الاثنين، 15 فبراير 2016

السفرة الأولى- نصوص لطلبة المرحلة الأولى

عندما نقرأ للمعماريين، رفعة الجادرجي، معاذ الآلوسي، الدكتور خالد السلطاني وأخيراً لموفق الطائي، نجدهم يكتبون عن مئات التجارب مع المشاريع والمباني العراقية الرائدة، كمصممين أو معاصرين أو موثقين علمياً لها.
والحقيقة المؤلمة: عن أي مشاريع سنكتب نحن، أبناء هذه الأيام ؟
كان زمنهم زمن البناء، التأسيس، الوضوح ... وزمننا زمن إهمال الماضي، وبناء جديد لا يعتمد على أي فكر معروف الملامح.
وهذا يعني أننا أمام خيارين، نكتب عن مظاهر إهمال المباني التي شيدوها وكتبوا عنها، أو أن نكتب عن المباني الجديدة.
وفي الحالتين سننتج نصوصاً سلبية، تذم وتلوم وتتحسر وهذا ما يصبح مملاً مع الوقت.
وبما إن لتلك النصوص كتابها المعروفين والمؤثرين في الساحة المعمارية، يظهر لنا بديل البحث عن الإيجابية في حياتنا المعمارية اليومية، لا ننفصل عن الواقع ولا نستمر بالبكاء أيضاً.


غالباً تتضمن السنة الدراسية في المرحلة الأولى لطلبة العمارة رحلة علمية لمعالم مدينة بغداد، وهي غالباً أيضاً تكون لمنطقة تجمع أكبر قدر ممكن من المباني القيّمة، والتي تتمثل بالمنطقة من ساحة الميدان وحتى المدرسة المستنصرية، ولم تخرج هذه السنة عن القاعدة.
ومع علمنا بإحتمالية سقوط الأمطار يومها إلا أن الغيوم صباحاً كان توحي بأنها حبابة واليفة ... وما أن نزلنا أمام جامع الحيدرخانة (مدري منو ضوجهة!)، فغسلتنا غسلة العُمر.


وضمن مشروع الذاكرة التدوينية، طلبت من الطلبة في اليوم اللاحق أن يكتبوا عن أهم موقف، فكرة أو درس خلال الرحلة، ومن ثم إنتخبت أوضحها وأنضجها ... الحقيقة كانت نصوص مثيرة وممتعة وأتمنى أن تكون مفيدة لقارئي المستقبل كما نستفيد نحن اليوم من نصوص الماضي.

وأترككم مع النصوص بأقلام كتابها:  

جعفر ستار: مشاعر
خلالَ رِحلتي إلى السراي وشارعِ المتنبيّ فالمتحف البغدادي, لم يُثِر إهتمامي أيّاً من الإنشاءات, بل الذي أثارني هو الأفكار, فالأفكار هي التي تؤسِس الإنسان, فما الإنسان إلّا كتلة مُتراكمة من الأفكار التي قد تشوبها المشاعر. فالإبداع ينشأ من الأفكار, لذلك علينا أن نحافظَ على عقلنا الإبداعي من أيّةِ شائبة قد تشوبه, فالعقلُ سلاحٌ قوي لكنّه عالي الحساسية في ذاتِ الوقت, وإنّ رؤية الأشخاص يتأثرون, يؤدي إلى قتل الإبداع, وهو لمنظرٌ مؤلم.
الذي أثارَني, الشيء الذي لاحظتُه, هو أنّ أغلبَ زُملائي –وزميلاتي- قد أُثيرت حفيظتهم لسماعِ, أو لعلّه إستراقُ السمعِ, بعض الكلام الذي قد "يجرحهم" من اناسٍ مجهولين تماماً بالنسبةِ لهم ويجهلوهم, وعلى الأغلب لن نراهم مجدداً.. فهم ذلكَ النوع من الناس الذي يمُرّ علينا مرةً في العمر.
تساءلتُ حولَ زملائي, لِمَ هذا الإنفعال؟ ولِمَ هذه المشاعر تجاه أشخاصٍ لا تعرفونَ أسماءهم حتّى! بالنسبةِ لي, لا يسعني سوى أن أتحسّر على بساطةِ الطرفين, فكلُ ما قد يؤدي إليه هذا الإنفعال هو قتل الإبداع, إذ علينا ألاّ نتأثر بأشخاصٍ لن يؤثروا علينا فعلياً, فنحن سنضّرُ أنفسنا فقط بهذه الطريقة, وستعاقُ عقولنا وطريقة تفكيرنا, ويموتُ الإبداعُ فينا.
فكما يقول مارتن لوثر كينغ:
"الظلام لا يُمكنه محي الظلام, فقط الضوء يستطيعُ فعلَ ذلك,
 الكراهية لا يمكن أن تمحي الكراهية, فقط الحُب يمكنه فِعلَ ذلك."

رويدة باسم: سياح  بوطننا
رحلتنا الجامعية لشارع المتنبي تكللت بالكثير من المواقف الغير قابلة للنسيان أن جاز التعبير, الكثير من المواقف والأحداث بودي أن أّذكرها لك أيها القارئ ولكني أحاول تلخيص أكثر ما لفت انتباهي في رحلتنا وأكثر ما علق في ذاكرتي حينها :
 نتمشى في شارع المتنبي سوق السراي مرورا ببناية القشلة و المتحف البغدادي , بنايات تجسد ثقافة العمارة الكائنة في الفترة التأريخية العثمانية في تاريخ مدينة بغداد.
شكلي وأنا طالبة متحمسة في سن الثمانية عشر عاما أتجول تحت المطر مع زميلاتي وزملائي طلاب المرحلة الأولى  نلتقط صورا بعضها تذكارية والبعض الأخر هي لغرض دراسي , لفت شكلنا الحماسي أصحاب المحال التجارية والمكتبات وبعض الباعة المتجولين وكالعادة " حجاية التنكال " كان من المتوقع سماعنا لبعض العبارات المتوقعة مثلا " سياح ذولة لو شنو " و "ناس فايخة " والمزيد من العبارات الأخرى المتوقعة وغير متوقعة منهم , لا اعلم هل انزعجوا من ضوضاء تواجدنا هناك ام استغربوا من كثرة التقاطنا لتلك الصور المميزة للابنية التاريخية والتراثية والمقاهي الاثرية وكل ما كان موجودا هناك , كان من الممتع أن نشعر بحرية وحماس يغمرنا هناك وتوق الى تجربة كل شيء ومشاهدة وتوثيق كل شيء والاستمتاع بالجو الرائع الممطر "صح تنكعنا " لكن المطر اضاف ميزة رائعة لرحلتنا هناك . ولا أظن أن أي شخص منا بأمكانه أن ينسى روعة تلك الرحلة.

