي معايير أو شروط خاصة ببناء المساكن في أحياء بغداد السكنية مما أثر بالتالي على كفاءة البنية التحتية الخدمية المصممة لعدد اقل بكثير من المساكن وأما المباني العامة فقد أُهملت التراثية منها والتي شكلت صورة بغداد لدى ساكنيها وزائريها أو رممت بطريقة عشوائية غير مدروسة علاوة على المباني الجديدة التي لاتتلائم مع تراث ومناخ مدينة بغداد وهي نتيجة لإعتماد مصمموها على متطلبات الجهات المستفيدة الأهلية أوالحكومية ولعل الإطلاع على العديد من التجمعات التي تشكلت على مواقع التواصل الاجتماعي يعطي أفضل صورة للمشاكل الحالية ومقترحات حلولها من قبل المختصين فهنالك حملة (تراث بغداد) وهنالك تجمع(من أجل عمارة عراقية وقورة) وغيرها من الدعوات والمشاريع الفردية.
تغليف المباني التراثية بصفائح الالمنيوم

مبنى محافظة بغداد الجديد الذي تم اجراء العديد من التغييرات على التصاميم الاصلية من قبل الجهة المستفيدة
مبنى تجاري في منطقة سكنية
وبدلاً عن التعمق في المشاكل والمقترحات والحلول هل نعرف السبب وراء كل ما سبق؟ فقد يبطل العجب إذا عُرف السبب!
نقلاً عن محمد غازي الاخرس في كتابه (المكاريد) يقول : "عبد الجبار توقف في كتابه (فالح عبد الجبار عالم إجتماع عراقي وكتابه في الاحوال والاهوال) عند تفريق شائع بين نوعين من الثقافات واحدة عالمة وأخرى شعبية أو بتسميات أخرى (دنيا-عليا) أو(واطئة-رفيعة). قدر تعلق الأمربالمجتمع العراقي يشير فالح عبد الجبار أن(للثقافة الدنيا مستودعها وحاملها وشروط تجديد إنتاجها: البوادي، الأرياف، البلدات الطرفية. ولئن ظلت الثقافة لفترة مضمراً اجتماعياً ينقل شفاهياً، فإن دفق المهاجرين الى مدن الصفيح وتوفرهم على قسط من التعليم يعطي لهذه الثقافة ممثليها الجدد القادرين على اكسابها وجوداً جديداً وإكسائها طابعا أحتجاجياً حيث تعلن خروجها على الثقافة الحديثة ودائرتها العقلانية المزعومة) " إنتهى
وفي حوار أخر سأل فالح عبد الجبار : "منذ خمسينات القرن الماضي قرأ السوسيولوجي العراقي على الوردي المجتمع العراقي على إنه صراع بين البداوة والحضارة .. هل مازلنا نعيش في ظل هذا الصراع؟ فأجاب : جوابي هو نعم ولا.. هناك تضاد في منظومات القيم، وطراز العيش، والتنظيم الاجتماعي، وأنماط التدين، الخ.. بين حضر ولا حضر. لكن هذا الصنف الأخير لم يعد بدويا، بل أصبح ريفيا. هناك جيوب ريفية كبيرة في المدن، نلحظها بوضوح في العاصمة بغداد، في البصرة، في الموصل، وفي اربيل. الوردي كان يتحدث عن بداوة ونحن اليوم نتحدث عن ريف. الوردي كان يرى التضاد كامنا في كل فرد عراقي على أنه نوع من ازدواجية سلوكية، لكن برأيي هذا ينطبق فقط على الفئات الانتقالية الوسطى بين الريف والحواضر."

فالح عبد الجبار، مواليد بغداد 1946 عالم اجتماع عراقي غادر العراق عام 1978 عمل استاذا و باحثا في علم الاجتماع في جامعة لندن  
مما سبق يمكن القول إن هنالك أختلافات واضحة بين حاملي الثقافة العالمة (الحضرية أو المدنية) وحاملي الثقافة الشعبية (الريفية) هذه الاختلافات تتمثل في الرموز والذكريات الاجتماعية، الأمثال والقصص والقيم المستمدة منها، الإنتماء والثوابت والتقديس، التفضيلات الجمالية النابعة من البيئة، وغيرها الكثير والتي تترجم وتجسد في كل القرارت الهندسية الجمالية، الاقتصادية والاستخدام الاجتماعي للعمارة وقد لا نخطئ إذا قلنا ان الاختلاف يؤثر على كل شئ في المدينة، والأهم هنا إننا لسنا في محل تقييم أو تفضيل واحدة على الاخرى ولكن يجب التمييز بين الإثنين والإعتراف إن لكل منها عالم أخر مختلف.
إذن ما الذي حدث بعد 2003؟ هاجرت عائلة حاملة لثقافة عالمة فحلت محلها عائلة حاملة لثقافة شعبية هاجر طبيب فحل محله طبيب هاجر تاجر فحل محله تاجر هاجر مهندس فحل محله مهندس واستمرت الهجرة وأستمر من هو داخل العراق في اخذ مكانه من أجل استمرار الحياة وتلبية متطلبات المجتمع للأيدي العاملة وأصحاب التجارة وأصحاب الشهادات العلمية كل في اختصاصه ولكن كل جديد جاء معه بكل ما يملك من فكر شعبي والذي تحول بالتالي الى صور شعبية او تجسيد شعبي، هاجر من يحترم قوانين الدولة كمنظم للحياة العامة وحل محله من يحترم قوانين العشيرة في تنظيم حياة العشيرة ومجابهة العشائر الاخرى، هاجر الذي لا يستطيع أن يعيش بمسكن مساحة 200 متر مربع وحل محله من يستطيع ان يسكن بـ50 متر مربع، هاجر من لا يحب الالوان الفاقعة، هاجر من يتمسك بتقاليده الدينية على أن لا يفرضها على الاخرين، هاجر من يؤمن بالتعددية لانه تربى مع جار مسيحي وصابئي وحل محلهم جميعاً عبعوب!

فتحولت بغداد أخيراً الى مدينة شعبية معمارياً، وكل من يتذكر بغداد كاظم الساهر وترك مكانه فيها فهو مسؤول بصورة غير مباشرة عن تحولها. أما إعادتها الى ثقافتها وعمارتها العالمة فنحن بحاجة الى قراءة تأريخ العالم وهل مرت مدينة بنفس الحال وعادت الى صورتها العالمة أم بقت جميع المدن المتحولة شعبية الى الأبد ؟   






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق