الجمعة، 5 يونيو 2015

شارع المتنبي رحلة الشتاء والصيف

في الساعة الثامنة والنصف صباحاً كنت على الرصيف المقابل لرئيس الوزراء الأسبق عبد المحسن السعدون، وفي دقائق إنتظاري العشر (إنقهرت) عليه بشدة، فعلاوة على طريقة موته الغامضة وحجمه الصغير المتواضع، كان يقف تحت الشمس مباشرة، أما أنا فكنت محتمياً بظل معرض الزهور البلاستيكية المهجور، وعلى مسافة مترين مني (جريدي ممطول بنص الرصيف) لا أعرف إن كان ميتاً أم مخموراً.
وبعدها بعشرين دقيقة (إنقهرت) على الشاعر معروف الرصافي ثم على أبي الطيّب المتنبي، كيف يستطيعون الوقوف تحت الشمس كل هذه المدة؟ كيف يتحملون حرارتها بينما الناس تخلّوا حتى عن إلتقاط الصور معهم. فالمتنبي يقف اليوم وحيداً. ولقد نبهني أستاذي الى أن حركته  ينقصها هاتف نقال ، ليلتقط لنفسه (selfie) مع نهر دجلة في وحدته هذه!


قد يتضايق البعض من مبالغة المعماريين بحديثهم عن أهمية تخطيط المدينة وتصاميم مبانيها وتأثيرات التخطيط والتصميم على حياة الإنسان، حتى يَعُد بعضهم مهنة العمارة أكثر أهمية من مهنة الطب! وفي الحقيقة هي ليست أكثر أهمية من مهنة الطب، ولكن بينما يحفظ الطبيب حياة الإنسان فإن المهندس المعماري يجعل تلك الحياة أكثر راحة ومتعة وجدوى.
وبالحديث اليوم عن شارع المتنبي وكل ما يضمه من فعاليات علمية وثقافية وإجتماعية، كيف يستطيع الزائر أن يتطلع ويستمتع بعناوين الكتب الجذابة ورأسه يغلي من أشعة الشمس؟ كيف يستطيع الاستمتاع بجمال لوحة وتفسير معانيها وهي معروضة في قاعة خانقة ينقصها الاوكسجين؟ كيف يقف للإستماع الى خطيب معين و(نفسه تريد تموع من الحر)؟ وفوق كل هذا الجحيم تشاهد نافورة مياة جميلة ولكنك لا تستطيع الوصول اليها لانها محاطة بسور يعزلها عن الزائرين!
لذا فإن عدم تحقيق الراحة الحرارية للجسد الإنساني كفيل بجعل كل الفعاليات مرهقة غير ممتعة ولا جدوى منها، فالمهم هو إنجازاها بأسرع وقت ممكن والهروب الى أقرب فضاء يوفر الراحة الحرارية الملائمة.  
وفيما يخص الشارع فتوفير الراحة الحرارية لزائريه ليست مشكلة هندسية أبداً، فالحلول المعمارية والميكانيكية قريبة الى الذهن ولكن المشكلة بالتاكيد هي مشكلة إدارة الشارع وإتخاذ القرار المناسب وأعتقد أن الكرة في ساحة أمانة بغداد ومجلس محافظة بغداد.
ولكنني كمصمم معماري ومن تجربة اليوم ساحاول أن ألزم نفسي بصفات للمشاريع التي أقوم بتصميمها مستقبلاً، وأنظر من خلال تلك الصفات الى المشاريع التي يصممها الآخرون لأحكم عليها بالنجاح أو الفشل في بيئة العراق الحالية والمستقبلية:
-       كل شارع، ممر أو فضاء خارجي مخصص للسابلة يجب أن يكون مظللاً بعناصر تظليل قد تختلف أشكالها وأنواع المواد التي تشيد منها.
-       من المستحيل أن أوجه أو أضع القطع الخارجية لأجهزة التبريد على الممرات الخارجية للسابلة في كافة أنواع المباني، كما يحصل في بناية المركز الثقافي البغدادي، ففي سبيل تبريد القاعات الخاصة بالعرض والمحاضرات على الزوار أن (يشتوو) بالهواء الحار الخارج من أجهزة التبريد الى الممرات الخارجة المطلة على الفناء الوسطي الجميل.
-       يجب في كل فضاء خارجي، شارع أو ساحة أن أضع مصدر للمياه (نافورة) يستطيع الإشخاص الوصول الى مياهها الباردة بسهولة لأغراض التبريد.
وهنالك الكثير من الشروط البيئية الاخرى التي من الممكن تحقيقها لجعل المباني أكثر ملائمة لبيئة العراق الخاصة ولكن ماسبق ناتج عن تجربة اليوم فقط.
ولكن هل هذا الكلام جديد ولا يدرس في أقسام العمارة في العراق، لذا لا نجده في الكثير من المباني والفضاءات الخارجية المصممة؟
بالتأكيد لا، يدرس منذ أول تأسيس لأقسام العمارة في العراق.
ولكن في الوقت المعاصر وحتى قبله، كأّنَ الاعتماد على تكنولوجيا التدفئة والتبريد جعلت المصمم المعماري يهتم بكافة تفاصيل المبنى ولا يهتم بالناحية البيئية وتحقيق الراحة الحرارية.
ونتيجة لازمة الطاقة الكهربائية المتواصلة وحتى عدم كفاءة أجهزة التبريد المعروضة وتزايد درجات الحرارة جعل من الضروري أن تكون القرارات الرئيسية في أي تصميم معماري تستند على تحقيق الراحة الحرارية أولاً.

واخيراً فإن كل ماسبق كان نتيجة لضربة شمس اليوم وموعان الروح، ولشارع المتنبي في الشتاء قصة أخرى، فلكونه ذو عرض قليل ومستمر طولياً حتى النهر، يصبح (زمهرير) لأن أشعة الشمس الساقطة على فضاءه قليلة ويتحرك فيه تيار هوائي بارد، ولكن الأمر يُحل بزوجين من الجوارب وسترة سميكة ولفاف، ولكن اليوم كان الحل الوحيد هو (بطل الماء ابو الربع) وشاي ساخن في مقهى الشابندر.