رانيا كريم: ليس كل ما يلمع ذهب
في الواقع ليس كل ما هو ثمين من ذهب، الا اننا ربما اثناء التطور الفكري والحداثة فقدنا المقدرة علی تثمين ما نملك وما تم منحه لنا ولا اقصد بذلك معنويا بل ايضا مامنحته لنا الطبيعة، اضافة الی العديد من سلوكيات المجتمع التي اصبحت اليوم (مودة قديمة) ففي اثناء رحلة لقسمنا العلمي الی شارع المتنبي والمتحف البغدادي مابين الطرقات القديمة ورائحة الابنية التي اثارتها (زخات المطر) اعترف انني تشتت كثيرا ما بين التركيز علی اهداف الرحلة في ملاحظة الابنية والزخارف وما يمت للعمارة بصلة اضافة الی محاولتي في تجنب التعثر بالحفر التي امتلئت ماءا، ومابين تفكيري بالكتب التي اود اقتنائها وهوايتي الغريبة في قراءة ملامح الناس التي بدت كالابنية القديمة حين غسلها المطر الا انها متجهمة اكثر، ومع كل هذه الفوضی في داخلي، ساعدني المتحف البغدادي علی التركيز قليلا بما فيه من مشاهد تجسد جانبا من المجتمع البغدادي وطابع الناس آنذاك، ووجدت ما اثار اهتمامي قبيل الخروج من المتحف في الجزء المتعلق بتجسيد الحرف القديمة التي انقرض اغلبها في حين نادرا ما نسمع عن الحرف الاخری، ولعل هذا مرتبط بكون اغلب تلك الحرف اعتمدت بشكل او باخر علی استخدام واعادة استخدام ما هو متوفر في المجتمع آنذاك، في حين يتم استهلاكه واستبداله في الوقت الحالي، حيث ان ذلك الجزء من المتحف يجعلك تفكر بالنزعة الاستهلاكية لمجتمعات اليوم، وكمثال اثار اهتمامي كان من ضمن الحرف (خياط الفرفوري) علی الرغم من ان الفرفوري ليس ذهباً! الا انه كان هنالك حرفة خاصة به تتضمن اصلاح القطع المحطمة لكي لا يتم التخلص منها، مما جعلني افكر لربما كان لديهم سابقا معرفة بآلية الـ(recycling)  او انه نفس الدافع لتثمين الممتلكات وعدم التخلص منها الذي نتيجة لتطورنا الفكري لم نعد نجد الحيز الكافي في ادمغتنا لنفكر فيه حيث ان (option) الاستبدال هو الاكثر طلبا (حالياً) ، او ربما هو الفارق الزمني من حيث اهمية الفرفوري سابقاً وحالياً اضافة الی غلائه وغيرها، الا انني لا اراه مبررا كافيا فالفكرة هي ذاتها من حيث الاستهلاك والاستبدال غير المبرر! اما اذا فكرت بالعودة الی قوانين الوراثة والتعابر الجيني فربما اكون قد بالغت في تقدير حسنات المجتمع السابق فمجتمع اليوم هو امتداد لتلك الاجيال ، مما يجعلني افكر بانه ربما لكونه يلمع اهتموا به ، من يعلم!!

آمنة عبد الله سعدون: ما بين تسآءل وحلم
كان المطر جزءً من احداث ذلك اليوم .. اضاف اليه الكثير من المشاعر التي ستحيى كلما مررنا من منطقة القشلة .. او الاصح "بغداد القديمة" منطقة قديمة تزينت في ذلك اليوم بروح شبابية .. حماسية .. غامضة نوعاً ما .. امتزجت كل تلك الصور مع التمثال المبلل للشاعر الكبير "المتنبي"
ثم الى تلك الاروقة الممتدة .. الى افق واسع يعطيك احساس باللا نهاية .. وارتياح للنفس اثار في نفسي العديد من الاسئلة .. هل كان اهل بغداد القديمة اناس خلو من كل مشاعر الكآبة والقلق .. ام انهم تجنبوا تلك السلبية بأماكن كهذه؟
شعرت ان تلك الاماكن مريحة للنفس .. تمتلك طاقة غريبة من الايجابية .. هل كانت تستخدم لهذا الغرض؟ ام انها اماكن عامة تستخدم غرضها الوظيفي الاساسي .. ولكن طُبع فيه من طباعهم وعاداتهم البسيطة مما ترك بساطة وراحة للمكان بشكل لا يوصف
ومن بين الاشياء التي لفتت انتباهي ايضاً .. فعالية شبابية في المركز الثقافي تحت عنوان (احلامي)
كبرت احلامي .. وسعها اخذ اتساع المكان .. ليس بفضاءه! وانما بمداه
ذلك الشعار! تلك المنصة المبللة! وكل الحروف التي تبعثرت ليجمعها الحلم مرة اخرى .. فتصبح حقيقة .. كل ذلك الكوم من الاحلام المتراكمة .. والاحلام المؤجلة .. والاحلام التي حققت بعد فوات الاوان .. واحلام حققت بأوانها بعد ان فقدوا اصحابها الامل! غسلتها دموعهم قبل المطر .. وكأن المطر كان تعبيراً عن فرحهم .. اصوات علت بفخر لتحقيق احلامها .. تُركت ولن تُنسى في هذا المكان .. خالدة الى الابد تردد صدى الامل في ارجاء المركز

احياناً .. بعض المواقف الصغيرة .. وبعض الصور التي أُلتقظت وخُزنت في الذاكرة .. ترسم بداخلك اصراراً لا منتهي .. قلت في نفسي حينها: العديد منا.. يدخلون لهذا القسم بغير ارادتهم .. ساقتهم اقدارهم لهذا المكان لا اقدامهم، وانا التي اخترته بنفسي .. صارعت من اجله اثنا عشر سنة .. اصارع بحلمي مع نفسي ومع الاخرين .. احياناً كانت تجتاحني احلام بعضهم .. ولكنني بقيت متمسكة بأحلامي .. وسأبقى.

ألق شاكر: خرائب الكريستال
         لم يتبق من ملامح بغداد القديمة سوى ركام الماضي - الذي يجثو على ركبتيه  بعد ان ارهقه  الاهمال والظروف العصيبة -   والذي تجسدة البيوت البغدادية المتهرئة التي تظلل الازقة الضيقة بشناشيلها العريقة، وتلك الجدران التي دوت بحكايا عصور مضت لو حكت لافصحت لنا ولو قليلا عما مرت به !
بغداد حبيبة القلوب اضحت – كما رأيتها في ذلك اليوم – شبح مبهم الملامح لحضارة عظيمة تسير نحو السبات .. قد خسرت ما تبقى لها من روح مع خسارة اغلب مبانيها وشوارعها التراثية العريقه التي اما اندثرت او لامستها رياح التجديد الشكلي المتهرئ !
تركت من حولي لاذرَ عيناي في زاوية النافذة التي كانت بمسير الحافلة تمرر عبرها مشاهد للمعالم التي من المفترض انها تمثل قلب بغداد العاصمة  ، وما بين دمدمات الهواجس وتصادم الافكار, انطلقت تلك الفتاة الصغيرة الفضولية التي تسكن اجزءا من قلبي وعقلي لتخاطب بغداد (ام الدنيا في نظري) : (( أانتِ جميلة المدن العربية ؟؟ أانتِ فخر وعز العرب ؟؟ أانتِ من تغنَّو بها وكتبوا لاجلها الابيات و القصائد الطِوال ؟؟ أانتِ قبلة العلماء والباحثين؟؟ ماذا حل بكِ ؟؟ ))
اكتفت باجابتي بصمت عميق ومحزن ، لم يكسر الصمت والركود الا قطرات المطر التي غسلت ازقتها وشوارعها ليسرع كل من كان في الشارع ليرتموا في احضان مبانيها التي تشبعت  بدفئ الماضي كانها كانت تقول لي بصمتها عن مدى تزاحم المشاعر داخلها .. كيف ان الناس ارتموا بين اضلعها الا انهم لو اتيحت لهم الفرصة لهجروها وهي امهم الحنون التي لن يجدوا مثيلا لها ، الا انني تمنيت لو انها تجيبني بصوت مرتفع مدوي  .. تمنيت لوانها ترد بكلمة واحدة كيف تحولت من مركز للثقافة يهوي اليها طلاب العلم من كل حدب وصوب الى بقايا مدينة يهجرها الباحثون والعلماء ليرحلوا بعيدا عن معترك الحياة فيها ! لربما كانت في الكتب المبعثرة في المحال والتي اسمرت اوراقها و كانت شواهد للعصور اجابات على اسئلتي !
لا ادري ياجميلتي يا بغداد .. أانتِ زهرة يصيبها الذبول ؟؟ ام ان هذه نكبة ما قبل النهضة ؟! وما بين مؤيد ومعارض لما يدور، من يدري ! فلربما يكون رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب !! ولربما الصواب في عكس المعادلة !

      أتساءل انا وقد يتساءل الكثير فيما لو آن الاوان لمجتمعنا الذي يسكننا ولا نسكنه ان ينال حظه في بناء امجاده من جديد ، لنكون نحن – شباب الغد – روحا تبث الحياة في ازقة بغداد ونعيد لكل حجر حكايته , حكاية تبدأ حين تدق القشلة من جديد " رغم كل شئ "!! 


غدير عبد الباري: متصرفية بغداد
بناية المتصرفية ... لم أسمع بها من قبل ولم أزرها وعند رؤيتي لها لأول مرة في سفرتنا كانت بناية مهدمة أو أشبه بالمحروقة أو ربما كانت حقاً محروقة ... لم تكن بناية ، كانت مجرد أسوار وسلًم عند الدخول .. لم أعرف شيئاً عن قيمتها التأريخية ولا لأي فترة زمنية تعود ..لم أسأل الأستاذ عنها حتى أسمها لم أعرفه في وقتها .
كانت زيارتي لها مجرد التقاط صور لأسوارٍ مهدمة .
كان من المهم أن أسأل عن هذه البناية وماذا كانت تمثل ..قصرٌ..مسجدٌ..أم مجرد ساحة كبيرة محاطة بأسوار.. ولمَ هكذا مهدمة ؟
الجو الممطر في سفرتنا أتعب شكل البناية أكثر فأكثر ..كانت المياه تنزل من اعلى جدرانها ..كأنها تأكلها ..
تمنيت لو عرفت ماذا كانت تمثل هذه البناية ..
بعد بحثي عنها علمت ..
كان أول متصرف لبغداد السيد رشيد خوجة. وقد استمر في وظيفته حتى الثالث عشر من ايلول سنة 1921 وذلك بسبب موقفه المخالف من الإستفتاء الذي حصل على ملوكية فيصل في العراق .وقد كانت متصرفية بغداد ممثلاً عن الحركة الوطينة لوجود فئة مثقفة  وواسعة فيها ، وذات تأثير كبير .
في التاسع من شهر نيسان سنة 1926 داهم بغداد فيضان كبير في مياه نهر دجلة لم تعهد مثله بغداد منذ سنوات وقبلها بأسبوع كانت مياه نهر الفرات قد فاضت أيضاً. وأدى ذلك الفيضان إلى غرق مناطق عديدة من بغداد ، وكان من بين ذلك متصرفية بغداد وقصر الملك فيصل الاول .

كان السبب في غرق المناطق هو أن مدير المزرعة الملكية قام بفتح أحد القناطر لسقي مزرعة القطن الملكية ففتح بوابة الجانب الايسر ولم يستطع إيقاف تدفق المياه  بشكل كبير ،وقد أحيل مدير المزرعة الملكية إلى محكمة جزاء الاعظمية بناءاً على طلب متصرف بغداد آنذاك (ناجي شوكت) .