الأربعاء، 20 مايو 2015

هكذا تكلّم خضير هادي

أنا متأكد أنها من القضايا الأساسية التي أثرت على طبيعة المجتمع : إن الكثير منا لم يكن يحب المدرسة.

وقد يطول الحديث عن أسباب ذلك النفور وسبب إحساس أغلب الطلبة به، ولكن لبعضنا أسباب خاصة جعلت علاقتنا بالمدرسة علاقة معقدة، بالنسبة لي كانت الحادثة في الصف الثاني الابتدائي، عندما (صاح الشيطان براس معلم الرياضة) ليعتقد أن شعر طلبة صف كامل أطول من اللازم، فما كان منه الا أن أرسل بطلب مقص من الإدارة، وبينما نحن نقف (سراوات) في زمن كان الإصطفاف العسكري من ضرورات التعليم، بدأ المعلم بمسك شعر كل طالب من مقدمة الرأس ويعمل المقص في تلك الخصل الممسوكة. ليترك أثر مثلث خالي من الشعر، وكأنه أثر لمكواة ملابس. وبعد هذه الفجوة أنت مضطر للذهاب الى الحلاق ليصلح ما أفسده المعلم!
علاقتنا المتوترة مع المدرسة أثرت بالاستعاضة على علاقتنا بالتعليم، وأعتقد أن الأمر يستمر معنا حتى النهاية، نحب أن نقرأ وأن نبحث ونفعل أي شي ولكننا نقرأ وننجز واجباتنا الدراسية بصعوبة بالغة.
ونحن غالباً ننجز تلك الواجبات لسببين: الأول لكي ننجح فقط ونحصل على الشهادة الاكاديمية في إختصاصنا والثاني هو المنافسة، فنحن لا نحب أن نبدو غير كفوئين ضمن المجموعة، نحب أن نبدو الأفضل وهي صفة إنسانية طبيعية.
ونجد أن الكثير من أمور حياتنا تعتمد على روح المنافسة ولولاها لكانت الحياة مملة غير قابلة للتصور، ومن هذه الأمور، المسابقات الرياضية، العلمية والفنية.
وقبل مدة قصيرة تم الإعلان عن مسابقة تنظمها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتصميم نصب فني يخلد ذكرى شهداء قاعدة سبايكر، ولأننا كمعماريين وحتى غير المعماريين نتألم من المستويات المتدنية لتصاميم النصب المنجزة في مدننا، كنصب البيتنجانة الشهير ونصب أبطال آسيا وغيرهما الكثير، كان من المهم المشاركة في تلك المسابقة لتقديم تصميم يعبر بصورة مناسبة وعلى الأقل من وجهة نظر المصمم عن موضوع المسابقة. لتصبح المشاركة كإيقاد شمعة بدلأً عن لعن الظلام.
وكما هو الحال عند البدأ بتصميم أي منتج فني أو معماري لغرض معين، من الضروري الإطلاع على المنجز الإنساني السابق، كيف تعامل السابقون لنا مع مواضيع مشابهة لما نعمل عليه، لكي نكمل مما إنتهوا منه ونستفيد من قدراتهم العقلية التي إستخدموها بمنتجاتهم.
في العمارة يطلق على تلك العملية (دراسة الأمثلة المشابهة) وفي موضوعنا نصب ضحايا سبايكر، كانت خطوتي الاولى هو البحث عن الكيفية التي تناول بها الفن تلك القضية كون النصب هو أقرب للفن من العمارة.
والحقيقة لا أعرف كيف كنا نعيش من غير أنترنت، فقد قادني البحث على الشبكة الى الفنان خضير هادي.
معرفتي بخضير هادي قديمة من المرحلة الاولى لدراستي الجامعية عندما كان بعض أصدقائي من المعجبين به، وخضير هو صاحب 10+1=10، ولا يخنجر، وإنتي ما تستاهليني، وفاتت بشارعنا كيا وغيرها الكثير.


وانا لست من محبي الشعر فصيحه وشعبيه، فلم اقرأ في ديوان شعر لأي شاعر ولم أقرأ قصيدة واحدة كاملة بعيداً عن قصائد مناهج المدرسة وقد تكون صفة سلبية إكتسبتها من بيئتي، فلم يكن أحد من عائلتي محب لقراءة أو نظم الشعر ولم أتعرف على صديق مهتم بالشعر خلال حياتي.
ولكن الأمر مختلف بين قراءة الشعر والاستماع الى الشعر، فعن محمد أبو عبيد يقول: نصف الشعر إلقاء شاعره.
ومع خضير الأمر مختلف! هو شخصية مثيرة للجدل نبرة الصوت، مظهر الشوارب والشعر، طريقة الالقاء التمثيلية. والجدل عن شخصيته وطريقة القاءه في جانب والجدل عن نوع شعره في جانب آخر.
فهو يصنف كشاعر شعبي وقد يمثل نسخة عراقية عن الشاعر المصري شعبان عبد الرحيم، ولا يتطلب الأمر منه سوى مشابهة الكلمات التي تنتهي بها مقاطعه الشعرية ففي (احجيلك على ضيمي) مثلا تنتهي مقاطعه بـ:
معروفين
طيبين
....
خطاب
باب
...
آنة
قمصانة
تعبانة
ذبلانة
بيبانة
جرمانة!

ولأننا يجب أن نميز بين الحكم على الإنسان والحكم على نتاجه أو منجزه، فقد كانت القصيدة الغنائية لخضير هادي عن سبايكر هي المحفز للفكرة لمقترحي التصميمي.
عند البحث عن المصادر الفكرية أو الشكلية التي من الممكن إستخدامها في تصميم النصب، نجد أن أغلبها تمثل صور مؤلمة ووحشية ليتم استخدامها في نصب فني أو أن تلك المصادر مجردة كالرقم 1700.
لذا كان محفزي هو طريقة تناول الشاعر خضير هادي للقضية، لقد جعل الأمر يتمحور حول الأم، أم الشهيد، وكيف أنها تناجيه وتنتظر عودته بفارغ الصبر. أعتقد أن جميع المشاركين سيكون تركيزهم على كيفية التعبير عن الضحايا ولكن خضير هادي يدفع بنا الى تعبير غير مألوف.
ونجد في حديثه عن الأم يدفعنا بإتجاه فعل وقوف الأم فهو يقول:
يمة يالولد كل حيل مابية.
على فراكك ولا عانني رجلية.