الأحد، 14 فبراير 2016

كما تحب أن يعاملوك

حالة ممتعة أن تحاول الكتابة في يوم محدد من كل عام، فتستطيع من قراءة ومقارنة النصوص المكتوبة بعد عدة أعوام، أن تنتبه للتطور المفترض في طريقة تفكيرك، وأن تنتبه لطبيعة الأفكار السائدة في ذلك اليوم من كل عام والتي يتناولها النص المكتوب.
هذه المحاولة الثالثة للكتابة في الـ Valentine's Day، الأولى كانت عن كون الناتج المعماري (المبنى) هو هدية حب خالدة على مر السنين، والثانية عن محاولة حب دراسة العمارة من قبل الطلبة بعد نتائج القبول المركزي التي لا تعتمد على رغبة الطالب الحقيقية، والأخيرة هي اليوم.
وكان السؤال المحفز: هل هنالك تاجر جالس في مخزنه أو صاحب محل في محله، وجاءه 20 أو 50 زبون يسألون عن دباديب وقلوب حمر؟ فأجابهم: (والله ماعندي)، وقرر أن يستورد الكميات المطلوبة في السنة التي تليها؟
أم أن التاجر (صاح براسة صوت) فقرر أن يستورد تلك الكميات من (الدعافيس) الحمراء ويوزعها على المحلات و(بلكت الله أكو أحد يشتري)؟
ليس الهدف من الأسئلة مناقشة صحة الإحتفال بالذكرى من عدمه، ولكن القول أن تهويل الموضوع الذي جعل الرافضين له يتخذون مواقفهم وإجراءاتهم ناتج عن قرار تجاري تم فرضه على الشارع، يتحمله التاجر العراقي، وهو نفسه يتحمل إستيراد البضائع الرديئة جداً، وجميعنا نسمع عن التاجر الذي ذهب الى الصين وطلب منهم سلعة معينة ولكن بسعر زهيد جداَ بالتالي نوعية (زبالة) جداً تغرق الأسواق العراقية.
الفكرة أن الإحتفال كان من الممكن أن يكتسب عدد أقل من الأعداء، ويتم بطريقة يتقبلها المجتمع بدلاً عن طريقة (المشايفين).
ومن الضرورة القول كما يقول الكثيرون أن اليوم مخصص لحب محدد، بين (رجل- مرأة) ومحاولة إشراك حب الإنسان أو حب الأم أو الوطن هو أشبه بفكرة (الأسلمة)، أي جعل الظاهرة الحقيقية الغربية مقبولة عربياً، ويندرج تحت هذه المحاولة كتابتي عن حب العمارة طبعاً.
وإستمراراً لفكرة السنة الماضية، لو فرضنا أن الطالب لديه نية حقيقية بمحاولة حب دراسة العمارة وبالتالي ممارسة مهنة العمارة، فما الذي يمنعه من ذلك ؟!
أولاً طبيعة المواد الدراسية ضمن مناهج دراسة العمارة قد لا يتقبلها الطالب، والتي تتضمن دراسة تأريخ العمارة الإنسانية بمختلف الأزمان والمواقع الجغرافية، وأنظمة ووسائل ومواد الإنشاء، والرسم الحر والكثير من المواد الساندة علاوة على الأساسية كالتصميم المعماري في كافة المراحل. ولكن وفي حالات كثيرة نجد أن الطالب أو الإنسان بصورة عامة يتصف بالمرونة، والدليل أن أغلب الطلبة يُقبلون بأقسام خارج رغبتهم ولكنهم يصبحوا ناجحين بذلك الإختصاص.
لذا فطبيعة المواد قد يكون سبباً من الممكن تجاوزه أو الإعتياد عليه بعد فترة من الزمن.
أما العامل الآخر، هو إسلوب الأساتذة أو طريقتهم التدريسية، وهو ما يعتمد على شخصياتهم الإنسانية بعيداً عن الشهادة الأكاديمية التي يحملونها. ولإعتماد طريقة تحبب الطالب بالمادة الدراسية وبالعمارة ككل، من الممكن أن يغمض الأستاذ عينيه ويتذكر ... يتذكر سنوات دراسته الخمسة وبعدها سنوات الدراسات العليا ... أي أستاذ كان السبب لحبه مادة معينة أو للعمارة، وأي أستاذ كان لا يتقبله وقد يكرهه حتى ويكره مادته وبالتالي مواضع دخولها في المهنة أو التصميم. , ويحاول أن يقتدي بالأول ويبتعد عن الثاني.
هذا هو الحل المناسب وهو يقترب من حكمة: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وليس لنا حاجة لتعداد الصفات السلبية التي قد نجدها عند بعض الأساتذة.
قد يكون تبرير الأساتذة أن الطلبة (ميجون الا بالعين الحمرة)، وهذا يجعلنا نبحث عن حالات تفند هذه الظاهرة، أستاذ يتقبله الطلبة ويحبون مادته وبالتالي يحبون العمارة ... هل توجد هذه الحالة؟
أترك لكم الإجابة ...
عندما أتضايق وليس لدي فكرة محددة أرفه بها عن نفسي، أكتب مفردتين من سياقين مختلفين جداً ولا علاقة بينهم في محرك البحث Google، عندها أكتشف كمية هائلة من الأفكار (صور غالباً) ممتعة ولا تخطر على بال ... كتبت اليوم : valentine architecture   

وكان من بين النتائج : 










الجمعة، 12 فبراير 2016

فرشاتي الطوطمية

ماهو الطفيل الأكثر مرونة؟
البكتريا؟ الفيروس؟ دودة الأمعاء؟
السيد كوب يريد أن يقول: الفكرة ...
مرنة وشديدة العدوى، عندما تترسخ في العقل من المستحيل التخلص منها.

هذا ما يدور في المشاهد الأولى في فلم inception  لليوناردو ديكابريو، وهو فلم مميز بالنسبة لنا نحن المعماريين، كونه من الأعمال القليلة التي تلقي الضوء على أهمية المهندس المعماري في الحياة.

وقد أصابني الفلم بعدوى فكرة الـ Totem، وهي أن يمتلك كل شخص شئ يختاره بعناية وتكون له صفات فيزياوية خاصة جداً، معروفة من قبل هذا الشخص ولا يعرفها أحد غيره ولا يسمح لهم بذلك، يستخدم هذا الشئ لكي يستطيع ذلك الشخص التمييز كونه يعيش اللحظات في الواقع (واقعه وحياته الشخصية)، أم أنه يعيش لحظات في حلم شخص آخر. في حالة إتصاف ذلك العنصر بصفاته المعروفة فهو يعيش الواقع، أما إذا تغيرت صفاته فهو يعيش داخل حلم شخص آخر لأن صاحب الحلم لا يعرف صفات الشئ بالتحديد.




أما لو بحثنا عن فكرة الطوطم خارج سياق الفلم، فهي تشير الى حيوان يرمز للإله أو لقوة معينة عند القبائل البدائية، يخافونها فيتم عبادته للخلاص من غضبه، ولذلك تفسيرات لا تخدم فكرتنا الجديدة.