واترككم مع القصيدة الغنائية كاملة وفكرة النصب التصميمية وشكله النهائي.















الثلاثاء، 12 مايو 2015

الحفاظ على العمارة أم بناء المعمار؟

بدأ كغيره من أيامي العراقية، ولكن الفرق الوحيد هو أن شريط حذائي إرتخى قبل وصولي الى الشارع الرئيسي، ولسبب معين إختار الشريط أن يرتخي بالقرب من تجمع القمامة الوحيد في المنطقة.
 الحقيقة أن سيارة جمع القمامة متواجدة يومياً وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التجمع باقي ويتمدد، والسبب هو أنه يقع في مدخل محلات مندرين.
ولمحلات مندرين إسطورة أقصها عليكم: كان هنالك تاجر في سوق الشورجة ببغداد أراد إغلاق محله لأسباب غير معلومة، ولأن المحل يحتوي على بضاعة كثيرة، قرر أن يجلب تلك البضاعة الى حديقة منزله في الكرادة، ويعرضها على الجيران لعلهم يشترونها بثمن الكلفة ليتخلص منها ويحولها الى أموال هو بحاجة اليها.
وبعد أن نفذ الفكرة وجد أن الأمر مريح ومربح جداً فهو ليس بحاجة الى الذهاب يومياً الى الشورجة وليس بحاجة الى دفع الإيجار الى مالك المحل، والزبائن هم من الجيران المريحين في التعامل، فقرر أن يكمل التجربة، وحول الحديقة الى محل متواضع وأخذ يجلب البضاعة من الشورجة ويبيعها بأسعار مناسبة بسبب عدم دفعه لبدل الإيجار. ولأن الناس (حاطين عينهم) قرر جيرانه بعد فترة زمنية أن يقلده وحول حديقته الى محل وبدأ بجلب بضاعة مختلفة عن جاره، ومن لم يجد مبتغاه هناك يأتي اليه والارزاق على الله. ولأن الفرع ملئ بالحدائق والعيون، أخذ الجيران بفتح محلات أخرى، ليتجاوز الأمر الحدائق ويصل الى غرف الاستقبال وكراجات السيارات، فتحول الفرع السكني الى فرع تجاري بإمتياز، قد تكون الأمور حتى هذه اللحظة مقبولة! ولكن بعدها إمتدت المحلات الى الفرع العمودي عليه وبعد تحول كل الفضاءات الممكنة الى محلات بدأ أصحاب البيوت بالتجاوز على الرصيف وتأجيره الى أناس أخرين.
وفي ظل هذه الفوضى التجارية وسوء الأوضاع الامنية تم غلق الفروع المؤدية الى هذا الفرع بالحواجز الكونكريتية، ولم تستطع سيارة جمع القمامة الدخول، لذا إضطر سكنة هذا الفرع الى رمي القمامة في (رأس الفرع) والجميل إنها بجوار مدخل السوق مباشرة !
أما سر التسمية فإن رأس الشارع المطل على (الكرادة خارج) يشغله محل حلويات "مندرين غراوي" فأصبح إسم السوق "محلات مندرين".
الجميل إنني وبعد كل تلك المخالفات التي أرتكبها أصحاب البيوت وتأثيرهم على منطقتنا، كنت ذاهب ذلك الصباح الى الندوة العلمية الموسومة "دور التشريعات والقوانين في الحفاظ على العمارة المحلية وتطويرها" في جامعة أوروك الأهلية.
وبعد الدخول الى مبنى الجامعة الذي أذهب اليه للمرة الأولى والإنتقال الى القاعة المركزية المصممة والمؤثثة بطريقة مناسبة تصعب على العين المعمارية إلتقاط الأخطاء والعيوب، بدأت الندوة ...
كانت المحاضرة الأولى للدكتورة غادة رزوقي رئيس قسم هندسة العمارة في جامعة بغداد لتتحدث عن مسح شامل للقوانين والتعليمات العراقية منذ العهد العثماني ومن ثم الاحتلال الانكليزي فالدولة العراقية بحثاً عما يمس الحفاظ على المباني الاثرية والتراثية وتنظيم عملية التخطيط والبناء المستقبلية.
ثم يأتي دور الدكتور مصطفى كامل التدريسي في قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية، فيتحدث لنا عن حال شارع الرشيد في الماضي والحاضر التعيس، ويقارن الأمر مع منطقة وسط بيروت (السوليدير) وأخيراً ملخص للمقترحات التي من الممكن تطبيقها للوصول بشارع الرشيد الى حالة مقبولة بدلاً عن حالته الحالية.
وهنا جاء دور الحضور في توجيه الاسئلة والتعليقات المرتبطة بمادة الجلستين والتي كانت خلاصتهما ضعف أو عدم الإهتمام الكافي بالعمارة المحلية في التشريعات والقوانين والتعليمات العراقية، وهذا من الناحية التشريعية طبعاً ولم يتم الحديث عن ضعف الناحية التنفيذية للقوانين والتشريعات الموجودة على الورق، كما في سوق مندرين سابق الذكر، فهل يجوز تحويل فرع سكني الى سوق تجاري يستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية ويضايق بسيارات زبائنه جميع السكان القريبين منه.
وأنا متأكد لو أن موظفي أمانة بغداد من (العميان) لإستطاعوا أيضاً الوصول الى هذا السوق ومخالفاته العديدة وبالتأكيد هنا (متشتغل) عبارة : قطع الاعناق ولا قطع الارزاق!