وإنطلاقاً من فكرة الطوطم في الفلم، لنستذكر بعض تفاصيل حياتنا اليومية ...
مع سائق تكسي معين نجد أنه يسترسل في سرد أحداث وبطولات خرافية غالباً تكون حول سلبية الشارع والأحداث لنصل الى مكاننا ونحن (لعبانة نفسنا) وقد إستلب كل طاقتنا الإيجابية.
نجتمع مع زملاء أو أصدقاء لنستمع لأحاديثهم وذكرياتهم التي لا تقدم ولا تؤخر، ننقاد خلف قرارات الآخرين لقضايا تخصنا وتؤثر في حياتنا.
والخلاصة أننا في صراع دائم بين ذاتنا الفردية وبين تأثيرات الأخرين عليها. والحديث هنا عن التأثيرات السلبية فقط، لأننا لا نستطيع الإستغناء عن الإيجابية منها.
وبعد كل هذا ومرة أخرى من فكرة الفلم عن الطوطم، فمن الممكن أن نختار شئ يرافقنا في يومياتنا نضعه في جيوبنا نمسكه بأيدينا ليذكرنا بأننا يجب أن نكون أصحاب القرار وأن نبتعد عن كل ما يفرضه علينا الآخرين.
في التكسي تلمس الشئ فتتذكر أنه بإمكانك إستخدام هاتفك لتقرأ رواية معينة فيسكت صاحب التكسي ويركز على الطريق، تلمسه مع الزملاء فتقول لهم (من رخصتكم) للتخلص من الأحاديث المملة غير المجدية، وكذلك على مستوى الإختيارات والمشاركة في الأفعال.
هو رمز للحرية، للفردية، لنكران سيطرة الآخرين وتأثيراتهم السلبية.
فيما يخصني وقبل فترة جلبت لي خالتي مجموعة من أدوات الرسم من فرنسا، ومن ضمنها فرشاة تحمل الرقم 10 ، لا أعرف لماذا أرتبطت بها!


قد يكون السبب المكان الذي قدمت منه أو جهلي لماضيها وأخيراً إعجابي بالرسم والرسامين. وهي الشئ الذي إخترته ليكون طوطمي الشخصي أحملها معي عند خروجي من البيت غالباً وأضعها مع القلم في الجيب.

يمكن أن نختار أي شي مميز ونطبق الفكرة للإبتعاد عن الإنخراط والإنسياق وفقدان الحرية الشخصية، ونقول للآخرين : إنتوا شعليكم ...










الاثنين، 1 فبراير 2016

المؤتمرات والصلاحيات

في ظل طريقة الحياة والإدارة التي نعيشها، ومع محاولة متقصدة للتجرد من أي ذرة أمل بتحسنها، تسآءلت:

كم مرة بالإسبوع نستمع لمن يقول: (إن التنظير ميوكل خبز)؟
كم مرة نستمع لمن يقول: أن هنالك فجوة بين التنظير والتطبيق في العراق؟
وكم مرة نقول: أن مشكلتنا هي بالتطبيق أو التنفيذ لأن كل مشاكلنا لها حلول يعرفها، ويقترحها الشخص العالم والشخص البسيط؟

لذا لن أكرر هذه الأقوال وإنما سأقول قول آخر:
من الضروري أن يكون التنظير ضمن الصلاحيات والا فلا .

نعرف غالباً معنى الصلاحية في حياتنا اليومية، وهي تعرّف بأنها: الحق في تكليف الآخرين للقيام بالأعمال وإصدار الأوامر الملزمة لتحقيق الأهداف المنشودة .
وفكرة الإرتباط بين البحث النظري وبين صلاحيات التطبيق نابعة من إستعراض تجارب إقامة المؤتمرات العلمية من قبل الجامعات والوزارات العراقية.
نعلم جيداً أن أي مؤسسة من النادر جداً حالياً أن تستطيع (فك برغي واحد) يقع ضمن صلاحيات مؤسسة عراقية أخرى، إذا لم يكن الروتين وتأخر المخاطبات الرسمية وتشكيل لجان معينة للنظر في الموضوع كافياً للعرقلة، فهنالك جانب المحاصصة و(هذا إلي وهذا إلك).
لذا لكي يكون أي مؤتمر نافعاً على الأرض حقيقة ، فمن المفترض أن تصب كل نتائجه وتوصياته في صلاحيات المؤسسة المنظمة له، فعندما يفكر قسم هندسة عمارة مثلاً في إقامة مؤتمر علمي يفضل أن تكون كل نتائج البحوث وتوصيات المؤتمر تدور ضمن قضية التعليم المعماري، لأنها القضية الوحيدة التي تقع ضمن صلاحيات القسم. 
قد يكون الرأي غير مقنع وهي حقيقة، لأن هنالك الكثير من قضايا العمارة بحاجة الى البحث والتنظير فيها وهي تقع ضمن صلاحيات مؤسسات متعددة، ولكن ما يجعله منطقياً هو محاولة زيادة أهمية التنظير، والتقليل من مصداقية الأقوال الثلاثة التي افتتحت بها النص.
في المؤتمر الأخير الذي حضرته، تذكرت الممثل المصري حسن حسني عندما يقول لكريم عبد العزيز: بتعصبك يافاشل ؟! يافاشل يافاشل يافاشل ...
ففي كل لقاء نعيد قضية إهمال أمانة بغداد أو الوزارات لقضايا التراث والعمارة المحلية، وكونهم فشلوا في الحفاظ على تأريخنا، ونخرج بتوصيات أغلبها تقع ضمن صلاحياتهم، وقد تصلهم نسخة من تلك التوصيات أو لا تصل أصلاً وهم في الحالتين (إذن من طين وإذن من عجين).


لذا الحل الأكثر عملياً، أن نوصّي ونطبق نحن، ومد رجلك على كد غطاك !  












الجمعة، 22 يناير 2016

إسطورة مئذنة سوق الغزل

لا توجد صفقة في العالم أنجح من صفقة شراء كتاب بألف دينار!
كومة كتب على الأرض وبائع يصيح: كتاب بألف ... كتاب بألفين ...
تنزل على رُكبك وتكَلّب ... وإنتَ وحظك ...
الحقيقة أمتع الكتب وجدتها بهذه الطريقة ... والأخير، الجزء الثالث من حديث الثمانين للدكتور كمال السامرائي.
بألف دينار فقط، تشارك الدكتور كمال أصدقاءه وعملياته وأسفاره العربية والأوربية، وكانت المفاجأة أن أجد  داخله عنوان: مئذنة سوق الغزل وجامع الخلفاء 1965.
الدكتور كمال السامرائي

يتحدث الدكتور كمال عن صدمته بظهور ركائز كونكريتية الى جانب مئذنة سوق الغزل، وقد شاع بين الناس أن جامعاً سيقام على هذه المئذنة وثمة حوانيت ستشيد حوله لتمويل إدامته، فثار في نفسه (دكتور كمال) السخط على إقامة هذه الحوانيت، كما خاف أن يكون الجامع المزمع تشييده على طراز حديث يناقض هندسة المئذنة، فكتب في هذا الموضوع خطاباً نشرته جريدة الجمهورية يوم 24-5-1965
يدرج الدكتور كمال نص خطابه المفتوح الى الدكتور محمد مكية يبين فيه موقفه ورأيه قبل أن يرى التصميم المعد للجامع، وقد أكتب مرة أخرى عن صيغة الخطاب المحترمة وطبيعة الثقافة المعمارية لطبيب يهتم بعمارة المدينة التي يعيش فيها.
ما أعجبني هو ملاحظة الدكتور كمال، كيف تفاجئ يوماً بمدير الأوقاف العام يرد على أفكاره في الخطاب بلهجة تهكمية لا موضوعية، بينما الدكتور مكية رحمه الله فلم يعلق على ما كتبه في جريدة الجمهورية!
والأهم هنا حديث الدكتور عن إسطورة مئذنة سوق الغزل وهي التي فرضت عليّ كتابتها هنا لأني لم أقرأها في كتاب آخر مهتم بالعمارة العراقية أو نتاجات الدكتور محمد مكية بالتحديد.






أنقل لكم النص من الكتاب وفي صفحته 139:
أنقل هنا واحدة من الحكايات عن المئذنة دون تحريف كبير لنصها الذي سمعته من إثنين من كبار البنائين في بغداد، وقد يكون مصدر حكايتهما واحد. أحدهما الأسطة محمد وهو الساعد الأيمن للدكتور مكية في بناء جامع الخلفاء وترميم مئذة سوق الغزل، وهو مثالاً للبغدادي الأصيل في ملبسه وفي كلامه وإشاراته التي يبطنها بمعاني خاصة، كما تبين لي أن له معلومات تأريخية لا بأس بها عن هذه المئذنة سردها لي بتقطيع وتأن، وقال:
إن هذه المئذنة لا يزيد عمرها على السبعة قرون، أي أنها ليست عباسية العهد، وقد أمر ببنائها (أحمد أباقا بن هولاكو) وعهد بالإشراف على تشييدها الى وزيره عبد الله الجويني، وتلتصق بها قصة ممتعة حتى لو كانت خرافية.
فقلت له أريد أن أسمعها لو تفضلت فقال:
كان في أصفهان أشهر البنائيين في إيران وإسمه (حاجي علي) وله تلميذ إسمه (غلام علي)، ورغم التحابب الذي يشد بقوة بين هذا الأستاذ وتلميذه، فإن أولهما كان ضنيناً بتعليم كثير من أسرار مهنة تجميل العمارة وزخرفتها، كما أن تلميذه كان حاد الذكاء وقوي الملاحظة، وكان يراقب استاذه دون أن يثير إنتباهه ليكون خليفته في الصنعة، وذات يوم وهما يتحدثان عن مئذنة أصفهان الشهيرة، قال غلام علي:
-إن هذه المئذنة هي غاية ما يمكن لأي إستاذ في البناء إن يصنعه.
ويبدو أن الإسطة الحاجي علي عدّ هذه الإشارة تحدياً له، فقال بكبرياء ووقار:
-ليس في هذه المئذنة الا إبداع في تناسق ألوان القاشاني فيها، وأنا أطمح أن أبني مئذنة من طابوق بلون واحد لا يدخلها أي لون آخر وهذا هو وجه الإبداع فيها والمبادرة التي لم يسبق اليها أحد من شيوخ البناء، كما سأجعل لها سلّمان، الصاعد اليها لا يرى النازل منها، أريد أن أجعل المنارة التي أفكر ببنائها حدثاً في العمارة يتحدث به الرُكبان.
وشرح حاجي علي لتلميذه طريقة بنائها وتلميذه ينصت اليه بكل جوارحه، وأراد أن يستوضح منه الكثير عنها وسأله:
-وهل ستكون إسطوانية القوام أم مربعة أم ماذا؟
فأجابه إسطة علي:
-إن المآذن المنشورية لا تعطي طابع الصعود والسموق المستمر كالمآذن الإسطوانية. ولذلك سأجعلها إسطوانية، كما أن النور والظلال يتداخلان على سطحها بنعومة تحت النظرة الواحدة، فلا نور قاطع ولا ظل قاطع كما هو في المآذن المنشورية فلا تتعب الناظر اليها.
وسأله:
-وأين تضع حوضها؟
فأجابه:
-سيكون لها حوضان يقسمان المأذنة الى ثلاثة أقسام.
وفكر غلام علي بما سمعه من أستاذه إسطة علي، وعزم على شئ، فقد إستيقظ مبكراً وحمل تحت إبطه صرة فيها زاد ما يكفيه للسفر بالكروان الى بغداد.
وكان يحكم بغداد يومئذ الخان أباقا التاتاري وقد دخل الإسلام في تلك الأيام، وغالى في التمسك بشرائعه، والعمل على نصرته، فوجد غلام في هذا السلطان ضالته، فتوجه الى الجامع حيث يصلي هذا السلطان، وصلى ورائه مع المصلين ولما إنتهى من صلاته تقدم من الخان الورع وسأله هذا الخان:
-ماذا تريد أيها الشاب؟
فقال له:
-أريد أن أخدم الخان يامولاي.
-وأية خدمة تستطيع تقديمها لي؟
-أراك ياسيدي الخان كثير الإهتمام بدينك كما أنك كثير الإهتمام برعيتك، وعندي من الفن في بناء المآذن ماليس لغيري مثله!
-ومن أين أنت أيها الشاب، هل أنت حاجي علي؟
-لا ياسيدي أنا تلميذه وأستطيع أن أبني مئذنة كان يحلم بها أستاذي ولم يحققها.
وفتح الخان خزانته ليمول بناء المئذنة، فجاءت آية في الفن والجمال. وسمع حاجي علي بهذه الإعجوبة في بغداد، وشد الرحال ليراها، ووقف ينظر اليها بإعجاب وتفاجأ حين رأى تلميذه غلام في الصحن الأعلى للمئذنة، فصعد اليه فلم يجده، وطاف حول صحن المئذنة فلم يجد له أثراً، ونظر الى الأرض فإذا بغلام علي يقف وعلى وجهه إمارات الظفر. فعرف الحاج علي أنه سرق منه سر بناء هذه المئذنة وسبقه الى بنائها، فرمى بنفسه من أعلى المأذنة الى الأرض ليموت غيظاً وكمداً!
هذه هي إسطورة مئذنة سوق الغزل، وقد يكون فيها بصيص من الحقيقة. (إنتهى النص) وأنا أرى فيها الكثير من الدروس...

الطالب غير الأمين، تأريخ المدينة، عدم إمكانية تصميم معلم مهم في المدينة من غير التقرب من الحاكم! وأخيراً الإستاذ الـover.
 لا أعرف إن كان (شمر روحة) بسبب الغيض والكمد؟ أم أراد أن يُفسد نشوة الإنجاز على الطالب، فعندما يتسأل الناس لماذا شمر روحة من المنارة سيعرفون القصة ويعرفون خيانة غلام علي ولا يستطيع بعدها الفخر بمنارته ! 

