وبالعودة الى مشاركة الحضور وهو الموضوع الأهم لديّ، كان آخر المشاركين أستاذ من قسم هندسة العمارة بجامعة بغداد وأنا للأسف لا أستطيع حفظ الأسماء بسهولة، وهو طالب دراسات عليا في أحد الجامعات الألمانية، حرّك هذا الاستاذ المياه الراكدة، لقد تحدث بحماس وعصبية وإنتقد كل الفعاليات والندوات السابقة كونها شكلية إستعراضية غير ذات جدوى، وطلب من السادة الحضور وهم حقيقة من أصحاب القرار في المؤسسات التعليمية المعمارية غالباً أو مؤسسات الدولة الأخرى، طلب منهم الثورة، الثورة ضد ما يحصل للعمارة المحلية الماضية أو القادمة حتى، من خلال التظاهرات والإعتصامات لأيصال الصوت والحصول على ما يطلبه كل معماري في الحفاظ على عمارة بغداد الأصيلة.
وهنا أتساءل عن سر الإنفعالية والحماس والدعوة الى التظاهر والاعتصام الصادرة عن العراقيين الذين يستقرون لفترة من الزمن خارج العراق؟ لماذا لا تصدر هذه الانفعالات من الاشخاص الذين لم يغادروا العراق، أو غادروه لسفرة صيفية ترفيهية؟
في أحد المرات قال لي سائق تكسي يحمل شهادة الآداب باللغة الانكليزية نقلاً عن أحد المسرحيات لمشاهير الأدب الانكليزي الذي لم أحفظ أسمه أيضاً: إن الإعتياد سلاح فتاك.
نعم لقد إعتدتُ أنا على وجود محلات مندرين وأذهب مع العائلة للتسوق منها دائماً، ولقد إعتدت على رؤية تجمع القمامة بمدخله كل صباح. ولكن من إستقر خارج العراق إستطاع التخلص من هذا القيد، ويطالب أن يجاهد الناس معه للتخلص منه.
ولكن هل هذا يعني أننا لا نستطيع تغيير شئ الا بوجود القادمين من الخارج؟ لا أعتقد أن هنالك إجابة مناسبة حالية تعتمد على حقائق واقعية، لأننا لم نستطع تغيير شي، بمفردنا أو بوجودهم معنا.
وبالإعتماد على ما تم ذكره في الندوة من ضرورة تنمية وتطوير السكان قبل محاولة تنمية المناطق السكنية، وباستخدام مفردة (الدعم) التي يطالب بها الجميع هذه الايام، فإن دعم الناس يساهم في دعم المدينة. وبسبب طبيعة حضور الندوة من الأكاديميين وأصحاب القرار في المؤسسات التعليمية المعمارية، فأنا أعتقد أن الخطوة الأهم والحقل الابرز الذي يستحق الاهتمام الحالي وتركيز الجهود فيه نتيجة لعدم إمكانية التأثير في الحقول الأخرى، هو حقل التعليم المعماري، يجب أن نركز على بناء معماري عراقي (مفتح باللبن) هو يصطدم بالواقع الخارجي السئ ولكنه يمتلك أساس أخلاقي وثقافي ومهني يمنعه من الإنخراط في الممارسات السلبية التي تنشد المادة دون الفن والذوق والأخلاق. وأعتقد أيضاً أن السبيل الى ذلك هو تطابق القول والفعل لدى حاملي فكر العمارة والذين ينقلونه الى الطلبة، هي رسالة يجب أن يوصلها الأساتذة بأقوالهم وأفعالهم المعمارية، ليجد الطالب أن التنظير والذي يسميه بعضهم (الكذب) هو قابل للتطبيق ويستطيع الطالب الاقتداء بمن يطبقه من المعماريين.
ومن خلال تجربتي هذه السنة مع المرحلة الأولى في قسم هندسة العمارة، وعلى الرغم من كل السلبيات التي نتحدث عنها في المجتمع، فقط كان الطلبة بشخصيات وأخلاق رائعة، وبإمكانيات عقلية جميلة كل القضية أن نظام القبول المتبع هو غير مناسب لذا نجد أن بعضهم غير متجانس مع دراسة العمارة، أما من النواحي الأخرى فهم شخصيات (متعوب عليهة) وينتظرون من يوجههم الى الطريق المعماري السليم.
وأخيراً نأتي الى مشكلة نظام القبول المتبع حالياً وخصوصية دراسة العمارة في الجامعات العراقية، هنالك طلبة يرغبون بدراسة العمارة بشدة ويمتلكون الإمكانات المناسبة ولكن معدلاتهم لا تؤهلهم للقبول في الجامعات الحكومية، وهنالك طلبة آخرين لديهم معدلات عالية وهم يرغبون بدراسة الطب والصيدلة ولكن حظهم العاثر يقودهم لاقسام العمارة في الجامعات الحكومية.
فهل تكون الجامعات الأهلية هي الحل لهذه المشكلة؟ تنتقي الطلبة الذين يمتلكون مؤهلات دراسة العمارة وبذلك فهم متقدمين خطوة على زملائهم في الجامعات الحكومية ثم تصقل تلك المؤهلات بمناهج مدروسة ومتحررة قليلاً من بيروقراطية المؤسسات الحكومية؟ حالياً لا أعلم، قد نستطيع الإجابة على هذا التساءل بعد خمسة أعوام من الآن أو أكثر بعد أن يتخرج طلبة الدفعات الاولى للجامعات الأهلية ونشاهد نتاجاتهم المعمارية على أرض الواقع.