الثلاثاء، 19 يناير 2016

الجني والحرامية

مع التفنن عبر السنين بإختيار الناس لأسماء بناتهم، تساءلت قبل فترة: لماذا لم يسمي أي أحد إبنته: كهرمانة؟
نتغزل بمدينتنا وتأريخها الإسطوري ومعالمها الفنية، ولكننا لم نفكر بتسمية إحدى بناتنا على إسم كهرمانة الجميلة. (وعود ندلعهة: كوكو) 
وكانت الإجابة المقترحة لأحد الأصدقاء أن السبب هو كونه إسم لجارية مملوكة !
واليوم أفكر بسبب إعجاب الآخرين بمدينتنا، بتراثنا وبنسيجنا الإجتماعي (بحالاتهم السابقة طبعاً وحتى الحالية في بعض الأحيان)، بينما لم نستطع نحن المحافظة على التواصل مع كل تلك القيم الإيجابية التي ورثناها من الماضي، ليصبح حالنا سلبياً نحاول التخلص منه بأقرب فرصة ممكنة بالهجرة الى الخارج. 
هل نحن بحاجة للأمثلة؟
كتبت سابقاً عن سيرل بورتر، الضابط في الفريق الهندسي للجيش الإنكليزي، كان يقول لأبنائه: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا، ولا أبدله ببريطانيا البتة!
كَابور، المهندس المعماري الكندي، صديق أمين العاصمة السابق، (والعهدة على الراوي!) وبعد أن ترك زوجته في المطار وهي تتوسل به لتثنيه عن زيارة بغداد قال بعد أن (إفتر بيهة): (بودي أعيش هنا ... وكَال لزوجته: تعاي شوفي الجمال، الفضاءات والناس) ... وحلف والله العظيم يروح يجيب زوجته ويرجع لبغداد! (بس الظاهر مكدر يقنعهة بالجيّة لو كَلتلة ترة أطلكك وأخذ نص فلوسك!)
وأخيراً من رواد العمارة العالمية، الأمريكي فرانك لويد رايت ... نقرأ في كتاب (جني بغداد) للإستاذ موفق الطائي، وبعد أن تم دعوة رايت من قبل الملك فيصل الثاني لتخطيط وتصميم مركز ثقافي على ضفاف دجلة في بغداد قال في عيد ميلاده التسعين: إنها أجمل هدية عيد ميلاد!


ما جعلني أفتتح النص بكهرمانة، هو وصف رايت لنفسه بقارئ لقصص ألف ليلة وليلة منذ كان صبياً، ويرى نفسه أحد أتباع هارون الرشيد ... ثم يؤكد الكاتب أن مصادر رايت المعرفية تعتمد على رؤية إسطورية للحضارة في العراق متأتية من قصص ألف ليلة وليلة، وهو حتى كان يظن أن هارون الرشيد هو من أنشأ مدينة بغداد وليس أبو جعفر المنصور.
وهنا بالتحديد أعاني من مأزق (قول ما قلته سابقاً)، وهو ما نأخذه على بعض الباحثين والمعماريين، إنهم يصلون الى القناعة بسبب معين أو ظاهرة أو معادلة تفسيرية، ويرجعون أليها أغلب المواضيع الجديدة المطروحة للنقاش، حتى قد نشعر أن أحاديثهم متشابهة وقد تصيبنا بالملل. الأمر مشابه مثلاً لما يعانيه الشباب اليوم مع الأهل، أي شكوى من قبل الشاب عن علة جسدية أو مشكلة حياتية تكون إجابتهم: كلة من ورة الأنترنت! فيما يخصني مثلاً، فإن أي نقاش مع أمي حول جميع ما يمر به العراق من (خربطة) يكون جوابها: طبعاً لأن ممربين نفسنة، أو أن الشخص محل النقاش، ممربي نفسه.
هل هم مخطئون؟ الباحثون، المعماريون، الأهل، أمي ؟
وهنا يأتي دور المأزق الثاني، وهو أي حديث عن قضايا العمارة هذه الأيام، لا يمكن أن ينفصل عن قضايا السياسة وسوء الإدارة والفساد والمظاهر المجتمعية السلبية السائدة، وقد يكون هذا مأزق العمارة في كل الأوقات!

العامل المشترك بين المأزقين السابقين، هو الطمع وأعلى مستوياته، الجشع.
منذ أيام (الأربعين حرامي)، و(قاسم) شقيق علي بابا الذي نسي كلمة (سمسم) لإنه إنبهر بذهب وجواهر المغارة وحاول أن يأخذ أكبر قدر ممكن، على عكس علي بابا الذي قنع بما ملئ به جيوب سرواله. ثم الجانب السلبي من شبكة الأنترنت وليس المعرفي الإيجابي الذي يعتبر الوسيلة الأفضل لفتح العقول المغلقة إذا أحسنت إستخدامه .. وأخيراً قول أمي عن عدم تربية النفس. وهي تقصد أن لا يستطيع الإنسان مقاومة رغبة الحصول على المال بأي طريقة ممكنة. الإنتماء لجهة تضمن له الحصول على منصب وراتب كبير أو العمل في شركة تعود لنفس تلك الجهة ومشاركتهم بــ(اللغف) أو تصميم مشروع لإنسان معروف بأنه يسرق أموال الناس.
ويجب أن أعترف بأنني شاركت بالنوع الأخير، وأبرر لنفسي وقد لا يكون مقبولاً، إن الحالة الأولى في بداية التغيير ولم تكن الشخصيات مكشوفة على حقيقتها السيئة، والحالة الثانية لم أكن أعرف الزبون الحقيقي والعمل تم عن طريق شخص آخر.

أكثر ما شد إنتباهي في كتاب (جني بغداد)، كلمة فرانك لويد رايت في جمعية المهندسين العراقية وما تتضمنه من ضرورة نبذ السمة المادية والتجارية الأنانية والإعتماد على المبادئ الأصيلة للعمارة، ضرورة الإهتمام بالجانب الروحي المحلي وتشييد المباني التي ترتبط بالإنسان والبيئة التي يعيشها، ويقول: حذار من المبنى الممسوخ الذي سوف يشوه حضارتكم!
ولقد وقعنا في الفخ ... إن جميع ما تعانيه العمارة اليوم هو ناتج عن الطمع والجشع ... طمع وجشع المسؤولين عن إدارة الدولة، طمع وجشع أرباب العمل، طمع وجشع المعماريين ...
أقتبس من خطاب رايت عن تقدّم الحضارة العراقية: هنالك خطر كبير أن هذا التقدم قد يُدمر من قبل السمة التجارية والمادية التي تغفل العامل الروحي، مركز الإلهام والجمال وفي النهاية: الجمال والسعادة هما أهداف الحياة.
وأتخيل أن أحد الحاضرين تمتم قائلاً: صدك ... الفلوس وصخ دنيا ... والجفن مابي جيوب !