الأحد، 3 مايو 2015

شارع الرشيد
 من الباب للمحراب

يحدثنا سيرل بورتر عن مرحلة شق وتأسيس الشارع، ولكن قبلها من هو سيرل بورتر؟
سيرل بورتر هو ضابط في الفريق الهندسي للجيش الإنكليزي الذي إحتل البصرة يوم 22-11-1914، وبعد إنتهاء مهمته مع الجيش عمل مدنياً في بناء سكك الحديد وشبكات الطاقة الكهربائية، ويصفه الدكتور علي ثويني في تقديمه لكتاب (العراق مابين الحربين العالميتين-من خلال رسائل سيرل بورتر) و(الرسائل بتحرير وتعريب أمل بورتر) بقوله: طُبع على محبة العراق وأهله وثقافته، وعشق الحياة الصاخبة فيه وطرائق العيش والأكل وتزوج مرتين من سيدتين عراقيتين ومكث يلهج لأبنائه بمحبته للعراق حتى توفاه الله عام 1967 ودفن في ثرى بغداد ليكون روحاً وجسداً فيها.
كان حينما يسأله أبنائه عن السبب وراء عدم رغبته في العيش ببريطانيا، يجيبهم بعفوية: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا، ولا أبدله ببريطانيا البتة.
يقول سيرل بورتر في رسالته من بغداد عام 1919 الى اخته دورا :
أصبحت الحياة هنا جديدة، وكل شي في تطور، البشر والعمران، كل شئ جديد، لم يشوه البلد يد أم أن تشكله يد بالشكل الذي ترغب به، ربما الإهمال التركي كان نعمة وليس نقمة من يدري؟ فانا أصاحب وأعايش عملية خلق بلد بكامله من الناس الى البنية التحتية والفوقية والنظام والإدارة وكل شئ وهذا وحده مثير جداً، إذ يجد الإنسان نفسه شاهداً على عملية خلق أمه أو إنبعاثها كما يريد أهل البلد وصفها.
 الأمكانيات هائلة هنا، أرض معطاء مخربة مهملة متروكة، وناس يخشون الظهور في أي مكان، فهم في حالة إختفاء مستمر وأعتقد ربما سيكون لي دور ولو صغير جداً في عملية ظهورهم ومشاركتهم الحياة ودور في عملية البناء والتأسيس. ص98
وبالعودة الى البداية وشارع الرشيد بالتحديد، يخبرنا الدكتور علي ثويني في مقدمته أن سيرل بورتر كان يعمل في مد وتوصيل ونصب أعمدة الكهرباء في شارع الرشيد، وكيف أخبره أرشد العمري ملهوفاً من أنه سيرافق رئيس الوزراء لزيارة الموقع ومايجب عليه أن يظهر تراكم الإنجاز وتقدم الأعمال من خلال خداع المسؤول الحكومي بأن يثبت الأعمدة مؤقتاً ثم يستأجر حمالين أشداء يستطيعون نقل الأعمدة بسرعة وخفة الى مواقع متقدمة بالشارع لحين يخرج الوفد الحكومي من مكان يلجه الوفد بإيعاز من أرشد العمري، وهكذا إنطلت الحيلة على الحكومة بأن الإنجاز في طور متقدم، ولكن الاهم من ذلك أن أرشد العمري كان يطلب من سيرل أن يثبت عدد أكبر من الأعمال وكم أكبر من الاعمدة كي يخدع الحكومة ويستحصل على أموال أكبر، وهذا ما حدث بالفعل، فقد كان سيرل تابعاً لإملاءات صديقه وخريج المهندسخانة في إسطنبول. ص11
وهذه القصة تؤشر لنا أمر مهم، أن شارع الرشيد منذ البداية (ملعوب بي) !
وبعد أن قرأت حديث المعمار رفعة الجادرجي في الإخيضر والقصر البلوري بقوله : أخذت في تلك الآونة أطوف في أزقة بغداد يومياً، وبالأخص التي كنت أعرفها منذ طفولتي في الحيدرخانة وجديد حسن باشا والصابونجية وغيرها، كنت آنذاك في أشد التوق والحاجة التصميمية لإكتشاف الخصوصيات التصميمية في العمارة العراقية التقليدية القديمة، لكي أتخذ مما أكتشف من تلك الخصوصيات منابع أستمد منها الحلول، وخامات أعمل على تطويرها.
لما لا أحصل على جرعة مجانية من الخصوصيات التصميمية للعمارة العراقية؟ لما لا اقوم برحلة في شارع الرشيد صباح الجمعة؟ صحيح أني قد قطعت أجزاء منه سابقاً ولكني لم أقطعه من باب المعظم الى باب (الشرجي) سيراً على الأقدام، وبالتأكيد لن أدخل الى أي زقاق! الشارع الرئيسي فقط.
وبعد ان تأكدت النية ركبت أقدم سيارة (كراون) في بغداد، وإنطلقت من ساحة النصر وصولاً الى باب المعظم، لأجد نفسي أمام الجدار الكونكريتي لمبنى وزارة الدفاع، والمبنى الجميل لدار الكتب الوثائق العراقية.
ثم بدأت الرحلة: ساحة الميدان، مقهى الزهاوي، جامع الحيدرخانة، فتاة جميلة، جندي (يجر واحد من ياختة) مع (جلاق) بين فترة وأخرى لأنه تحرش بتلك الفتاة! مدخل شارع المتنبي، مجموعة من الشباب القادمين من كوكب آخر بتسريحات شعر (أوفر جداً) ووجوه (مجلوفة) أو لحى مصبوغة، الرصافي وحيداً، سوق العربي وتمثال الزعيم عبد الكريم قاسم، ساحة حافظ القاضي، جامع السيد السلطان علي، مبنى بدالة السنك للمعمار رفعة الجادرجي، جسر السنك ومتحف الزعيم عبد الكريم ايضاً، واخيراً مبنى المطعم التركي لأذهب يساراً الى ساحة التحرير وأركب أقرب (كيا) الى البيت.
الجميل أن الرحلة لم تكلفني سوى 2000 دينار مع نظارة (Ray-Ban) بـ(3000) دينار وقبعة قشية بـ(3000) دينار أيضاً. ويقال أن المسافة هي 4 كيلومتر.




الحقيقة أن الرحلة مفيدة معمارياً، ولكن الشارع يمثل أطلال العمارة العراقية، وليس بالجديد القول أن الشارع مهمل جداً، وهو بحاجة الى أمين وأمانة خاصه به وحده لتحسين حالته البائسة، وفي فترة سابقة سمعنا عن تلك الشركة التي أعدت تصاميم خاصة لتطويره ولكن الأمر توقف في مرحلة معينة، لأن الأمور على الأرض معقدة جداً والمشاكل متشابكة الى أبعد الحدود.

واخيراً وأنا أتطلع الى أسلاك الكهرباء التي تشابكت هي أيضاً في كل مكان، تذكرت قصة ذلك المثل البغدادي الشعبي التي تبدأ (بأن إعرابياً جاء الى بغداد لشراء بعض ما يحتاج، فدخل الجامع ليصلي .... ثم تنتهي بقول الإعرابي : شيخنا ... يالله وأكبر؟ إذا هي "متشابجة من الباب للمحراب" حالك حال غيرك) فذهب قوله مثلاً، والسلام.

الاثنين، 27 أبريل 2015

مدينة بسماية وأمنيات أخرى

في كل مرة أنوي الكتابة، أقف أمام عقبة الجدوى منها، فنحن بحاجة الى أفعال على أرض الواقع، أصبحنا مختصين في الكشف عن المشاكل وصياغة حلولها شفهياً وكتابياً ولكن ماذا عن التطبيق؟
القضية أن للتطبيق هموم و(ضيم وقهر)، وما يأتي يمكن أن أضعه تحت (خانة) الخواطر أو المذكرات حالياً.

بتاريخ اليوم 27-4-2015 حضرت ندوة علمية بعنوان "التصميم المعماري وتقنيات الإنشاء في مشروع بسماية السكني"  أقامها قسم هندسة العمارة في الجامعة التكنولوجية وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للإستثمار ووزارة الإعمار والإسكان العراقية.

وأعتقد أن أغلبنا قد إطلع على تفاصيل موقع المدينة ومخططاتها وأسعار الوحدات السكنية فيها وطرق التسديد ولو بصورة عامة، لتأتي الكلمة الأولى لرئيس الهيئة الوطنية للإستثمار الدكتور سامي الأعرجي وهو خطيب بارع بشخصيته وصوته وخبرته.
وبعد الحياة السعيدة التي صورها للمشروع، والإطلاع على نوعية الأبنية المنجزة وطبيعة معامل الأجزاء الجاهزة المستخدمة للبناء في الموقع، يمكن القول أن حاجز عدم الثقة قد (ينفطر قليلا)، لأن عدم الثقة بالنظام العام في العراق من أول موانع المشاركة في المشروع، علاوة على أسباب أخرى مثل بُعد الموقع عن مدينة بغداد وضرورة القيام بتلك الرحلة يومياً. 
وتبقى كل الاحكام غير موثوقة الا بزيارة الموقع والاطلاع على واقع الحال مع العلم أن طريقة عمل شركة هانوا الكورية، غاية في الدقة والمهنية.
وللمشروع أهمية كبيرة ليس في مجال الاسكان فقط وإنما في مجال التعليم الهندسي والإداري، وقد كانت المبادرة أولاً من قسم هندسة العمارة بتنظيم زيارة لطلبة الدراسات العليا لموقع المشروع والإطلاع على الأعمال فيه، ولكن ما الذي يمنع من إتفاق وزارة التعليم العالي وبالتنسيق مع هيئة الاستثمار والشركة المنفذة، بالتأسيس منذ السنة القادمة لمادة دراسية جديدة تضاف الى مناهج الكليات الهندسية كافة، تتضمن زيارات مستمرة للمشروع (شهرية) ومتابعة مراحل التنفيذ وطرقها وإدارتها وكلاً حسب إختصاصه، فمن مستوى وكفائة شركة هانوا، تعتبر هذه الفرصة غير قابلة للتعويض، علماً أن المشروع مستمر لغاية عام 2019، وهي فترة كافية لتأسيس دفعة من المهندسين الشباب الأكفاء عملياً.
ومع وصول الدور الى المتحدثين الكوريين، ممثل الشركة المصممة (هايان الكورية) والشركة المنفذة (هانوا الكورية) فهم لطفاء ومؤدبين ومحبوبين جداً، وبلغة إنكليزية واضحة وعرض مختصر وخفيف الظل، ولكن الأهم هي صفة (المصداقية) والمهنية في الخطاب، حيث أن هذه الندوة علاوة على فائدتها العلمية لمنتسبي وطلبة الجامعة، فهي ذات فائدة تسويقية لكافة الجهات المشاركة بالمشروع، وانا متأكد من أن الطرف الكوري مدرك لهذا الأمر، ولكن ممثل الشركة المصممة وبعد أن عرض صورة لأرض الموقع الصحراوية مع مساحات بيضاء، قال: كنا في البداية نعتقد أن هذا اللون الأبيض هو ثلج، ولكننا إكتشفنا بعد ذلك أنه ملح! وبعد شرح نسبة الاملاح ومقارنتها بملوحة ماء البحر، تطرق الى مشكلة نجاح التشجير والمساحات الخضراء في هذه التربة المالحة، حتى مع إضافة طبقة جديدة من التربة، وهذا القول يتناقض مع المساحات الخضراء الظاهرة في العروض التسويقية للمشروع وتأثيرها بصرياً ونفسياً على إتخاذ القرار بشراء وحدة سكنية.
وخلال الإستماع الى المتحدثين في الندوة تأكدت أن البعض والبعض فقط يفتقر الى (ثقافة الإستماع) أو (ثقافة السكوت)، وأنا أتمنى أن يكون هنالك طبقة في النار مخصصة للإشخاص الذين يتكلمون أثناء صعود خطيب على منصة أو أي مناسبة تتضمن متحدث يخاطب الحضور.
ومن حق أي أحد أن يقول أنت أيضاً تكلمت اليوم، وأجيب: إني تكلمت للضرورة فقط او لملاحظة قصيرة جداً وساحاول في المستقبل أن لا أتكلم أبداً.
 من يريد الكلام ليخرج من القاعة، فلم يعد هنالك وجود لجبرية حضور تلك الفعاليات، ولن نكسب شيئاً بإجبارنا الناس على حضور تجمعات علمية أو ثقافية، ما لم تكن هنالك رغبة داخلية بالاستزادة والإستماع.
وأخيراً فإن المشروع بإيجابياته وسلبياته لا يقارن بالمشاريع التي تنفذها الشركات العراقية في مجال الاسكان العمودي أو الأفقي، فقد نفذت الكثير من المشاريع في المحافظات الجنوبية، وهي فقيرة هندسياً وجمالياً، حيث أن جميع القرارات تتخذ على أساس تخفيض الكلفة أولاً، فكانت النتيجة وحدات سكنية خالية من الروح ... ميتة، وفي المقابل تدعي تلك الشركات وشركاءها من المسؤولين تطوير تلك المحافظات وتوفير الخدمات السكنية الملائمة لمواطنيها، ولكن: رجال الي يعبي بالسكلة ركَي.