ولكن هل هذا كلام منطقي ؟ هل يقتنع أحد الشباب اليوم أن الفلوس وصخ دنيا؟

هل يعني أن نعيش فقراء لأننا لا نرغب بالمشاركة في أي عمل غير قانوني ومشبوه أو قانوني ولكنه يدمر كل ما ندرسه ونفتخر به من قيم العمارة المحلية؟  نعيش فقراء ونحترم ما تمتلكه مدينتنا من خصائص معمارية ملازمة لها، ولا نجري وراء من (هم ودم) كما يقول غسان من أجل شراء هاتف ذكي أو سيارة بموديل جديد أو قطعة أرض غير مرخصة.


لا أعتقد أن كلمة فقراء مناسبة، ولكن من (المفترض) أن نتقبل المستوى المادي الذي يضمن لنا عدم التقلب في القبر عندما يقول أحدهم في المستقبل: الله يلعن كلمن شارك بتهديم العراق!









الأربعاء، 13 يناير 2016

أمنيات وتجارب

أن تكتب قائمة بالأمنيات التي تريدها أن تتحقق ... ثم يأتي أحدهم فيقول لك: إحذر مما تتمنى! 
كانت واحدة من أمنياتي السابقة أن أجرب مهمة التحكيم في مباراة لكرة القدم.
مهمة صعبة وممتعة ... المعرفة بالقوانين، التركيز على الكرة، الحركة خارج إطار حركة اللاعبين، وكونك تمتلك السلطة، سلطة (الصافورة).
وقبل سنتين تقريباً ونتيجة لوجود أكثر من فريق في الساحة كانت المباراة بحاجة الى حكم من الفريق الذي لا يلعب، وهنا حققت تلك الأمنية. أعطوني الصافرة وحكّمت المباراة دون أخطاء شنيعة.
بعدها مباشرة .. أصبت بالإنفلونزا، والسبب أن الصافرة كانت (بحلك ميت واحد قبلي)!

في بداية هذا العام فكرت بعدد من التحسينات الواجب عملها، ومنها الممارسة المستمرة للرياضة، وصادف أن تغير موعد بطولة الجامعة في كرة القدم، لذا كانت بداية مشجعة لزيادة اللياقة والإستمرار المفترض لبقية السنة.
لعبنا أول مباراة وخسرناها (3-2) وحجتنا أننا لم نلعب سوية منذ فترة طويلة جداً، ثم تم الترتيب لمباراة ودية ... نعم ودية، ومن المفترض أن يعلم الجميع ماهي المباراة الودية (لياقة، تنظيم الفريق وأخيراً الونسة). وما أن أستلمت الكرة للمرة الثانية بعد نزولي للملعب حاولت أن أتجاوز اللاعب المنافس، فما كان منه إلا أن ضرب ساقي، ففقدت السيطرة، ووقعت بطريقة خاطئة على القدم لينكسر أحد عظام مشطها!

أقرأ ليوسف العاني (شؤون وشجون مسرحية)، وأفكر بالشبه بين المهندس المعماري والممثل في ضرورة تقمصه للشخصيات. تصمم مسكن فتتقمص شخصية صاحبه ومتطلباته وتتجول فيه خيالاً أو عن طريق برامج الكومبيوتر المتوفرة. تصمم مسرح، فتتقمص دور الممثل وكيف سيدخل الى الفضاءات المخصصة له وكيف سينتقل الى المسرح، تتقمص دور المخرج وكيف سيستعمل فضاء العرض لحركة الممثلين وتوزيع قطع ديكور خلفية المسرحية وتتقمص دور الجمهور وكيف يشاهدون المسرحية براحة وتوفر لهم كل الخدمات المطلوبة. تصمم مستشفى فتتقمص دور المريض والطبيب والممرضة حتى! وهذا الحال في كل المشاريع الأخرى.
الأمر مشابه للممثل بطريقة معينة فهو بحاجة لتقمص الشخصيات أمام الجمهور، أما المعمار فهو يتقمصهم بينه وبين نفسه لينتج عن ذلك قرارات تصميمية ملائمة لوظائفهم وسلوكهم.
 لا أعرف حقيقة إن كان هنالك مهنة أخرى غير العمارة والتمثيل تتطلب هذا التحدي؟
لحظة ... الروائي أو القاص يتقمص أيضاً شخصيات أبطاله وهم يتنوعون تنوع الحياة. ولكن الثلاثة يختلف نتاج تقمصهم، فمرة نص مكتوب، ومرة حركات وجه وجسد وكلمات وأخيراً مخططات معمارية تتحول الى مباني تضم داخلها كل ما سبق.
وبعيداً عن التقمص الإختياري لأغراض العمل، تقمصت نتيجة للحادثة السابق دور ذوي الإحتياجات الحركية الخاصة. العيش بعكازين والإعتماد على الأخرين في إنجاز الكثير من الإحتياجات اليومية.

ولكن هل من المبالغة الحديث عن متطلبات ذوي الإحتياجات الخاصة في ظل مشاكل العمارة العويصة التي نعاني منها حالياً ؟ نعم قد يجدها الكثير مبالغة !
 يجب الإشارة الى الأعداد المتزايدة لذوي الإحتياجات الخاصة نتيجة للحروب والصراعات السابقة والحالية، لذا نحن بأشد الحاجة للإهتمام بتلك المتطلبات، الإهتمام من خلال تضمينها لتصاميم أي مشروع معماري نعمل عليه، وبنسب تعتمد على نوع المشروع. ومن خلال الجانب الأكاديمي أيضاً، فزرع أهميتها لدى طالب العمارة، وربطها بالواقع الذي يعيشه، قد يكون مفيد جداً للمستقبل، فعند تكليفه بأي عمل، سيؤكد هو على ضرورة وجودها حتى لو تجاهلها الزبون، نتيجة لإيمانه بأهميتها لفئة من المستخدمين.
ليس دافع الكتابة هنا توضيح طبيعة تلك المتطلبات لأنها متوفرة في كتب التصاميم القياسية للمباني المتنوعة، ولكن الدافع هو التمني بتوفير قدر من الحرية لذوي الإحتياجات الخاصة، الحرية في أن يحققوا أحلامهم بمفردهم دون الحاجة الى شخص آخر قد يجدونه أو لا يجدونه.

الحقيقة أن التجربة متعبة ولكنني أتمنى أن تكون ذات فائدة ... لن أصمم أي مبنى مستقبلي دون أن أفكر بهم ... رزقنا الله وإياكم السلامة.