الاثنين، 20 أبريل 2015

مهرجان الذقون السادس

          أبحث منذ يوم السبت عن إجابة لسؤالين محيرين، ما الفرق بين جلد الذات ونقد الذات؟ والسؤال الثاني: هل نرضى بالخدمات أو المنجزات الحالية ونمتدحها (من باب التشجيع والظروف القاهرة التي نمر بها) أم نستمر بالنقد وإظهار العيوب والتمنى بالحصول على أفضل مايمكن؟

وعن مصدر ضائع نتيجة النقل المتكرر، فإن جلد الذات : شعور سلبي يتنامى دائماً في أوقات الهزائم والإحباطات بحيث تتوارى النجاحات (والتي غالبا ما تكون قليلة أو باهتة) ويتصدر الفشل واجهة الصدارة. وهو ينبع من رغبة دفينة بالتغلب على الفشل ولكن ليس عن طريق مواجهته وإنما بالهروب منه، أي بالهروب إلى الداخل حيث ينزوي الإنسان و يتقوقع داخل هذا الحيز الضيق من الشعور بالعجز والفشل وذلك لعجز الفرد أو الأمة عن إدراك مواطن قوته ومواطن ضعفه وأيضاً مواطن قوة وضعف تحدياته ويسرف بدلا ًمن ذلك في تهميش كل قوة له ويعطى لتحدياته قوة أكثر بكثير مما هي عليه في الحقيقة. اي أن جلد الذات هو حيلة العجز ومطية الفشل ومهرب الجبن.
أما نقد الذات: فهو شعور إيجابي ناضج يتلمس معرفة مواطن القوة ومواطن الضعف بصدق وموضوعية أي أنه يقيسها ويقيمها ولا يهمشها أو يتخيلها. وليس له أوقات محددة ولكن له عقليات محددة تجيد قراءة نفسها ومحيطها وبالتالي لا تخشى مواجهة الأعداء أو التحديات و إنما تأخذ بأسباب النجاح والوصول إلى الهدف عن طريق التخطيط الجيد والاستفادة من أخطاء الماضي. (إنتهى الاقتباس)
ولعل نقد الذات واضح ومفهوم ولكن المهم، هو أن الجلد يقترن بقبول الفشل والهزيمة والقناعة بعدم إمكانية النجاح لأن الفشل مكتوب علينا وعلى (الي خلفونا)، والاستمرار بإجترار أسباب الفشل والتقليل من حلول ومقومات النجاح وإمكانية تطبيقها.
وسبب تبلور الاسئلة السابقة: زيارتي لمهرجان الزهور الدولي السادس على حدائق متنزه الزوراء في بغداد.
لا أنكر أن هنالك الكثير من الماء والخضراء، فكل زهرة ونبتة، جميلة وممتعة وقد تكون خلابة، ونافورات مياه تمر بينها فتشعر بإنتعاش الرذاذ البارد، ولكنك تصل بعدها الى مرحلة الشك بين جلد ونقد الذات.

أجنحة (أماكن مخصصة للشركات) غير منظمة، نباتات (مشمورة) وموزعة بدون تصميم وترتيب مميز، عدم وجود علامات دلالة لمسار حركة الزوار، مواد تنفيذ وإنهاء ركيكة، ممثلي الشركات وكأنهم جالسين في مقهى، بعيداً عن التفاعل مع الزوار والترويج لخدماتهم.
وأعتقد أن من شاهد صور المهرجان على الشبكة سيستغرب ويستنكر ما سبق، ولكنها إشكالية العصر، أصبحنا ننظر للقضايا من خلال صور جزئية، يقرر من خلالها المصور أحكامنا ومواقفنا منها.
إذا كان المصور مسيّر من قبل فكر أو جهة معينة، سيختار الصور التي تجعلنا نؤيد تلك الجهة، أما إذا كان مستقلاً، وذهب الى مهرجان الزهور فهو يبحث عن الجمال فقط، جمال الصورة لينقلها الى الآخرين.




وفي نفس السياق الصوري، ومن (نظرة سريعة) تشاهد الزائرين وعيونهم (طايرة) يبحثون على منظر جميل ليلتقطون الصور أمامه. وهو حق مشروع بالتأكيد. ولكن الوقت والجهد المبذول في الحصول على ذلك المكان وتحضير الكاميرات والهواتف النقالة وتأخير سير الأخرين حتى لا يمرون أمام الكاميرا، أكثر بكثير من الوقت المخصص لمشاهدة جمال الطبيعة. فهم يتركون التمتع بالواقع من أجل التمتع بصور منه لاحقاً. قد لا يكون لي الحق بنقد تصرفهم هذا، ولكن مراقبة عدد هائل من الناس وهم مهتمين بالتصوير فقط كانت مقلقة حقاً.
وبالحديث عن كلفة المهرجان والمبالغ المخصصة، فهنالك خبر غير موثوق يؤكد أن المهرجان قد كلف 15 مليار دينار عراقي، والمبلغ كثير جداً على واقع الحال ولكنه غير مستغرب في المشاريع العراقية الحالية.


وأخيراً فبالنسبة لي، كانت الزيارة مخيبة للآمال، وأتمنى أن لا يكون هذا النص جلداً للذات، لكنني أصف المهرجان بالضحك على الذقون، واعتقد أن السبيل الوحيد لضمان كونه نقداً للذات (ذات المجتمع) وليس جلداً هو أن نقوم بإنجاز وظائفنا الفردية على أتم وجه، فليس لنا أي سلطة على تنظيم أو تحسين هذه المشاريع، ولكننا نمتلك السلطة لتحسين إنجازنا لما يكلفنا به المجتمع. أي أن ننقد ذات المجتمع ونأخذ بأسباب النجاح التي نستطيع السيطرة عليها وبما يخدم المجتمع ككل، وليس لنا سوى القناعة بإمكانية تحسين ذاتنا وذات المجتمع ومن ثم ... المحاولة ... ورجال الي يعبّي بالسكلة ركي.


  

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

تحت نصب الشهيد

 عن أبي عمرو بن العلاء (أحد القراء السبعة وعالماً باللغة والنحو) قال:

"من أقام ببغداد ومات فيها ... نقل من جنة الى جنة"

ولا أعرف هنا مادفع بن العلاء الى إفتراض، أن من يقيم ببغداد يدخل الى الجنة بعد وفاته؟!
ولان الإنتقال من مكان الى مكان آخر، أو من (صوب) الى (الصوب الثاني)، بحاجة إما الى باب واحد، أبواب، أو الى جسر، جسور، فأنا أعتقد أن في كل حقبة بغدادية تفتح بوابة أو جسر جديد بين الجنتين وبفعل فاعل. ذلك الفاعل هو المعمار أو الفنان بالتحديد من بين سكنة الجنة الأرضية.

إحدى تلك البوابات زرتها قبل 13 سنة وجاءت الفرصة اليوم لأزورها مرة أخرى.

بعد قبولي لدراسة الهندسة المعمارية، وفي المرحلة الأولى، تم دعوة طلبة الهندسة المعمارية في الجامعات العربية، لعرض مشاريع تخرجهم في العراق، وكان موقع العرض الذي تم إختياره لأسباب مجهولة لديّ حالياً... هو نصب الشهيد في بغداد.
زرنا النصب لأول مرة صباحاً مع زملائنا في الجامعة، وكررنا الزيارة في اليوم اللاحق مع عدد من الأصدقاء. الحقيقة أن ما تبقى من تلك الزيارتين في ذاكرتي مجرد صور غير مترابطة:

-ممر مسقف بأقواس بيضاء مكررة.
-القواطع المصفوفة في الفضاء الداخلي لعرض مشاريع الطلبة المبهرة (لكوننا في المرحلة الأولى، ولأننا لم نشاهد مسبقاً مشاريع تم إظهارها ببرامج الإظهار الحاسوبية).
-طالب لبناني يرتدي تي شيرت أحمر، أُعجبت به إحدى الزميلات مما دفع زميل آخر لشراء تي شيرت مشابه وأرتداءه بعد أيام.
-ممر مجاور لنافورة مياه، تشعر برذاذها عندما تقف لأخذ صورة، بأول جيل وصل للعراق من الكاميرا الرقمية، إشتراها أحد الأصدقاء.
في السنة اللاحقة للزيارة تغير النظام، وسيطرت القوات الامريكية على النصب لتجعله مقراً لوحداتها، تستخدم فضاءاته الداخلية للعمل والنوم، بعدها تم تسليمه للحكومة العراقية، ليصبح أخيراً مقراً للدائرة الإعلامية لمؤسسة الشهداء العراقية.
هذه المرة الزيارة مختلفة، كانت مع المرحلة الاولى لطلبة هندسة العمارة، ولأنها في الزمن الحاضر فلا تزال تفاصيلها واضحة، ولا أعرف ما سأتذكره بعد 13 سنة أخرى.
ويمكن القول أن هنالك 3 أدوات مكنت (إسماعيل فتاح الترك) من تحويل نصب الشهيد الى بوابة سماوية خالدة:

-المقياس: لقد إعتاد الإنسان على مقاييس وأحجام أدوات حياته اليومية، إرتفاع الأبواب التي يستخدمها، مستويات طوابق الأبنية التي يعيش ويتحرك فيها، وحتى مقياس القبة كعنصر في الأبنية الدينية ولكنه ينظر اليها دائماً من مسافة بعيدة. ولكن الإحساس المتولد عن الوقوف بجانب نصف قبة مفرغة ترتفع 40 متر عن مستوى الأرضية التي تقف عليها، هو إحساس جديد كلياً ... الإنبهار،الرهبة، الخشوع، الإحترام. مهما كان الانسان فخوراً بنفسه يدّعي القوة والعظمة سيقف صغيراً أما أصحاب الذكرى ... الشهداء.


-الفضاء: ما فائدة المقياس الضخم مع وجود منافسين آخرين للنصب تشعر بالرهبة عندهم أيضاً، فيفقد النصب مكانته الروحية. كم كان إسماعيل فتاح الترك مبدعاً! لقد أستخدم 3 عناصر فقط، نصفي قبة وعلم ... وأبقى تلك المساحات الشاسعة فارغة تماماً. لقد قال ثلاث كلمات فقط ولكنها تحمل كل المعنى الذي يريد أيصاله. فالفضاء المحيط بالنصب هو الساند للمقياس في إيصال المعنى، وللحفاظ على إنسيابية وتواصل الفضاء تم تسقيط كافة الفضاءات المطلوبة في العرض تحت مستوى الأرضية، ومع الأسف نجد أن ذكرى المعماري المصمم لتلك الفضاءات (سامان أسعد كمال) قد أختفت تحت مستوى معرفة المجتمع أيضاً! الجميع يتحدث عن الفنان إسماعيل الترك المبدع للنصب فوق الأرضية ولكني لم أجد أي معلومة عن المعماري المصمم لبقية تفاصيل النصب المبدعة.




-التجريد: نجد أن أغلب النتاجات الفنية التي إستطاعت المحافظة على نفسها (مادياً)، رغم تبدّل الأنظمة في العراق هي أعمال مجردة من الرموز التي تشير الى جهة معينة دون غيرها، فهي أعمال تخاطب الإنسانية العراقية، كما في نصب الحرية لجواد سليم (على الرغم من أن رفعة الجادرجي يذكر أن عبد الكريم قاسم كان قد أعلن عن رغبته لوجود تجسيد لشخصه في النصب ولكنه (رفعة) لم يوصل تلك الرغبة لجواد سليم الذي كان يعمل على النصب في فلورنسا)، وأيضاً أعمال الفنان محمد غني حكمت التي وضعت مؤخراً في ساحات بغداد. وهذا هو الحال مع نصب الشهيد فهو من الداخل والخارج لا يحتوي على أي عناصر أساسية مرتبطة برموز وأفكار النظام السابق.


وقبل نهاية الزيارة ونحن نجلس أسفل أحد الأنصاف سألني صديقي: هل نستطيع إنجاز منتج فني أو معماري يقترب من مستوى نصب الشهيد في الوقت الحالي؟

وأعتقد أن الإجابة تتم بمرحلتين: الأولى، هل ينخفظ الإبداع بمرور الزمن أو بوجود المحن؟ هل قلَّ عدد المبدعين أو مستواهم الفكري حالياً؟ ومنطقياً: أن هنالك من يمتلك الموهبة والإبداع وقادر على إنتاج أعمال مشابهة.
أما المرحلة الثانية، إذن لماذا لم نستطع إنجاز عمل مقارب في ظل المرحلة الحالية؟
وهنا يبدأ الضيم والقهر والحديث خارج حقل العمارة ... وسأترك الإجابة لكم هذه المرة.